Monday 30th August, 1999 G No. 9832جريدة الجزيرة الأثنين 19 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9832


العولمة ومستقبل سيادة الدولة
د, علي الدين هلال

أحد الموضوعات محل البحث في مراكز البحوث الاستراتيجية، وفي دوائر السياسة الخارجية، هو تأثير التحولات الدولية الراهنة، والتي يطلق عليها اسم العولمة أو الكونية على مفهوم الدولة والسيادة، والحقيقة ان أي حديث عن الملامح الرئيسية لتطور النظام الدولي في مرحلته الراهنة، لا يكون مكتملا، دون الإشارة الى ذلك التغير الكبير الذي طرأ على مبدأ السيادة الوطنية في مفهومه التقليدي.
فالمشاهد، أنه كنتيجة للتحولات العديدة التي شهدها هذا النظام، وخصوصا منذ منتصف الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ترتبت آثار عديدة أدت الى التضييق من نطاق سلطات الدولة واختصاصاتها, وكان ذلك لصالح توسيع مجال الاهتمام الدولي بالمسائل التي ظل ينظر اليها دوما، وبحسب معايير القانون الدولي باعتبارها من الأمور التي تندرج ضمن نطاق الاختصاص الداخلي Domestic jurisdiction للدولة او ضمن نطاق مجالها المحجوز Reserved Domain, وليس ثمة شك في ان التطور الحاصل الآن في مجال الحماية الدولية لحقوق الانسان، يشكل مثالا نموذجيا، يمكن الإشارة اليه في معرض التدليل على درجة التغير الذي اعترى مبدأ سيادة الدولة لمصلحة المجتمع الدولي.
ولئن كان الاهتمام الدولي المتزايد بحقوق الإنسان والحريات الأساسية تعود بدايته الى تاريخ إنشاء الأمم المتحدة عام 1945، إلا ان السنوات الأخيرة من تطور النظام الدولي، وبالذات في التسعينيات، قد عمقت من هذا الاهتمام وذلك من خلال إعادة طرح ما اصطلح على تسميته بمبدأ حق التدخل الإنساني، او التدخل الدولي لأغراض إنسانية, ولعل المثالين الأكثر دلالة في هذا الخصوص، هما: حالة التدخل الدولي ضد العراق, لحماية الأكراد والشيعة في شمالي البلاد وجنوبها، في أعقاب انتهاء حرب تحرير الكويت في 26 فبراير 1991، وحالة التدخل الدولي في الصومال في أوائل عام 1993، والذي تم تحت شعار إعادة الأمل وانقاذ الشعب الصومالي من خطر المجاعات التي أخذت تفتك به، نتيجة لانهيار الدولة وعجزها عن القيام بمجمل الوظائف المنوطة بها في مثل هذه الأحوال.
ان هذا التبدل الذي طرأ على مفهوم سيادة الدولة لا يمكن فهمه بمعزل عن حقيقة ان الدولة القومية لم تعد الفاعل الوحيد في نطاق العلاقات الدولية، وذلك على الرغم من التزايد المطرد في اعداد الدول، وبشكل متسارع، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك عدد من دول شرق أوروبا، الى الحد الذي زاد معه عدد دول العالم على المائتين والخمسين, لأنه الى جانب الدول، هناك كيانات دولية عديدة اصبحت تضطلع اليوم بدور كبير يفوق دور بعض الدول ذاتها في بعض الأحيان في توجيه مسار حركة الأحداث, فهناك، على سبيل المثال المنظمات الدولية على اختلاف أنواعها من حكومية وغير حكومية، عالمية واقليمية عامة ومتخصصة, وهناك أيضا، الشركات دولية النشاط والتي تمثل إحدى الظواهر الأساسية المميزة للعلاقات الدولية المعاصرة, وكلنا يعلم كيف تضخمت انشطة بعض هذه الشركات الدولية الى الحد الذي تجاوزت فيه ميزانية الواحدة منها ميزانيات العشرات من الدول مجتمعة.
وفي هذا السياق، فقد تعرض مفهوم الدولة وسيادتها لعملية اعادة مراجعة، كما حدث له في مراحل تاريخية سابقة, فالمفهوم الذي ساد عن سيادة الدولة، في القرن التاسع عشر، هو انها: السلطة المطلقة التي لا تحدها حدود داخليا او خارجيا صار غير مقبول مع منتصف القرن العشرين ومع تطور النظم الديمقراطية، وازدياد دور جماعات المصالح في عملية صناعة القرارات والسياسات، وكذا، مع ازدياد الادراك بالحدود المفروضة من الخارج على ممارسة الدولة لسياستها الخارجية, ومع التغيرات الدولية الراهنة، تحدث عملية مراجعة فكرية اخرى, فمفهوم اقليم الدولة، الذي تمارس عليه سيادتها، يتعرض لإعادة التعريف، في عصر السماوات المفتوحة والأقمار الصناعية التي تغطي الكرة الأرضية.
ونفس الشيء يثار بالنسبة لسيطرة الدولة على اقتصادها الوطني، بعدازدياد التشابكات المالية والنقدية وازدياد دور اسواق المال والبورصات، والنقود البلاستيكية، والانتقال السريع لرؤوس الأموال عبر الحدود الوطنية بحثا عن الاستثمار والربح, اضف الى ذلك ظهور قضايا وتحديات لم يعد من الممكن التعامل معها في داخل كل دولة على حدة، قضايا مثل: حماية البيئة، وانتشار الأمراض والأوبئة والجريمة المنظمة، وتجارة المخدرات، وكلها قضايا كونية تتخطى حدود الدول.
ازاء هذه التطورات، سارع البعض الى الاعلان المبكر عن سقوط الدولة وطرح تصورات جديدة لأشكال التنظيم السياسي في القرن الحادي والعشرين، مؤكدا ان القوى الحقيقية في العصر القادم، سوف تكون عالمية وعبر قومية , وعلى سبيل المثال، اصدر المفكر الياباني كينشي اوهماي كتابا بعنوان: قيام دولة الاقليم الذي انطلق فيه من اعتبار ان الدولة المعاصرة اطارا غير مناسب للنشاط الاقتصادي والمالي، وان العالم سوف يشهد نشأة الدولة الاقليم والتي تحددها علاقات السوق العالمية للسلع والخدمات، وتدفقات الأموال والثروات، وتمثل مناطق اقتصادية طبيعية تتخطى الحدود السياسية القائمة.
وهناك من اشار الى ان التغير سوف يطرأ على اختصاصات الدولة، وعلى ما تقوم به من أدوار ومهام، وفي حالة الاتحاد الأوروبي مثلا فانه يتم تدريجيا انتقال عدد من الاختصاصات والسلطات من مستوى الدولة الى مستوى الاتحاد، ومع اصدار العملة الاوروبية الموحدة، فإن قدرا كبيرا من الاختصاصات المالية والنقدية للدولة انتقل خارج مؤسساتها.
والحوار متشعب ومتنوع، ولكن من المهم ادراك انه ليس حوارا نظريا او اكاديميا محضا، وانما هو يعكس التغيرات الفعلية التي شهدها العالم، ويعكس ايضا مصالح الدول الكبرى، وتصوراتها لشكل العالم الذي يخدم هذه المصالح، وعلى سبيل المثال، فإن الذين طرحوا مقولة سقوط الدولة يضعون الأساس النظري لرفض تدخل الدولة في الأمور الاقتصادية والاجتماعية, ويعتبرون مثل هذا التدخل عقبة امام التدفق الحر للسلع والخدمات والمعلومات، وهو تدفق يسير في اتجاه واحد، من الشمال الى الجنوب، ومن الدول الصناعية المتقدمة الى الدول النامية, كما انهم بهذا الطرح يبررون حق الدول الكبرى في التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى, وفي مؤتمر الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، في فيينا عام 1994، حدث سجال كبير بين أنصار حق التدخل الخارجي، باسم الدفاع عن حقوق الإنسان وأنصار رفض هذاالتدخل، لانه يتضمن انتهاكا لسيادة الدول القائمة، ويحدث بشكل انتقائي يتضمن درجة عالية من ازدواجية المعايير حيث تطبقه الدول الكبرى في حالات وتغض الطرف عنه في حالات أخرى.
ويبقى القول، ان العالم يمر بمرحلة انتقال، وان اختصاصات الدولة تتعرض للمراجعة.
ولكن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط مفهوم الدولة وسيادتها، فمازالت الدولة هي التنظيم الوحيد الذي يكسب ابناءه جنسية , ولازالت هي ايضا التنظيم الوحيد الذي يمتلك حق الاستخدام الشرعي للقوة المسلحة, ولكن الدولة من ناحية اخرى مطالبة بإعادة النظر فيما تقوم به من أدوار، وكذا في علاقاتها بالمجتمع، خصوصا مع الدور المتزايد الخاص وللمنظمات غير الحكومية.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الاقتصـــادية
منوعــات
عزيزتي
الرياضية
الطبية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved