رحل عنا منذ أيام إلى جوار ربه الأعلى صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، تاركا فراغا هائلا في ميدانين من أهم ميادين الحياة للشباب العربي عامة، هما الرياضة والثقافة, ميدانان مختلفان عن بعضهما البعض، من النادر أن يجمع بينهما أحد, لكن الله قيّض للراحل الكبير قلبا يتسع لهما تخطيطا وفكرا وتنفيذا, عطاء عظيم يهبه المولى لمن يشاء من عباده الأخيار ليحقق للسعودية مراتب عليا، وفي زمن قصير يحير فيه الرياضيون والمثقفون.
ففي الرياضة بمختلف ألعابها برز اسم الوطن في زمن لايزيد عن العقد الواحد,وما هو معجزة على المستوى العالمي، كان التخطيط لهذه المعجزة من فكر أمير الشباب,, هذا اللقب الذي عرف به عالميا، وخاصة في الوطن العربي، فاستحقه الرجل عن جدارة، ان دأبه في تشجيع الرياضيين السعوديين، وسهره على إبداع التنظيم والتدريب المنتظم ومتابعة الخطوات الدقيقة للارتقاء بعدة ألعاب تأتي كرة القدم في مقدمتها، كان هو الطريق الأمثل للوصول بفرق الرياضة السعودية إلى المستويات الأولى عربيا وعالميا في بعض الأحيان.
في كل أرجاء الوطن العربي اذا قرأ مواطن عربي خبرا عن أمير الشباب أو أمير الثقافة، فالتعرف عليه سهل ويسير، شائع ومعروف, فلن يكون الا فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله وطيب ثراه.
وفي ميدان الثقافة,, ماذا أقول؟ لقد مثّل المملكة عشرات المرات في الاجتماعات السنوية لوزراءالثقافة في الوطن العربي, ومضابط الجلسات الرسمية تسجل أفكار ومقترحات الأمير لخدمة الثقافة، ليس في السعودية وحدها, ولكن لكل ارجاء الوطن العربي عامة بلا أنانية أو أثرة.
واصدارات الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون ومطوياتها ومجلاتها الراقية تسجل جهود المثقف السعودي الاول في حرصه على إنعاش الفنون بصفة خاصة، ودعمها ماديا ومعنويا,, ماديا بالميزانية التي تضمن للثقافة مسيرة خلّاقة في نفوس وعزائم الفنانين من شباب السعودية، ومعنويا حتى أهدى الراحل جانبا كبيرا من قصره وبيته لجمعية الثقافة والفنون، وكأنه كان يسعد بقربه من هذه البؤرة الثقافية ذات الابداعات المتعددة.
ازدادت فروع الجمعية لتبث الثقافة والفنون وتنشر رسالتيهما بين ربوع الوطن العربي السعودي, وهاهي النوادي الأدبية تمارس جهودها لإحياء الكلمة الشريفة والوطنية في الشعر والقصة والرواية والندوات.
وأنشأ الراحل الكبير خيمة الثقافة لتمارس نشاطاً ادبياً وفنيا خلاقا, كان لي شرف المساهمة بمحاضرة متواضعة فيها منذ ثلاث سنوات.
وإلى جانب الهواية للثقافة التي كان يتمتع بها الراحل العظيم، كان العمل الرياضي والثقافي يسير على قدم وساق في الرئاسة العامة لرعاية الشباب، إعداداً وتأهيلاً للشباب, فنوادي الرئاسة منتشرة هي الأخرى تقدم المباريات والمسرحيات بين الحين والحين، وسط مبانٍ خصصت لها، في عناية تامة لكل ما يقدم للشباب مكانا ملائما يقضون فيه أوقات الفراغ في اشياء نافعة تعود على العقل والبدن بكل النوايا الحسنة والمستقبل المنشود.
رحل عن عالمنا العربي هذا الكوكب الذي شاهدناه منذ أيام قليلة في دورة الأردن الرياضية، وهو يحتضن فلذات اكباد من اليتامى, يحتضنهم بحنان الآب ذي المشاعر الكبيرة والاصيلة,, حضن الانسان الذي نسي انه أمير,كل هذه المعاني، وكل هذه الذكريات العطرة ستظل في نفس كل عربي انسان، وخاصة في نفوس الرياضيين والمثقفين الذين عرفوا فضائل الراحل الكبير، وجهوده في ميداني الرياضة والثقافة.
منذ شهور قليلة حاضرتُ في ندوة للفنون المسرحية أعدتها واشرفت عليها الرئاسة العامة (الادارة الثقافية) اجتمعتُ مع مدير الادارة ووكيله, فماذا اكتشفت؟ انهما على منوال رئيسهما تماما, صحيح انني لم اتشرف بالمثول بين يدي الراحل الكبير، لكنني اكتشفت تواضعه وفكره من العاملين معه, كانت هذه صورة لامعة تنم عن فكر راقٍ وألمعية خارقة يُورّثها لمعاونيه.
وأمام الألم الدفين الذي انتابني من هزة الخبر، كان لابد ان اجلس لاخطّ ما في سريرتي، وما في ذكرياتي مع اعمال سمو الأمير، حتى وإن لم أشرف بالمثول بين يديه.
وبهذه الكلمة الصادقة، اقدم العزاء خالصا - كمقيم على هذه الارض، وكمشتغل بالكلمة - الى الرياضيين والمثقفين ورواد الكلمة والحرف, بل لعلي اسمح لنفسي بان انوب عن كل مصري في تقديم المواساة في رحيل بطل من أبطال الشرف، الذي قدم الكثير للكلمة الصادقة الشريفة، والمجمع الثقافي - الذي كان سيفتتحه الراحل في بداية الألفية الثالثة بالرياض - قائم، وشاهد بأحجاره على عطاء الأمير الراحل, أسكنه الله فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
|