Saturday 28th August, 1999 G No. 9830جريدة الجزيرة السبت 17 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9830


قبل وفاة سموه بيومين
حوار ال95 دقيقة بين الأمير الفقيد والوزير
د, ناصر بن علي الموسى*

في يوم السبت الحزين 10 جمادى الأولى 1420ه، اختفى من سماء الإنسانية نجم كان يهتدي به كثير من الفقراء واليتامى وخصوصا المعوقين، كما غاب عن الساحة العربية - الشبابية والرياضية - قائدها وأميرها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز الرئيس العام لرعاية الشباب بالمملكة العربية السعودية، رئيس الاتحاد العربي للألعاب الرياضة، رئيس الاتحاد السعودي لرياضة المعوقين، رحمه الله رحمة واسعة.
لقد بكته القلوب دماً قبل العيون، بل والأقلام أيضا خلتها تذرف الدمع حبرا أسود!! وكيف لا تبكيه القلوب دما وهو الأمير صاحب القلب الكبير الذي وسع من المحتاجين والمعوقين الجمع الغفير، ليس في وطنه وحسب وإنما في شتى أنحاء العالمين العربي والإسلامي؟ وكيف لا تبكيه الأقلام حبرا أسود، وهي التي تعودت لسنوات عديدة أن تسجل أخبار انتصاراته الرياضية، ونشاطاته الثقافية، وعطاءاته الإنسانية، فإذا بها تفاجأ بهذا المصدر الثري بأنباء الخير والعطاء يتوقف رغما عنه، استسلاما للإرادة الإلهية (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) الأعراف: 34، وبالتالي تتوقف تلك الأقلام وتنكفيء على نفسها بلا حراك، كجسد بلا روح ولا دماء,

لقد كان الفقيد العظيم - رحمه الله - يبحث بنفسه عن مصارف الخير ويسعى إليها سعيا حثيثا، متى استشعر حاجة المحتاجين لهذا الخير أينما كانوا داخل المملكة أو خارجها، دونما انتظار لطلب يرد إليه من هنا أو هناك.
وعلى الرغم من حرص سموه على أن ينفق بيمينه من دون أن تعلم شماله، إلا أن الصحافة استطاعت أن ترصد بعضا من عطاءاته وإسهاماته الخيرية، ونشرت جانبا منها عقب وفاته، ولم يكن هذا الذي نشرته الصحافة سوى غيض من فيض أعماله الخيرية التي نلمسها نحن هنا في وزارة المعارف ضمن سلسلة مبادراته للبحث عن أوجه الخير، وحيث لا يتسع المقام هنا لسردها كاملة فحسبي منها دليلان فقط على أنه - رحمه الله - كان باحثا عن الخير، ساعيا إليه، سباقا لفعله:
الدليل الأول: حين كان سموه في الولايات المتحدة العام الماضي، وشاهد على شاشة التلفزيون مجموعة من طلبة معاهد النور بالمملكة، يتشرفون بالمثول بين يدي مولاي خادم الحرمين الشريفين - متعه الله بالصحة والعافية - يتلون آيات من الذكر الحكيم من المصحف الشريف المطبوع بطريقة برايل بمطابع خادم الحرمين الشريفين لطباعة القرآن الكريم ببرايل، التي تشرف عليها الأمانة العامة للتربية الخاصة بوزارة المعارف، فأعجب سموه بهؤلاء الأطفال المكفوفين، واتصل فورا بمعالي وزير المعارف الدكتور محمد بن أحمد الرشيد - الذي تربطه بسموه علاقة محبة ومودة بعيدا عن الرسميات - يطلب من معاليه موافاته بالمشروعات التي تخدم هذه الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة، ويرى أن لها الأولوية حتى يمولها سموه - رحمه الله - فرد معالي الوزير بخطاب أقتطف لكم منه هذا الجزء:
صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز يحفظه الله,.
الرئيس العام لرعاية الشباب,.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقد تلقيت بكل الترحيب والتقدير، مكالمة سموكم الهاتفية وأنتم خارج البلاد، والتي أعربتهم فيها عن تأثركم وإعجابكم وأنتم تشاهدون مجموعة من طلبة معاهد النور بالمملكة، يتشرفون بتلاوة آيات من الذكر الحكيم من المصحف الشريف المطبوع بطريقة برايل، بين يدي مولاي خادم الحرمين الشريفين - يحفظه الله - وأبديتم سموكم رغبة في تمويل أحد المشاريع التي تخدم هذه الفئات من ذوي الاحتياجات الخاصة.
وإنني إذ أنظر بعين الإعجاب والتقدير إلى اهتمامكم البالغ بأمور الشباب أينما كنتم، حتى ذلك (الاستشعار عن بعد) بتلك الشريحة الغالية من الشباب من ذوي الاحتياجات الخاصة، ليشرفني أن أعرض على أنظار سموكم الكريم بعضا من المشاريع التي ترشحها الأمانة العامة للتربية الخاصة بالوزارة، ونقترح تشكيل لجنة مشتركة من الرئاسة العامة لرعاية الشباب، ووزارة المعارف، وأي جهة أخرى ذات علاقة، لإعداد تصور متكامل للمشروع الذي يقع اختيار سموكم عليه، أو قد ترون إضافة مهمة الاختيار أيضا إلى هذه اللجنة المقترحة.
أما الدليل الثاني: فهو تلك الزيارة التاريخية التي قام بها سموه بمبادرة كريمة منه للمركز السعودي لتدريب الكفيفات بالأردن، الذي تشرف عليه الأمانة العامة للتربية الخاصة بوزارة المعارف وذلك ظهر الأربعاء 7 جمادى الأولى 1420ه (قبل وفاته بيومين) حيث أبدى سموه إعجابه وتقديره للدور الإنساني الذي يقوم به هذا المركز، وأثنى على دور وزارة المعارف وجهود وزيرها الدكتور محمد بن أحمد الرشيد في سبيل تطوير هذا المركز بالشكل الذي يليق بسمعة ومكانة المملكة العربية السعودية عربيا ودوليا، كما ثمّن جهود القائمين على هذا المركز وفي مقدمتهم مديرته السيدة/ إيناس بنت غازي الطائفي، وقد سجل سموه كلمة ثناء وتقدير في سجل الزيارات (نشرتها الصحف) كما رد معالي الوزير بخطاب شكر وتقدير على سموه الكريم (نشرته الصحف أيضا) وكان بودي أن تتسع المساحة لإعادة نشرهما، ليتبين لنا إلى أي مدى كان يولي سمو الأمير الراحل جل اهتمامه للتعليم ومؤسساته.
وأهم ما كان يميز هذه الزيارة أنها تمت بمبادرة من سموه الكريم ومن دون ترتيبات سابقة لأن سموه كان يستهدف منها تقديم أي مساعدة قد يحتاجها المركز من أجل تطوير خدماته للمتدربات فيه.
وفي هذه الزيارة - التي تعد آخر زيارة في حياته لأي جهة من الجهات - كان لسموه ملاحظات غاية في الدقة، كدأبه في أموره كلها، كما كانت له أقوال تدل على استعجاله فعل الخير، وهذه الأقوال وتلك الملاحظات التي وجهها شفاهة إلى القائمين على المركز لم تنشرها الصحف، ويطيب لي أن أورد جانبا منها:
- ملاحظة حول نوعية ومستوى الخدمات التي يقدمها المركز خصوصا تلك المتعلقة باستعمال الحاسوب لخدمة الكفيفات مؤكدا سموه على ضرورة تقديم أفضل خدمات ممكنة لتحسين مستوى معيشة الكفيفة بما يساعد على إندماجها في المجتمع.
- وملاحظة عن حجم الطاقة الاستيعابية للمركز وعدد الطالبات اللواتي استفدن من خدمات المركز خلال العام الدراسي الماضي.
- ثم ملاحظة عن مدى ملاءمة المبنى الحالي لاحتياجات المركز ومدى كفايته لتلبية احتياجات المركز، ثم قال - رحمه الله - موجها حديثه إلى مديرة المركز:
إن هذه الفئة فقدت نعمة من نعم الله، وعلينا أن نقدم لها أرقى وأسمى الخدمات لتعويضها عما فقدته، وبالتالي سأنتظر تقريراً مفصلا بكافة احتياجات هذا المركز - صغيرها وكبيرها - وليكن ذلك بعيدا عن الروتين وبصفة عاجلة، فاليوم الأربعاء 7 جمادى الأولى وأريد أن يكون التقرير على مكتبي يوم الأحد 11 جمادى الأولى ولكن لم يمهله الأجل المحتوم، فاختطفه الموت (يوم السبت الحزين) 10 جمادى الأولى 1420ه.
وفي يوم الخميس 8 جمادى الأولى اتصل سموه الكريم هاتفيا بمعالي وزير المعارف في مقر إقامته بلندن - حيث يحضر مؤتمرا حول سياسات التعليم - واستغرق هذا الاتصال (95 دقيقة) ناقشا خلالها الوسائل الكفيلة بالارتقاء بمستوى التعليم في بلادنا إلى مصاف الدول المتقدمة، وأبدى سموه استعداده وحماسه لدعم جميع المشاريع التي تخدم الفئات ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة، وأثنى على تجربة المملكة العربية السعودية في مجال دمج الأطفال المعوقين في المدارس العادية.
وبعد ظهر يوم السبت الحزين قبل أن يصلنا ذلك النبأ الأليم، كنت على الهاتف مع معالي الوزير الدكتور محمد بن أحمد الرشيد يحدثني من لندن، عما دار بين معاليه وبين سمو الأمير فيصل بن فهد عبر الهاتف يوم الخميس، وأعرب معاليه عن إعجابه الشديد بالدور الإنساني لسمو الأمير ومدى دقة سموه في ملاحظاته التي خرج بها من زيارته للمركز السعودي لتدريب الكفيفات بالأردن، وبالتالي وجهني معاليه إلى ضرورة التزام الدقة في إعداد التقرير الذي طلبه سمو الأمير بحيث يصله أيضا في الموعد الذي حدده غدا الأحد 11 جمادى الأولى، ولم يدر بخلد أحدنا أن سموه في هذه اللحظات التي كنا نتحدث فيها كان سموه يحتضر، وأن الموعد الذي حدده لوصول التقرير لم يكن إلا أول أيام حياته البرزخية.
وهكذا، أسدل الستار على أسطورة من أعظم أساطير البذل والعطاء، والإخلاص والوفاء،
كان بطلها الأمير المعطاء فيصل بن فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله وطيب ثراه وجعل الجنة مثواه، (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي),صدق الله العظيم.
*المشرف العام على التربية الخاصة بوزارة المعارف

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
القرية الالكترونية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved