* طوت الرياض جسدا نقيا,, وقلبا ابيض كالثلج,, في الرياض ولد,, وفي الرياض توفي,, وكأن الرياض أبت إلا ان تجعل استراحته الأخيرة في رحمها.
دق جرس هاتفي الجوال وكان المتصل الزميل الصحفي المتألق النشط في صحيفة (الجزيرة) والفنان المبدع علي الزهراني,, حياني وظل يتحدث في أمور عادية ولكني كنت اشعر في كلامه الحزن والتنهدات التي كانت تغلف كلماته رغم انه حاول ان تبدو طبيعية,, ثم سألني عن آخر الأخبار,, وبعدها ألقى فجأة بالخبر الفجيعة,, كان يعلم مدى ارتباط الفنان في هذه الأرض بالراحل الكبير القلب,, القيت بنفسي على اقرب مقعد وانا غير مصدقة,, كان يكلمني وانا أجوب بالريموت كنترول القنوات الفضائية وأولاها القناة الأولى المحلية ثم الثانية ولكن لا خبر!! قلت له امزح في أي أمر سوى هذا,, وأكد لي الخبر الذي مزق قلبي,, بعد انهاء المكالمة شعرت بذهول اصابني,, كنت أردد إنا لله وإنا إليه راجعون الى آخر المقال.
* هكذا كتبت الاستاذة الإعلامية والفنانة القديرة مريم الغامدي في زاويتها الأسبوعية (قل للمليحة) التي تسطرها حروفا عبر الشقيقة (جريدة البلاد) وذلك في العدد 15740 الثلاثاء 13/ جمادى الأولى 1420ه.
وقد اوجزت الاستاذة حالتها النفسية التي ألمت بها من خلال مقالها,, ولكنني هنا شعرت بانني حملت اليها الفجيعة التي سمعت بها لاكمل بذلك الخط الثالث الأسود الذي تتخيله امام عينيها منذ معرفتها بالخبر مما جعلني اكتب هذا الرد وانا ارتعش من عظمة المصيبة.
* كنت في طريقي عائدا من الخرج الى الرياض,, وفي هذه الأثناء استقبلت اتصالا من أحد الأصدقاء المقربين الذي حمل الي هذا الألم,, اخذت اتخبط يمينا وشمالا باحثا عمن يبشرني بأن ما جاءني ما هو إلا أكذوبة شائعة وكل ذلك مع اقتناعي بقضاء الله وقدره جلت قدرته، إلا ان الإنسان ضعيف يتحسس في الأخبار المؤلمة مدى صحتها لا سيما اننا نعيش في زمن تفشت فيه الشائعات والقلق وخصوصا انني فتحت المذياع على محطة الرياض ولكن لا شي ء يوحي بشيء,, ثم استخدمت هاتفي الجوال وحاولت الاتصال بالجمعية السعودية للثقافة والفنون ولكن الخطوط مشغولة ثم حاولت الاتصال بالجريدة أيضا كانت الخطوط مشغولة,, لحظتها لم اتمكن من ربط هاتفي مع أي هاتف جوال لسوء الشبكة في تلك الأثناء عدا الهاتف الخاص بالزميل عبدالمحسن النمر الذي رد علي من البحرين بواسطة هاتفه الجوال وعندما سألته عن آخر الأخبار شعرت بانه لا يعلم شيئا,, ثم انتقلت الى سعد خضر واخبروني بانه في مدينة جدة واتصلت بمحمد العلي وقيل لي انه في موقع التصوير الخارجي ثم اتصلت بهاتف علي السبع وقيل لي انه في أمريكا الى ان وصل بي الحال الى محادثة الاستاذة مريم الغامدي.
* قبل محادثتي للاستاذة القديرة كنت اعارض نفسي قبل ان (اصفعها) بهذا الخبر الذي تلقته اذنها من خلال سماعة الهاتف هل اسألها أو أخبرها أو ماذا؟ الى ان وضعتها في الهم الذي كان يشغلني,, لم أكن أرغب في ان أسيء حالتها النفسية او الصحية بهذا الخبر لعلمي الأكيد بما تكنه مريم تجاه الفقيد,, دائما ما تحدثنا عن مواقفه الخيرة النبيلة تجاهها وتضرب به المثل الأعلى,, وقد كانت تستعد لتقديم الجائزة التي حصلت عليها مؤخرا باسم الابداع في مهرجان القاهرة الدولي للإذاعة والتلفزيون لسموه الكريم,, لقد سطرت مريم خطابها وغلفت الجائزة استعدادا لارسالها الى سموه يرحمه الله لتقول له انت معنا ونحن معك,, لقد منحتمونا الثقة وهذه هي الحصيلة,, وكانت تنتظر انتهاء المناسبة الرياضية في الاردن لتزف اليه جائزتها التي حتما ستواكب فرحة سموه يرحمه الله بجوائز رياضية سيحققها أبطال الرياضة في بلادنا إلا ان القدر المحتوم لم يمنحنا جميعا فرصة التواصل معه.
* هنا نعزي مقام سيدي خادم الحرمين الشريفين وسمو نائبه وسمو النائب الثاني واخوان الفقيد وابناءه وعائلة سموه والأسرة المالكة,, ونعزي الملايين من أبناء هذا الوطن المتماسكين في الرخاء وعند الشدائد من الأطفال والشباب وكبار السن.
* نعم,, لقد رحل الأمير الإنسان وبقيت لنا ذكرياته الطيبة التي تصور كامل عطاءاته تجاه وطنه وابناء وطنه من الرياضيين والمثقفين والفنانين والمحتاجين للعون والمساعدة,, رحم الله فيصلا وأسكنه فسيح جناته,, رحمك الله يامن كانت آخر أعماله كفالة الأيتام,, رحمك الله يامن أسس في حياته ليمتد البنيان شامخا بعد مماته,, لقد ودعناك والألم مستوطن في قلوبنا والدعوات تنطلق من افواهنا بأن يتغمدك الله برحمته وإنا لله وإنا إليه راجعون .
علي الزهراني