Saturday 28th August, 1999 G No. 9830جريدة الجزيرة السبت 17 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9830


طولها ألف صفحة واستغرق في كتابتها ثلاث سنوات
الشاعر شريف الشافعي صاحب أطول قصيدة في تاريخ الشعر العربي الحديث
أفسحت الفضاء للحالة الشعرية فكانت القصيدة
الألوان ترتعد بشراهة في شعر شريف الشافعي

* القاهرة مكتب الجزيرة - علاء البربري
في خطوة غير مسبوقة كتب الشاعر الشاب شريف الشافعي أطول قصيدة في تاريخ الشعر العربي الحديث, القصيدة تزيد على الألف صفحة بعنوان الألوان ترتعد بشراهة، والقصيدة/ الديوان احدثت ردود فعل صاخبة في الوسط الثقافي فقال عنها الناقد الأدبي الكبير د, صلاح فضل ان القصيدة تعتبر تحديا سافرا للتقاليد الشعرية لأنه غير مسبوق في تكوينه وامتداده، يتدفق بنشوته دون عصب سردي موصول.
وقال الأديب الكبير خيري شلبي عن صاحب القصيدة انه الشاعر القنبلة,, شاعر العرب قاطبة في السنوات القادمة, وبعيدا عن هذا الاطراء النقدي الذي ينطوي على شبهة مبالغة التقت الجزيرة بالشاعر الشاب في حوار حول ديوانه الجديد الغريب الذي ما يزال يفجر العديد من القضايا حوله.
أطول نص شعري
* أصدرت ثلاثة دواوين في وقت قياسي هي: كتاب إيقاعات الإبداعي ثم وحده يستمع الى كونشرتو الكيمياء واخيرا الألوان ترتعد بشراهة هذا السفر الضخم الذي ما يزال يحدث ضجة على وجه الخصوص,, فما هي قصته بالضبط,؟
- بالنسبة لديواني الاخير فهو نص واحد مطول تزيد صفحاته عن ألف صفحة حاولت فيه إفساح المجال للتمازج بين ثيمات إيقاعية وثيمات نثرية عديدة، حيث يتم طرح فكرة التعدد بكل مستوياته (إيقاعيا - طباعيا - لغويا - تأويليا - جماليا,,,) مع جعل النص بوتقة كبرى تتسع لضم الاجناس الشعرية الأساسية (الشعر الغنائي - الشعر الدرامي - الشعر الملحمي) وتتسع لتفاعل جانبين: احدهما انفعالي فطري والثاني يتوخى الحذر والهندسة البنائية كما حاول النص ان يحتضن شتى العلوم والمعارف مع حرصي على إعطاء ادوار فنية لكافة الطيور والنباتات والحيوانات وخلافه,.
لقد حاولت ببساطة ان افسح الفضاء للحالة الشعرية الطقسية الكلية لكي تأخذ بنفسها - لنفسها - الاخراج الهيكلي الامثل لها, وطول النص المفرط ليس مزية في حد ذاته بالطبع، ولا هو بعيب كذلك على وجه الإطلاق,, ففي تصوري ان هناك نصوصا شعرية تستغرق صفحة او اثنتين ويمكن وصمها بالاطالة غير المبررة، وهناك نصوص تستغرق مئات الصفحات لا يشعر المتلقي بالملل او التكرار, الكائن الشعري الكامل بأسره هو الذي ينبغي النظر اليه، ومن ثم فإفساح الفضاء لحركة الحالة الشعرية بحرية مكنني من الانطلاق عكس مقولات تنظيرية ونقدية عديدة ترى أننا نعيش عصر الرواية وان قصيدة اليوم هي فقط قصيدة اللقطة الفوتوغرافية القصيرة.
* وهل طول النص يعد نموذجا جماليا مغايرا,؟
- لقد جعلت غايتي الجوهرية - طوال سنوات التأليف الثلاث - ان اصنع نموذجا جماليا لائقا بالقراءة، وان اجعل الغلبة لخصوصية الذات (شعوريا وتعبيريا) في حالة ما اذا تصارعت هذه الخصوصية مع مقتضيات التواصل مع الآخر.
والنموذج الجمالي لا يعني بالطبع التنصل من الغاية الاجتماعية للفن، فقد باتت هذه القضية مسلما بها وفي غير حاجة الى نقاش, وبغض النظر عن معايير الجودة النسبية وقوانين الاتفاق والاختلاف في الذائقة، فمن الناحية الشكلية البحتة يظل نص الالوان ترتعد بشراهة من أخصب النصوص طولا في ذاكرة الشعر العربية القديمة والحديثة على السواء، وهذه معلومة لا تتعلق بتحليل الادب ولا بتقييمه بقدر تعلقها بتاريخه.
العصب السردي
* هذا النص المتدفق دون عصب سردي كما يقرر صلاح فضل يشي بقدرة درامية وبحس مسرحي يتمثل في رسم العديد من الشخصيات؟!
- حاولت ان اخطو بقصيدتي الغنائية خطوة حذرة من خلال اللجوء الى تقنية الشخصيات الفنية والتي يبلغ عددها حوالي ثلاثين شخصية أغلبها وجوه نسائية (كاميليا - سلوى - نورا - فدوى - نجلاء,,,,) ومبرر ذلك هو انشاء نوع من التجادل الفني يشي بدراما شعرية او بشاعرية درامية على نحو أدق، حيث توظف المسرحة لخدمة الشعر وليس العكس كما هو شأن المسرحيات الشعرية,, ويتوازى توظيف الشخوص والمسرحة في خدمة الشعر مع توظيف السينما والفنون التشكيلية والسرد الروائي,,,, وغيرها من انماط التعبير الابداعي، ويصير الهدف هو تخلص التجربة من غنائيتها ساعية نحو طابع ملحمي عام.
* هناك أيضا من ملامح الدراما وجود مدينة أسطورية؟
- اخترت ان تكون هناك مدينة اسطورية تقع فيها الاحداث فيما يشبه الواقع الكابوس، وجعلتها تحمل اسم يعطش وهو اسم على وزن الفعل المضارع ليفيد معنى استمرارية هذا العطش المتحقق في المدينة، وجعلت اسم ناسها (اليعطشيون) وأتصور ان تأكيد اسطورية المكان واستحضار الشخوص بعضها لبعض، كل هذا يفيد إمكانية تطوير الشعر الدرامي والشعر الملحمي في المرحلة القادمة بعد ما بلغت القصيدة الغنائية مداها المتفوق.
شعر الجسد
* يصنفك البعض ضمن جيل التسعينيات ويحاول وصف تجربة شعر التسعينيات التي لم تتبلور بعد,, فما رأيك في هذا المصطلح؟
- مصطلح شعر التسعينيات فيه هلامية وعدم تحديد، فمن ناحية هو يطلق في معظم الاحوال على كتابات الشعراء الذين صدرت دواوينهم لأول مرة في هذا العقد كياسر عبداللطيف مثلا ولكنه في أحوال أخرى أقل حضورا يطلق على الكتابة ذاتها التي تولد في هذا العقد (حتى وإن خصت أحد شعراء الأجيال السابقة) وبين وجهتي النظر هناك تضارب كبير.
ولو سلمنا بالمقولة الأولى الأكثر حضورا، فشعر التسعينيات هو اذن ذلك الذي افرزه شعراء التسعينيات الذين تبلوروا فنيا في هذا العقد ويبقى السؤال هل يكفي العنصر الزمني لوضع شعراء مختلفين فكريا وجماليا في خانة واحدة؟!
* لكن هناك سمة مشتركة تجمع جيل التسعينيات وهي انكم جميعا تكتبون قصيدة النثر؟
- إن وضع معظم ما يكتبه شعراء العقد الاخير في خانة قصيدة النثر امر يحتاج الى مراجعة بالقدر الذي يحتاج إليه مصطلح جيل التسعينيات ايضا!! فما يحدث للأسف هو ان النقاد لدينا يصرون على تسمية كل كتابة شعرية تخلو من الايقاع بمفهومه الخليلي باسم قصيدة النثر وهذه مشكلة اولى تقود الى تعميم مضلل, فإذا كان الغرض من اي تصنيف أدبي هو حصر النماذج المتقاربة من حيث المنطلقات الجمالية والفكرية والفلسفية ومن حيث طبيعة الرؤية وغائية الكتابة، فإن تحكيم غياب الايقاع بمفهومه الخليلي كدليل أوحد على انتماء النص الى قصيدة النثر يؤدي الى وضع عشرات التيارات المتنافرة تماما تحت هذا المسمى الفضفاض,, ونفس الامر ينطبق على ما يسمى بجيل السبعينيات الذين يوضعون في سلة واحدة لمجرد خلو قصائدهم من الإيقاع الخليلي.
ويكون السؤال كيف ينظر النقاد الى نص مركب، فيه من المقاطع الموزونة بقدر ما فيه من مقاطع نثرية؟! مثلما نجد ذلك عند محمد عفيفي مطر,, وهل هذه النصوص المركبة نصوص شعرية أم قصائد نثر,, أعتقد انه من الافضل ان يقوم تصنيف الشعر الحديث على معايير مضمونية وليس على معايير فيزيائية جامدة، حتى لا يتم وضع 200 رسالة حب لنزار قباني (وهي غير موزونة) مع قصائد الخراب الشامل مثلا في ديوان يحدث لعبدالله طايل (ومعظمها غير موزون) في خانة واحدة اسمها قصيدة النثر.
* هل يمكن ان نقول ان قصيدة النثر ارتبطت أكثر بكل ما هو جسدي وفردي؟
- لا شك ان مصطلح قصيدة النثر ارتبط ارتباطا وثيقا ببعض القصائد التي نشرت في مجلتي الجراد والكتابة الاخرى والتي زاد الاتكاء فيها على ما هو جسدي وشهواني، والسبب الرئيسي لهذا الاقتران هو كثرة مهاجمة النقاد لهذه القصائد بدوافع أخلاقية وليس بدوافع جمالية,, ولعل ذلك الاقتران هو الذي جعل الاصطلاح كله - على الرغم من عموميته - بمثابة سبة في وجوه كافة المنتمين إليه من قريب او بعيد مع ان هذه القصائد المختلف عليها هي لبعض الشعراء الذين ينتمون الى احد تيارات قصائد النثر، بتصنيف النقاد أنفسهم, ووصم قصيدة النثر بأنها قصيدة تجديف ونزعة فردية وكسر تابوهات وصم باطل من اساسه، لاتساع تصنيف قصيدة النثر على مستوى الوطن العربي لتشمل العديد من التيارات وينطوي تحتها العديد من الشعراء الكبار امثال محمود درويش وسعدي يوسف.
التنوع
* قلت ان جيلك لا يجوز وضعه في خانة واحدة لمجرد عنصر الزمن,, فهل يعني هذا ان هناك تنوعا حقيقيا في تجارب هذا الجيل؟
- بلا شك فهناك منطقة التعبير المباشر عن الخبرات اليومية القريبة وحضور الهموم البيولوجية وغياب كل ما هو مثالي او مجازي مثلما نجد عند أحمد يماني، وهناك منطقة الذات المغتربة في استشفاف صوفي وقلق حيث ترى العالم حطاما وهشيما مثلما عند شريف رزق وايضا منطقة التعبير عن الذات المسلوبة الهائمة باختيارها في رقصات فالس وقوالب اجنبية ونرى ذلك في دواوين محمد متولي,, واخيرا يمكن ان نضيف منطقة جماليات المجاز والانتقاء اللغوي الحذر ومثاليات العلاقة الانسانية كما عند عماد غزالي,, ولا شك انه من الصعب وضع كل هؤلاء في خانة واحدة لمجرد انهم نشروا في نفس العقد الزمني.
* تروجون - أقصد الاجيال الشابة - مقولة انكم جيل بلا آباء أو اساتذة,, لماذا؟!
- أعتقد أن هناك شعراء كثيرين من الشباب يحاولون التجريب بوعي وبدون هدم للعلاقة مع التراث الشعري البعيد والقريب، فمن الطبيعي ان احدا لا يستطيع البدء من الصفر وإلا سيقف على غير أرض بطبيعة الحال,, بل أنا اتصور ان الاعتراف بالابوة صار أمرا جماليا حتى في داخل النص الشعري واصبح يشغل شعراء كثيرين في الآونة الأخيرة، ولكن المهم هو كيفية الإفادة من التراث الشعري بدون ان يكون المنتج الجديد استنساخا.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved