Friday 20th August, 1999 G No. 9822جريدة الجزيرة الجمعة 9 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9822


الأديبة القطرية د,هدى النعيمي في حوار لـ الجزيرة
كيف لي أن اجتاز حقول الألغام التي تعترضني؟!
الجمود والتبعية هما العدو الأول للثقافة العربية
أرفض مصطلح الأدب النسائي

* حوار: شريف صالح
هدى النعيمي وجه من الخليج تمتزج فيه صلابة الارادة برقة الخجل، اصدرت مجموعتين قصصيتين هما :انثى ، ومكحلة من خلالهما لاتطرح مايهم المرأة القطرية او الخليجية فحسب وانما ترمي بسهم الكتابة النافذ في كل ماتعانيه المرأة العربية من هموم وماتطمح اليه من آمال,, سطورها اشبه برقرقة نهر هادىء وحميم، مؤثرة دون صخب,, دون افتعال، ومن خلال الكتابة تعيد اكتشاف الاشياء.
حصلت هدى النعيمي مؤخراً على درجة الدكتوراة في الفيزياء من جامعة القاهرة، لتجمع بذلك بين واقعية العلماء وخيال الادباء، وبمناسبة هذا التحقق العلمي كان هذا الحوار للجزيرة:
الدكتوراة لاتغني عن الكتابة
*لنبدأ من النهاية,, بعد حصولك على درجة الدكتوراة في الفيزياء نود ان نسألك هل كان لتخصصك العلمي تأثير في ابداعك؟
-تخصصي في علم الفيزياء اضفى الي خصلة احبها، وهي حب الاكتشاف والبحث الدائم عن الحقيقة وعدم الاكتفاء بالنظريات السائدة ولكن التشكك فيها واجراء التجارب المبتكرة للتحقق منها فاما الوصول الى انها ثوابت لاتتغير وإما الوصول الى حقائق جديدة,, تعلمت من علم الفيزياء ايضاً انه يوجد اصغر من الاصغر (الذرة- النواة- النيوتونات- البوزوترون,,) كما يوجد دائماً اكبر من الاكبر (القمر- الشمس- المجموعة الشمسية- المجرة- الفضاء,,) وبين الاكبر والاصغر تتفاوت الاحجام والمساحات، هذا التفاوت المتنوع ينصب بشكل مباشر على ما اكتبه، النبش في الذات وتفتيتها الى اجزاء ودراسة كل منها على حدة,, وعدم الاكتفاء بالشكل الظاهري للاشياء او البشر، وقد تظهر كلمة الفيزياء في كتاباتي في اكثر من موضع مثل انعكاس الصورة في المرآة او صدى الصوت دون الدخول العميق الى قوانين الفيزياء فالكتابة الابداعية خارج اسوار الجامعة وقاعات الدرس,, اكثر ايقاعية.
*تحققك العلمي والعملي يجعلني اسألك لماذا تكتبين وتضيفين الى اعبائك عبء الكتابة؟
-لماذا اكتب؟! تروت قليلاً ثم قالت : كثيرون يحلو لهم عندما يتناولون اجابة مثل هذا السؤال، ان يتقمصوا شخصية الحكيم والمفكر والمنظر، ويرددوا بعد تفكير عميق، ونظرة تكاد تخترق الحجب والاستار: نحن نكتب لاننا نريد ان نغير العالم، نريد ان نعيد تشكيله من جديد، والاقل تبسطاً منهم قد يرددون مقولة جوركي: لقد جئت الى العالم لاعترض، او حتى مقولة نزار: ان الكتابة عمل انقلابي, اقول لك بتواضع خال من الافتعال: ان الكتابة عندي تنفيس عن عواطف مضطربة,, صرخة احتجاج ضد اوضاع اجتماعية ظالمة,, محاولة لرد الاعتبار الى تلك الكتلة التي تمثل السواد الاعظم في مجتمعنا العربي، كتلة المقهورين دائماً وابداً من النساء والرجال.
وكتاباتي حتى الآن تدور في معظمها حول المرأة وما تلاقيه من عنت وظلم ونظرة جائرة ترتد بها الى عصور الجواري والحريم، وهذا في رأيي- اي الكتابة عن عالم المرأة - اقرب الى الصدق وبعيد عن الادعاء, فالكاتب يكتب عما يعرف ، وعما يكابد, لكنني اعترف انني لا اكتب لنفسي بل اكتب للآخرين ايضاً, وان هناك علاقة جدلية بيني وبين القارىء، هو يأخذ مني، وانا ادخل عالمه، فيتوحد العالمان ويشكلان عالماً فنياً خصباً فيه العمق والشمول واتساع الرؤية.
والكتابة عندي هي كنزي الغالي الذي يمنحني شعوراً بالفخر والرضا، هي الحوار الدائم والمستمر بيني وبين الشخصيات التي احاول صياغتها فإذا بها تتمرد عليّ ، وتحاول ان تشق لنفسها دروباً وعوالم رغم انفي، وندخل سوياً في معركة فكرية، ثرية وغنية: من منا يقود الآخر، وكيف تكون النهاية؟! لا اعرف!
أنثى المكحلة
*من خلال اصدار مجموعتين لك، وقبل ان نتكلم عنهما بالتفصيل، هناك سؤال مطروح: كيف استقبل النقاد ابداعك القصصي؟
-اعتقد انه كان استقبالاً جيداً ومفرحاً بالنسبة لي، فقد اشاد به العديد من النقاد الكبار مثل الدكتور عبدالمنعم تليمة ووديع فلسطين والدكتور صلاح فضل وغيرهم، وكذلك الروائي العربي الكبير حنا مينا,, وهذه الحفاوة تسعدني ككاتبة وايضاً تزيد احساسي بالمسئولية تجاه ما اكتب، تماماً كما حدث عندما حصلت على جائزة الابداع الادبي في المسابقة التي نظمها نادي الجسرة الثقافي لاول مرة في قطر، فلقد زاد عليّ عبء تجديد الحبر في قلمي حتى لايصيبه الركود او الجفاف.
*تعكس مجموعة انثى خصوصية البيئة الخليجية على عكس مجموعات كثيرة، فما الاسباب؟
-بعض الرموز الخليجية- كالغترة والعقال والقهوة العربية- تتسرب الى كتاباتي دون قصد اونية مبيتة، فانا لم ولن احاول ان اخلع الثوب الخليجي الذي اعتز به ولكن معاناة الانسان العربي واحدة ، المشاكل تتشابه وتتشابك والكتابة عن الانسان العربي هي ما اقصده، هذا الانسان قد يكون قطرياً او كويتياً او مصرياً او ليبياً، فاذا لبس العقال لايعني انه قد تخلص من الذات العربية او ابتعد عن الحس المصري او التونسي ، ولكنه بحكم هذه النقطة الجغرافية ارتدي هذا الرداء، فالبوتقة التي ينصهر فيها هذا وذاك واحدة ولافكاك,, واذا كانت البيئة الخليجية قد انطبعت على كتاباتي فلانها النموذج الحي الذي نشأت فيه واستطيع استخدامه في صنع قوالبي القصصية اكثر من غيره من النماذج، كما قلت بحكم النشأة وهي مصادفة، فبالصدفة ولدت قطرية لا اردنية او سورية,, لافضل لي في ذلك ولاذنب لي فيه,, ولكن كلما سافر المبدع والتحم بثقافات اخرى متنوعة اصطدم بنماذج انسانية اكثر ثراء وعمقاً من تلك الموجودة في مجتمعه، بل انه يكتشف في مجتمعه جوانب لم يكن يعلمها قبل السفر او قبل القراءة.
الأسرة الخليجية
*يلاحظ القارىء في العديد من قصصك الاهتمام الفائق بقضايا الاسرة,, فماذا تعني لك الاسرة؟
-لن اضيف جديداً اذ اقول ان الاسرة هي لبنة بناء اي مجتمع خليجي، عربي، اجنبي، الاسرة هي النواة الاولى والخلية الاولى التي تكون عند تجمعها وتفاعلها المثمر نسيجاً عضوياً واحداً يقوم بمهماته باسلوب صحي، هي الرحم الذي يحتضن ابناءنا الصغار فاذا توفرت لهم الظروف الحياتية الملائمة اصبح لدينا جيل واع من الشباب نستند إليه ونحمله مسئولية النهضة, ومن هنا جاء اهتمام ديننا الحنيف الاسلام بالاسرة ورسم شكل العلاقات داخلها وبينها وبين الاسر الاخرى: اقارب- معارف- جيران,, ونحن في الخليج -والحمد لله- نلتزم بروح الدين ونطبقه على نظام الاسرة، وما اراه اليوم في كثير من الاسر الخليجية هو الوعي بمستجدات الامور دون الانبهار بها ودون الانقياد الاعمى نحو هاوية لانعرف قرارها.
اسر كثيرة في الخليج تسافر الى الخارج وتتعرف على ثقافات اجنبية تتفاعل معها ويتعلم اولادها لغات اخرى بجانب التعليم المدرسي,, ولقد ساعدنا كثيرا نحن في هذه المنطقة وبعد ظهور النفط، هذه الثروة التي حبانا الله بها، اختلاطنا المباشر بالثقافات الاخرى فكان هذا التفاعل المثمر الذي نلمسه في ادنى مستوياته، في المطبخ الخليجي مثلاً الذي صار يجمع بين الكبة والتبولة (لبنان) المنسف (الاردن) بجانب الستيك والخضار سونى,,, هذا المزيج المتناسق في المطبخ يمكن عكسه على الحياة الخليجية ككل، حيث تداخلت الثقافات كالنغمات لتعزف نوتة موسيقية واحدة، عربية الرسوم والمعنى.
*لنخرج من نطاق الاسرة وتنوع ثقافاتها الى الاسرة الاكبر والاهم وأعني الامة العربية وثقافتها، كيف ترين المستقبل؟
-الثقافة العربية المستقبلية هي في حقيقة امرها حركة وصيرورة وانبثاق دائم، هي حركة التجديد المستمر لخدمة غايات وقيم، وعظمة هذه الثقافة تتبدى في مقدرتها على مراجعة ذاتها دوماً، وقدرتها على مواكبة كل المتغيرات العارمة التي تعصف بكل ثقافة تنكفىء على ذاتها وتتقوقع، وتقبع كالجوزة داخل قشرتها, هذا الموقف التقليدي الجامد ييسر -دون وعي- سبل اغتيال الثقافة العربية والاسلامية من قبل الموقف العالمي الغازي والطامع الذي يريدها متحجرة متجمدة وقد انفض من حولها الواقع وهجرها الناس.
والامر الاخر الذي يؤدي الى كارثة - بجانب الجمود- هو محاولة اللحاق بالغرب لحاق العبد بالسيد دون ان يملك العبد مايبرر احترام كيانه وهكذا تكتمل التبعية الكاملة، فعلينا الاننتظر المن والسلوى من احد، وان ندرك اننا لو لم نكرم انفسنا فلن يكرمنا احد وهذا يقتضي منا بذل الجهد للقضاء على التخلف الاقتصادي والعمل على تماسك البناء الاجتماعي والضمان الكامل لحقوق الانسان.
إن الثقافة تعني في خاتمة المطاف فتح الذات الى اقصاها علماً وتقنية وخيالاً وفكراً,, انها تطلع الانسان الدائم نحو مزيد من العطاء والابداع.
أدب نسائي لا ,, كتابات المرأةنعم
*يقول البعض ان ما تكتبه المرأة هو تجربة ذاتية ويبدأ على الفور في اسقاط الحدث على ذات الكتابة,, كيف تتعاملين مع هذه الاشكالية؟
-هذا القول ينطبق على كاتب القصة المبتدىء -رجلاً كان او امراة- التجارب الاولية عموماً يظهر فيها مدى تضخم الذات عند الفنان، فيعتبر تجاربه المتسمة بالسطحية في اغلب الاحوال محور الكون والمحرك الرئيسي للاحداث، رغم انها تنقصها الخبرة والعمق، وتكون في الغالب صدى لتجارب الكتاب الآخرين, مع الممارسة والقراءة والاحتكاك بالحياة تنضج موهبة الكاتب،وتصبح رؤيته للواقع اكثر اصالة ويبدأ في تكوين اسلوبه الخاص اما اذا كان المقصود بالسؤال هو رؤية القارىء لهذه الكتابات التي تصدر عن اديبات عربيات، فانني ارده الى مقولة الناقد صبري حافظ تلك النزعة المضمرة التي تحاول ان ترد كل كتابة المرأة الى خبرتها الذاتية، وان تجعلها نوعاً من السير القصصية لاخراجها من مجال الرواية الجادة، ناهيك ايضاً عن نوع أسوأ من الإضمار! لايريد ان يصدق ان باستطاعة المرأة ان تبدع ادبا وان كل ماتكتب عن شيء لم تعشه ويسعى الى استخدام كل ماتبدعه ضدها هذا الامر كما هو واضح نوع من الحرب التي تشن على كتابات المرأة وليس امامنا الا المجابهة والتنوع في الكتابة.
*هذا يجعلنا نطرح مفهوم الأدب النسائي للنقاش والمساءلة؟!
-بداية نحتاج الى تحديد هذا المصطلح قبل ان نتفق معه او نختلف، وبصراحة حتى اليوم يعمد الكثير والكثيرات - وانا منهم- لرفض هذه التسمية لانه ضمنياً يحمل نوعاً من التحقير للمرأة ويضعها وماتكتب في مرتبة دونية وذلك انما هو انعكاس للواقع الاجتماعي الذي ينقل مشكلاته الى الواقع الادبي، هذا المصطلح الادب النسائي المشحون بالمفهوم الحريمي القديم والمتجدد دائماً يدعونا الى النفور منه حتى لو جاء هذا النفور على حساب الهوية النسائية المتفردة، وقد يدعو ذلك النفور الى السقوط في هوة اشكالية اخرى وهي الندية الفجة بين الرجل والمرأة, باختصار ما من ادب رجولي وآخر نسوي، اما ادب او لا أدب!!
*بمناسبة الحديث عن الادب النسوي,, يقال ان الكاتبات المصريات كن الاقدر على كسر (التابو) فما رأيك؟
-نعم اتابع الكاتبات المصريات وما يقال بشأن كتابتهن وربما مقولة الناقد ادوار الخراط انه موسم كتابة البنات تنطوي على تكريس المصطلح القديم (الادب النسائي) او بتعبير ادق واكثر تحديداً كتابات المرأة لان هذا يحدد الكاتب في كونه امرأة اما الادب النسائي فقد تعني الادب الذي يكتبه الرجل على لسان امرأة وعن همومها واحلامها مثلما نجد في اشعار نزار,, اذن فليكن الحديث عن كتابات المرأة التي اتهمت بانها تكتب جسدها، وانا لااتفق مع هذا الاتجاه الذي يلجم لسان المرأة عن الحديث بينما يطلق العنان للرجل في الحديث عن خصوصياته وخصوصيات المرأة التي برفقته ويعتبر ان محاولة الكاتبة للحس المسكوت عنه هي تكسير أسمى الأعراف الانسانية والذي يقوم على ثنائية مطلقة (ابيض- اسود) (رجل- امرأة),.
من حق الكاتبة ان يتحرك قلمها بين اصابعها دون قيود الا لضرورة ابداعية، ودون ادعاء او تزيد او خوف من المجتمع الذكوري, وانا ضد اصطياد الكلمات من صياغة الجملة او الفقرة او المعنى العام لنعتبرها اداة الجريمة التي استخدمتها هذه الكاتبة او تلك لتكسر التابو بينما نشيد بالكاتب الرجل الذي يصف ادق تفاصيل المرأة دون ان نسأله من اين له بهذه التفاصيل؟!
*هل يعني هذا ان المرأة ككاتبة تواجه مشكلات في علاقتها بالرجل؟ وهذه المشكلة المركبة كيف تخرجين من مأزقها؟!
-كيف لي ان اخرج من هذا المأزق ولايزال القلم في يدي! كيف لي ان اجتاز حقول الالغام التي تعترض طريقي ككاتبة,, ما اكتبه ويكتبه غيري ياسيدي هو محاولة لتطهير حقول الالغام هذه,, محاولة لشق ممر نستطيع ان نعبر منه وننبه الاخرين الى هذه المناطق الخطرة,, انه ميراث ثقيل من القيود والنظرة الظالمة الى المرأة بوجه عام والى الكاتبة بوجه خاص,, ولكن ماذا اقول؟ انه قدرنا: ان نجابه، ونقاوم ونتحلى بالشجاعة والاصرار والاننهزم ونرفع الرايات البيضاء خنوعاً واستسلاماً.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved