يروى عن الرئيس الامريكي الاسبق ريجان الطرفة التالية حول مركزية اصدار القرار: كتبت الحكومة المحلية باحدى الولايات الى الحكومة الفيدرالية المركزية تعرض عليها مشكلة انخفاض مستوى ارتفاع اللوحات الارشادية في شوارع عاصمة الولاية عن مستوى النظر, وجاء رد الحكومة الفيدرالية ليقترح على حكومة الولاية حفر جميع شوارع المدينة حتى ينخفض مستواها مترا واحدا.
والحقيقة ان النظم التربوية واجهت انماطا تنظيمية ادارية مختلفة تراوحت بين النمط البيروقراطي المركزي والنمط اللامركزي ففي بدء نشؤ النظم التربوية هيمن على النظام المدرسي النموذج البيروقراطي والذي كان من ابزر سماته ضعف الاتصال بين المعلمين والادارة بل وبين المعلمين انفسهم إضافة الى غياب اسهام المعلمين في القرار التربوي وتدني معنوياتهم وشيوع نظم تقييم للمعلمين ضعيفة العلاقة بما يحدث داخل فصولهم.
ومع تطور النظم التربوية ظهرت توجهات تربوية حديثة قللت من تأثير الفكر البيروقراطي على العمل المدرسي, تتسم هذه التوجهات عموما باللامركزية والمشاركة في صناعة القرار واعطاء المدرسة مساحة اوسع من الثقة والصلاحيات واعتبار مدير المدرسة قائداً تعليميا قبل ان يكون قائداً اداريا, ولو تناولنا الاتصال باعتباره احد اهم عناصر النظام المدرسي من المنظور البيروقراطي لوجدناه يبدأ من قمة التنظيم (الجهاز المركزي) وينتهي الى قاعدة التنظيم (المدارس) عبر قنوات رسمية محددة, وعندما تتجه المعلومات من قاعدة التنظيم الى قمته فهي تكون عادة محددة بما تريده الادارة التعليمية العليا، و(ترفع) المعلومات غالبا للجهة العليا على شكل تقارير واحصائيات، من جهة اخرى فالاتصال حسب الرؤية التربوية الجديدة يحكمه الحوار التربوي المنظم، كما ان المعلومات تنتقل بين الادارة المركزية والمدارس انتقالا سلسا في كلا الاتجاهين ويمكن لهذه الملعومات ان تبدأ عند اي مستوى تنظيمي وتساهم هذه الاتصالات في بلورة وصياغة رؤية تربوية مشتركة واضحة وفي تحديد المهام والتطلعات التربوية المستقبلية, الافكار الابداعية يمكن ان تبرز عند اي مستوى من الهيكل التنظيمي, وعندما ننظر في عنصر التخطيط والتطوير حسب النموذج البيروقراطي نجد ان افراد المستويات العليا يحددون الاهداف ويضعون خطط التنفيذ دون ادنى مشاركة او تفهم المستويات الدنيا من التنظيم, فالمطلوب من المدارس ان تتبنى هذه الخطط باعتبارها سياسات نهائية، النموذج البيروقراطي لا يشجع المديرين والمعلمين على طرح مبادرات تطويرية تبتعد عن السياسات المقررة فالهدف هو ان يستمر سير الانظمة القائمة كما هي, اما الرؤية الجديدة في هذا الشأن فتقوم على حث المعلمين والمديرين على التجريب، فالهدف هو اعادة التفكير في الاساليب القائمة وإعادة التخطيط لها في ضوء ذلك.
في الانظمة البيروقراطية يقوم مدير المدرسة بزيارات قليلة لفصول المعلمين، وتهدف تلك الزيارات عادة الى تقييم اداء المعلم فقط, وقد يقوم مشرف الجهاز المركزي بزيارة للمعلم ليعيد رسم الخطوط الحمراء مثقلة امامه، وقد يُستدعي ذلك المشرف لزيارة المعلم ذي الاشكاليات المزمنة بقصد توثيق ما يمكن ان يدان به مستقبلا ذلك المعلم، اما في النظم التربوية الحديثة فتجد المعلمين مشغولين بالتأمل في ممارستهم التدريسية وتراهم يساعدون بعضهم من خلال مايسمى بتدريب النظير، وتجد بعضهم يزور فصول بعض بقصد تطوير ادائهم التدريسي كما تجد المعلم المبتدىء يقرن بالمعلم الخبير ليقدم له النصح والتوجيه، وتجد ايضا المعلمين الاقل كفاية يشاهدون فصول معلمي الخبرة ليكتسبوا المهارة والخبرة.
واخيرا فالنموذج البيروقراطي ينظر الى علاقة المدرسة بمجتمعها باعتبارها مجرد علاقات عامة الهدف الرئيسي منها اشعار اولياء الامور بما يودون سماعه، كما ان المدرسة تستبعد المجتمع المحلي من المشاركة في مجالات تعتقد انها مجالات مهنية متخصصة, الرؤية الحديثة في هذا الشأن تحث المعلمين على بذل كل الجهود لتثقيف الآباء ودعوتهم للمشاركة الجادة في العمل المدرسي.
د, عبدالعزيز بن سعود العمر