نحن، كما يعلم الجميع، نعاني ازدواجية الثقافة بين العامية (او العاميات) والفصحى، وقد بُذلت العديد من المحاولات لحل هذه الاشكالية، وقدمت العشرات من الاقتراحات، بيد ان قضية الازدواجية لم تحل ناهيكم عن انها خارج مجال هذه المقالة فحل هذه القضية لن يحل مسألة القطيعة مع التراث، لأننا اذا اخذنا مسألة لغة كتب التراث في الاعتبار فان بعداً ثالثاً سيضاف الى هذه الازدواجية, فالقارىء بصورة عامة من اليسير عليه قراءة صفحة من كتاب معاصر في الأدب مثلاً مقارنة بكتاب من التراث في ذات الموضوع حتى ولو خلا من الاسانيد، وتكرار الروايات، ذلك ان اللغة حية متحركة، متجددة متغيرة، مؤثرة ومتأثرة فتتغير سمات اللغة من حقبة الى اخرى (راجع كتابيّ فقه اللغة وعلم اللغة من تأليف علي عبد الواحد وافي), واختلاف اللغة العربية كلاماً وكتابة في عصرنا الحاضر عنها في كتب التراث ادى الى ما اسميه القطيعة مع التراث.
وهذا امر خطير ان يكون تراث الأمة بمنأى عن الاغلبية القارئة فيها, ويظل التراث حكراً على شريحة معينة من المختصين والمهتمين اما الانسان العادي (اي غير المختص) والذي نتأسف طيلة الوقت على انقطاعه عن التراث، ونلومه ونعنفه على ذلك، فسيتحول الى فرد في جمهور العامة، الذين كانوا يستمعون الى اخبار الوعاظ والقصاصين في مساجد بني امية، وبني العباس، ومن تلاهم حيث يخلطون في احاديثهم بين الحقيقة والخيال والخطأ والصواب والغث والسمين والحقيقة والكذب، وكثير من أخبارهم اوردها ابن الجوزي - على سبيل المثال - في عدد من كتبه واخشى ما اخشاه ان تتفاقم هذه القطيعة، وهذه الازدواجية على مر الزمن فتصبح كتب التراث اشبه بكتب التراث المسيحي اللاتينية حيث الوصول اليها متاح للمختصين فقط.
وفي اعتقادي ان الصلة مع التراث هي الجسر المؤدي الى المستقبل، وفي يقيني ايضا ان الصلة مع التراث هي احد الاسلحة لمواجهة الاخطار الخارجية والداخلية، ذلك ان الصلة مع التراث توفر للفرد العادي فهماً عاقلاً محايداً للتراث بعيداً عن الوسطاء الذين انما ينقلون مفاهيمهم عن التراث الى الآخرين ولا ينقلون التراث نفسه فعندما يكتب احدهم عن الفكر الاجتماعي لابن خلدون مثلا فهو انما يكتب رؤيته الذاتية لهذا الفكر مهما حاول ان يكون موضوعياً وعلى هذا قس كل ما يقال عن الغزالي وابن سيناء وابن رشد وغيرهم.
الحلول والمحاذير
من واجبنا تجاه تراثنا وتجاه امتنا حاضراً وماضياً ان نعيد نشر التراث على شكلين: الاول، شكله الحالي كما تم تحقيقه من المخطوطات، وتكون هذه الكتب في متناول من يريد في المكتبات العامة، والمراكز العلمية والجامعات، ولمن يريد اقتناءها بشكلها هذا في مكتبته المنزلية، والشكل الثاني هو نشر وطباعة هذا التراث بمستويات ثلاثة: للأطفال والناشئة والراشدين وفي هذا الشكل يتم استبعاد سلسلة الأسانيد، وعدم تكرار الروايات، وان تتم صياغة المحتوى بلغة معاصرة وباسلوب سهل ومناسب لكل فئة (ومختصر دون اخلال في الطبعات الموجهة للاطفال والناشئة) ويضاف في الطبعات الخاصة بالراشدين، اشارات مرجعية في الهوامش حول كل واقعة تحيل الى صفحات بعينها في الكتاب الأصلي لمن يريد التأكد والتوثيق.
وهناك محاولات متفرقة لاصدار كتب للاطفال والناشئة عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعض جوانب سيرته الشريفة، وعن الصحابة رضي الله عنهم كذلك قصص مفردة مستقاة من كليلة ودمنة والف ليلة وليلة ولكن هذه المحاولات كانت فردية ومجزأة بينما نحن بحاجة الى مشروع ثقافي متكامل عربي كبير يتوجه لكافة الفئات.
ولا يكتمل واجبنا تجاه التراث دون توفير الاحترام الكامل له عند نشرنا له بأي شكل, ويعني هذا يجب نشره دون وصاية او اية احكام مسبقة، مهما كانت دواعيها عند اعادة الصياغة والنشر.
ولعل من المفيد الاشارة هنا الى كتاب الأغاني للأصفهاني حيث يقع في اكثر من عشرين جزءاً، ويعد هذا الكتاب من اغنى كتب عصره في اخبار الجاهلية والاسلام وبني امية، وقد وصفه ابن خلدون بقوله: ولعمري انه ديوان العرب، وجامع اشتات المحاسن التي سلفت لهم في كل فن من فنون الشعر والتاريخ والغناء وسائر الأحوال، ولا يعدل به كتاب في ذلك فيما نعلمه، وهو الغاية التي يسمو اليها الأديب ويقف عندها وأنّى له بها .
ولذا حظي الكتاب بعناية فائقة فاختصره القاضي الحموي في تجريد الأغاني في عدة اجزاء واختصره ابن منظور في ثمانية اجزاء بعنوان مختار الأغاني والاختصار فيهما عمد الى حذف الاسانيد والتكرار.
بيد ان محمد الخضري اختصره في سبعة اجزاء بعنوان تهذيب الاغاني عام 1925 م بعد حذف ألأسانيد، وما لم يستحسن ذكره! ولا شك في ان نية طيبة وراء هذا الحذف ولكنه يظل وصاية مرفوضة على التراث، فليس كتاب الاغاني نتاجاً للخضري ولا ملكاً له من قريب او بعيد لكنه ملك لكل ابناء الحضارة العربية والاسلامية
حقاً قد يكون هذا الحذف واجباً ومبرراً حينما تكون الطبعة موجهة الى الناشئة والصغار، ولكن هذا الوجوب ينتفي في حال كانت الطبعة موجهة لبالغين راشدين والا اضحى الامر تزويراً للتراث لا حفاظا عليه او اتصالا به.
د, فهد سعود اليحيا