نشرت وزارة التخطيط في مطلع الأسبوع الماضي ملخصا لأهم الأهداف التي تسعى الخطة الخمسية السابعة لتحقيقها خلال سنوات الخطة , ومما لاشك فيه فإن هذه الخطة تكتسب أهمية بالغة خاصة وأنها تأتي والاقتصاد السعودي يعاني الكثير من المتاعب نتيجة لفشل الاستراتيجيات العامة لتلك الخطط الخمسية السابقة عن تحقيق أهدافها المرسومة، مما أبقى الاقتصاد السعودي مكشوفا وبدرجة عالية للتغيرات والتقلبات الاقتصادية الإقليمية والدولية, ومما لاشك فيه أيضا فإن الواقع الاقتصادي يفرض على وزارة التخطيط أن تكون الخطة الخمسية السابعة مختلفة عن الخطط السابقة التي أعتقد أنها نجحت نجاحا باهرا في وصف محاور التنمية المختلفة ولكنها لم تستطع أن تحقق نجاحا مماثلا على أرض الواقع التطبيقي , ولعلنا من خلال الأسطر القادمة نبرز بعضا وليس كل الأمثلة الهامة التي أعتقد أن خطط التنمية السابقة قد فشلت في التعامل معها على أرض الواقع على الرغم من قدرتها على التعبير عنها لفظيا بين دفتي مجلدات الخطط التنموية.
1- على الرغم من أن جميع الخطط الخمسية السابقة قد أكد ت على ضرورة العمل على تخفيف الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل إلا أن المتابع يلاحظ أن اقتصادنا المحلي لا يزال شديد الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل مما أفقدنا الاستقلالية المطلوبة خاصة ونحن نعلم أن أسواق النفط العالميةليست أسواقا اقتصادية صرفة حيث تلعب المتغيرات السياسية دوراً كبيرا في تحديد وجهة هذه الأسواق, ومن هذا المنطلق فإننا كمواطنين سعوديين نتطلع إلى أن تتصف الخطة الخمسية السابعة بجدية أكبر في تعاملها مع هذا المحور الهام من خلال استراتيجيات واضحة المعالم وخطوات تنفيذية مركزة وملموسة لا من خلال اختيار العبارات اللفظيةذات المدلول البلاغي الذي يوحي للقارئ بأن المشكلة أصبحت تحت السيطرة الفعلية كما كان عليه الحال في الخطط الخمسية السابقة.
2- أشارت الأهداف العامةللخطة الخمسية السابعة إلى ضرورة إعطاء سوق العمل السعودي أهمية خاصة حيث أكدت على ضرورة تفعيل دور عنصر العمل السعودي في الاقتصاد الوطني وعلى ضرورة زيادة فرص العمل المتاحة لهذا العنصر في القطاعين العام والخاص, وفي كل الأحوال لا يختلف اثنان على أهمية هذا المحور في المحافظة على مكاسبنا الوطنية المختلفة بما فيها الجانب السياسي والأمني إلا أنني أرى أن الخطة الخمسية السابقة لم تأت بجديد حيث سبقها في الحماس لهذا المحور جميع الخطط الخمسية السابقة التي تسابقت في اختيار العبارات اللفظية الرنانةالتي تعبر عن حرص ورغبة المخطط في تحقيق مكاسب ملموسة في هذا الجانب الهام.
ولكن المتابع يلاحظ أن جميع الخطط السابقة قد نجحت نجاحا باهرا في اختيار العبارات اللفظية التي تعبر عن المشكلة ولكنها في اعتقادي فشلت في تحقيق أي خطوات ملموسة على أرض الواقع, لقد فشلت جميع الخطط السابقة في تحقيق أي تقدم في مجال إحلال الأيدي العاملة السعودية حيث لايزال العامل الأجنبي ينمو كما وتأثيرا في ظل نظرات الحسرة التي يطلقها العامل السعودي الذي أصبح يعيش هاجسا مخيفا ا سمه البطالة المفتوحة, لقد فشلت الخطط الخمسية السابقة في إقناع القطاع الخاص الذي لا يزال يلهث وراء الربح المادي البحت بأهمية توطين فرص العمل المتاحة في سوق العمل السعودي لفشلها في اختيار السياسات المناسبة التي تأخذ في الاعتبار المصلحة الوطنية المتكاملة والمترابطة, وبالتالي فإن نجاح وفشل الخطة الخمسية السابعة يعتمد وبدرجة كبيرة على قدرتها على وصف المشكلة والعلاج لا على وصف المشكلة والتعبير عنها, الجميع يستطيع وصف المشكلة ولكن الجميع ينتظر من وزارة التخطيط المكلفة بالربط بين المتغيرات المختلفة أن تصف العلاج الناجع الذي يكفل لأبناء الوطن حقهم المشروع الذي سلبه العامل الأجنبي عنوة بمساعدة أصحاب المصالح الخاصة فهل تجد المصلحة العامة من يحميها؟ أعتقد أن وزير التخطيط سيكون البطل التاريخي إن هو استطاع أن يمنح الوطن خطة خمسية صادقة في الفعل كما هي واضحة في اللفظ, المطلب الوطني يقتضي أن نكون فاعلين لا منظرين خاصة ونحن نعيش مرحلة حرجة قد ترمي باقتصادنا الوطني في غياهب المعاناة مالم ننجح في استقراء الواقع واستشراف المستقبل بكل صدق ومصداقية, السؤال هنا هو هل ستكون الخطةالخمسية السابعة فاعلة في تعاملها مع أهدافها المرسومة أم منظرة ناجحة تنتهي بمجرد التعبير عن الهدف المنشود؟
3- لقد استطاعت جميع الخطط التنموية السابقة التعبير عن أهمية التعليم من خلال الأهداف والسياسات المكتوبة بلغة عربية واضحة الخط والمعنى ولكنها في اعتقادي لم تستطع أن تحقق النجاح المنشود لكونها قد اعتمدت الكم مقياسا للنجاح وأهملت الكيف مما قادنا إلى واقع غريب تمثل في عجز مخرجات التعليم عن الوفاء بمتطلبات التنمية الضرورية ,ما زال القطاع الخاص يشتكي عدم ملاءمة مخرجات التعليم ويتخذ ذلك ذريعة في استمرار اعتماده على العامل الأجنبي , مازال التعليم مستمرا في تخصصات عدة على الرغم من عدم وجود الحاجة إلى هذه التخصصات كما أن القبول في تخصصات أخرى مازال محدودا على الرغم من الحاجة الملحة لها,وبالتالي فإن أهمية الخطة الخمسية السابعة تبرز من خلال قدرتها على إعادة صياغة الأهداف العامة للتعليم وبالشكل الذي يتناسب مع متطلبات التنمية, يجب أن نكون أكثر مصداقية في تعاملنا مع الحاجة حتى لا تستمر العشوائية ونحن نقف وراء جدار الخوف من اتخاذ القرار الذي يتعارض مع مصلحة فئة قليلة وجدت من يرعى مصالحها ويقدمها على كل مصلحة بما فيهاالمصلحة الوطنية ذات الصبغة العامة.
4- على الرغم من أهمية الصناعة في تنويع مصادر الدخل ونقل التكنولوجيا والتقنية المناسبة إلا أن المتابع يلاحظ أن قطاع الصناعة السعودي لا يزال بعيدا عن تحقيق أهدافه المرسومة, لقد أكدت جميع الخطط التنموية السابقة على ضرورة تفعيل دور قطاع الصناعة لإدراكها بأهمية هذا القطاع ولكنها فشلت في وضع الإطار المناسب لهذا القطاع مما قادنا إلى حالة غريبة حتى على أبسط المتخصصين والمهتمين, لقد تسابقت الخطط السابقة إلى قياس نجاح هذا القطاع عن طريق عدد من المصانع القائمة دون أن تأخذ في الاعتبار قدرة هذه المصانع على تحقيق الأهداف المرسومة لقطاع الصناعة, لقد استوردنا الآلات والمعدات والعمالة والكفاءات الإدارية من الخارج مما أضعف دور قطاع الصناعة وأفقده القدرة على تحقيق أهدافه, السؤال هنا هو هل تستطيع الخطة الخمسية السابعة إعادة هيكلة هذا القطاع الهام ليتوافق مع مقتضى الحاجة الوطنية ويحقق أهدافنا المرسومة؟ هل نجد مصانعنا تدار بكفاءات إدارية ومهنية وفنية وطنية حتى نستطيع القول اننا حققنا النقل الكامل أو شبه الكامل للتقنية المناسبة؟
هل نجد مصانعنا تتنافس في إنتاج السلع التي نتمتع فيها بميزة نسبية حتى تستطيع المنافسة محليا ودوليا؟
أسئلة عديدة نتمنى أن نجد الإجابة عليها بين دفتي مجلد الخطة الخمسية السابعة.
* أستاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية