Saturday 28th August, 1999 G No. 9830جريدة الجزيرة السبت 17 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9830


هيبة الحضور,, هيبة الحوار

صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز رحمه الله وأسكنه فسيح جناته كنت ألتقيه كما يلتقيه الآخرون من مثقفي بلادنا ومثقفي العالم العربي, وكان دائما يملأ مكانه: في هيبة الحضور, في هيبة الحديث او الحوار,, لكنني ساذكر هنا تحديدا ثلاث مناسبات أدنتني كثيرا من المرحوم، وهي جعلتني أعرف عنه ما يعرفه أكثر المقربين منه.
المناسبة الأولى: هي الأسبوع الثقافي الخليجي الذي اقيم في باريس عام 1402ه فقد شرفني سموه بأن جعلني عضوا في الوفد الرسمي الذي ترأسه لهذه المناسبة, وعدا المشاركة في فعاليات الأسبوع فقد عقد سموه والوفد المرافق له بعض اللقاءات مع المسؤولين عن الشباب والثقافة في فرنسا، واستطيع ان أقول بأن الذي لا يرى فيصل بن فهد في مثل هذه اللقاءات من الصعب ان يقول انه يعرفه او يدرك جميع مواهبه, لقد أثار سموه اهتمام كل من جلس إليه من الفرنسيين، بل لقد ألقى في روع الجميع بأن بلادنا ليست نفطا فقط ولكنها فوق ذلك بيئة ثقافة عريقة، وأرض حضارة راسخة, أما أهلها فهم على عكس ما يتردد عنهم في الميديا الغربية من صفات السفه، فهم أصحاب رسالة، ولهم دور لا يستهان به في تشكيل التصور الصحيح لمستقبل الشرق الإسلامي كله, لقد كان فيصل بن فهد ملء البصر، وملء العقل، وملء الفؤاد, وقد قال للفرنسيين، في احاديثه معهم، وفي تصرفاته في بلادهم، ما لم يقله الكثيرون غيره, وقد امتلأت غبطة وسعادة لأنني أدركت بانني لم أكن أعرف فيصل بن فهد بالمقدار الذي عرفته عليه في هذه المناسبة,, فقد كان حقا يملأ المكان,, هيبة في الحضور وهيبة في الحوار.
وقد تكررت فرصتي هذه للمرة الثانية في مؤتمر وزراء الثقافة للدول الإسلامية الذي عقد في العام المنصرم بمدينة الرباط في المغرب,, إذ شرفني سموه مرة أخرى بأن أكون عضوا في الوفد الرسمي الذي ترأسه لهذه المناسبة, لقد كان سموه رحمه الله كعادته هو نجم تلك التظاهرة الكبيرة بلا منازع، داخل قاعة المؤتمر وخارجها,, الكل ينتظر ما يقوله فيصل بن فهد، والكل يصغي إليه، والكل يعيره جميع حواسه وأحاسيسه، ليس فقط لأنه يمثل المملكة العربية السعودية بما لها من ثقل تاريخي وسياسي واستراتيجي، ولكن أيضا لأن الرجل نفسه ظل دائما بالغ الهيبة,, هيبة الحضور وهيبة الحوار, ففيصل بن فهد عندما يريد أن يحقق شيئا ما ينفك يكافح ويناضل الى ان يصل إليه، وسلاحه دائما هو سلامة المنطق، وقوة الحجة, فإلى حدة ذكائه، وبالغ حنكته، هو يتمكن من ثقافة ذات طراز رفيع ولا سيما في التاريخ والسياسة، واتذكر في المناسبة نفسها ان أقام سعادة الأخ الصديق الدكتور عبدالعزيز خوجه سفير خادم الحرمين الشريفين في المغرب حفل عشاء خاص في بيته على شرف سمو الأمير فيصل بن فهد فحضر العشاء ثلة من كبار مثقفي المغرب وعلى رأسهم المؤرخ المغربي المعروف الدكتور محمد بن شريفه والاستاذ محمد براده وغيرهما,, لقد أخذ فيصل بن فهد أكثر وقت اللقاء، وهو يتنقل من تاريخ الجزيرة العربية، الى تاريخ الأندلس، الى تاريخ المغرب نفسه، مما أثار دهشة الحضور من المثقفين المغاربة، فهو العارف للأحداث، المدرك لتفاصيلها، القادر على تحليلها واستكناه نتائجها، وقد قالها صراحة أحد الحضور موجها كلامه الى سعادة السفير السعودي بعد نهاية اللقاء إن أميركم هذا أمير مشرّف ياسعادة السفير .
لم أر إلا القليلين جدا ممن هم في مواهب فيصل بن فهد وقدرته على أن يكون هو سيد المكان,, وهو سيد الحوار.
أما المناسبة الثالثة التي أدنتني من سموه، ففيها عودة الى الوراء قليلا,, أي الى العام 1404ه عندما شرفني رحمه الله باختياري رئيسا للوفد السعودي الذي أحيا اسبوعا ثقافيا سعوديا في الجزائر، وكان الأسبوع يومها حديث وسائل الإعلام المحلية والعربية, كان عدد أعضاء الوفد حوالي مائة وخمسين شخصا من محاضرين وشعراء وعلماء وموسيقيين وفنانين تشكيليين, كان فيصل بن فهد يعرف شخصيا معظمهم، بل انه هو الذي اختارهم ليقوموا بتقديم بلادهم الى الشمال الأفريقي التقديم الصحيح، فنحن نعاني حتى في البلدان العربية، من الأحكام السبقية غير المنصفة وبعد ان اوضح لي سموه أهداف الأسبوع الثقافي وما يجب ان نصل اليه من نتائج كلفني بأن اتحدث عن كل هذا لأعضاء الوفد في الطائرة الخاصة التي أقلتنا الى الجزائر، ووجهني بأن أنقل اليهم رسالة شخصية منه فحواها: ان المهمة التي نحن ذاهبون من أجلها تتطلب ان نكون أمينين في نقل الصورة الصحيحة للثقافة في بلادنا,, وهي صورة تليق بنا,, وتتلاءم مع تاريخنا,, ومع رسالتنا في هذا الكون الفسيح.
لم يكتف سموه بهذا,, بل كان يوميا طيلة ايام المناسبة السبعة على الطرف الآخر من الهاتف: يسأل، ويناقش، ويستمع الى أدق التفاصيل عن مجريات النشاطات المختلفة التي شملت أكثر من عشر مدن جزائرية,, كان وهو في الرياض يعيد تقويم النتائج ليفاجئنا بتوجيهات جديدة ينتظمها كلها قلقه الدائم الذي ينتهي دائما الى ضرورة ان تظهر بلادنا بمظهرها الصحيح المنصف، وهو كان شديد الاغتباط بالمنجز الثقافي السعودي في الأدب,, وفي الشعر,, وفي التشكيل,, وفي الفلكلور بمختلف صنوفه وأشكاله, كان هو الذي صنع أحداث الأسبوع الثقافي في الجزائر كما هي عادته دائما في صنع الأحداث الثقافية المماثلة في أي مكان يكون لبلاده فيها مشاركة او حضور.
إن من طبيعة النشاطات الرياضية أن تكون في اي مكان هي الأكثر جماهيرية وبالتالي الاكثر ترددا في وسائل الإعلام، وليس صحيحا انها كانت تتفوق في الاهتمام عند فيصل بن فهد على الهم الثقافي فهو كان يُعطي هذا الجانب ما يستحقه من الوقت والجهد والمال في داخل المملكة وخارجها,, والجميع يعرف مدى الدعم المستمر الذي يقدمه سموه للمؤسسات الثقافية ولا سيما ما يقع منها تحت مسؤوليته مثل الأندية الأدبية وجمعيات الثقافة والفنون، والجميع يعرف المستوى المشرف للمشاركات السعودية في المنتديات والمحافل الثقافية في الخارج.
هذا هو فيصل بن فهد المثقف والمسؤول كما عرفته,, حب لا يوصف لبلاده ولأهلها ولشبابها,, وهو كان دائما ملء المكان: هيبة في الحضور,, وهيبة في الحوار.
والحديث عن فيصل بن فهد الإنسان حديث يطول,, حديث سيستغرق الكثير من الصفحات وسيستنفد الكثير من المداد,, والجميع يعرف هذا ويتابعه ويلمسه، ولقد كنت ولله الحمد ممن وفقهم الله الى الكتابة لسموه عن بعض الحالات الحزينة، وأذكر انه لم يتردد رحمه الله للحظة واحدة في الاستجابة لتلك الحالات وللتعاطف مع اصحابها فقد مد لهم يد الخير مضمدا جراحهم,, مكفكفا بعض الدموع التي كانت تكوي وجوههم.
وفي الختام,, لا بد من ذكر آخر لقاءاتي بفقيد البلاد الكبير,, كان ذلك قبل عدة اسابيع عندما أدخل مولاي خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه الى المستشفى التخصصي بالرياض قابلت سموه وهو ينزل من سيارته عند باب المستشفى، فكان مما أفضى به إلي رحمه الله ان مما يشغل باله هذه الايام هو تمثيل المملكة في الاتحادات العربية للكتّاب والأدباء وهو يفكر في بعض الصيغ التي يعتقد أنها مناسبة لذلك، فهو يدرك أننا أصبحنا اليوم، أكثر من أي يوم مضى في حاجة الى حضور أقوى وأشد رسوخا في المحافل الفكرية والثقافية في محيطنا العربي,, بل محيطنا الإسلامي كله,, ثم قال لي: سنرتب لقاء عندي في منزلي فيما بعد لنتحدث في هذا بعمق أكثر.
ثم تركنا فيصل بن فهد ونحن جميعا نعرف بأن الكثير من طموحاته وتطلعاته لم تتحقق بعد,, فكبار الرجال مهما حققوا من منجزات مشهودة تظل طموحاتهم أكثر رحابة مما أنجز.
تركنا فيصل بن فهد وهو ما زال في عنف حبه لبلاده، وعنف حماسته لخدمتها والتضحية من أجلها، يرخي العنان لفرسه في السباق الصعب للانجاز الذي يليق بنا,, وبثقافتنا,, وبشبابنا.
إنه الفارس الذي لا يتعب,.
فقد مات وهو مازال فوق حصانه,, لم يترجل,, ولم يسند رمحه قط الى الجدار,.
مات في الميدان,, ونقع الأرض,, او غبار النصر,, يعفر وجهه الطيب الطاهر الذي طالما احببناه,, وطالما قرأنا فوق صفحته الكثير مما نريد، والكثير مما نهفوا إليه,.
الى جنات الخلد ياابا نواف! رحمك الله وألهمنا فيك خير العزاء!
د, فهد العرابي الحارثي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved