قليلون اولئك الذين يصنعون التأريخ بهدوء وانسجام وتلقائية حقيقية صادقة,, وهؤلاء وحدهم من يقف التاريخ شاهداً لهم لا عليهم.
فيصل بن فهد أحدهم واقربهم وأبرزهم,, ليس لأنه الأمير وابن الملك,, أو لأنه ذو الشخصية الأنيقة المرموقة,, أو لأنه البارع لباقة وقبولاً وثقافة والمتألق علماً ووعياً,, وليس لأنه يتقلد هذا المنصب أو ذاك,, وانما لأنه كان يرحمه الله انساناً مختلفاً في بذله وسخائه وعطائه وانسانيته,, في رؤيته وحنكته وحكمته,, في قيادته وقوته,, في عطفه وتعاطفه,, في مبادراته ومواقفه وبصماته,.
فيصل بن فهد لايكفيه رصد المشاعر ولاتنصفه بلاغة الخطباء ولاتستوعب فراقه مفردات الرثاء,, بقدر ما تبكيه قلوب الضعفاء قبل الاقوياء,, الفقراء قبل الاغنياء,, تدمع له عيون البسطاء قبل النبلاء,, ويحزن عليه البعيدون قبل القريبين,, يعبر عنه الصادقون المخلصون أكثر وأبدع من المزيفين.
* * *
على مدى 25 عاماً وتحديداً منذ بداية الربع الأخير من القرن العشرين يحفظ له التاريخ ويقول انه بزغ كالنجم المضيء لا بل كالقمر الذي يدوم بدراً ويزداد اشراقاً وجمالاً يوماً بعد يوم ليس في سماء الوطن فحسب وإنما ظل مشرقاً ولافتاً وجميلاً على سماءات الوطن العربي.
غاب فيصل فتدفقت احزان الينابيع التي امطرها في حياته هطولا سخياً هنا وهناك,, للصغار والكبار، للنساء والرجال، للمبدعين والمعدمين,, للمثقفين والأدباء والمفكرين والاعلاميين والفنانين,, للمساجد والمستشفيات والمدارس,, للمرضى والمساكين,, كان وحده رجل كل المواقف واليد الحانية الممتدة جوداً وحباً للجميع,, وحسبي ان من يماثله في حجمه وشخصيته وموقعه لايحتاج لهذا التعب وهذا التنازل ليصل الى ماوصل اليه لولا انه فيصل بن فهد الانسان المختلف والأمير الشهم والمسؤول المحبوب والظاهرة العصرية التي لن تتكرر,.
انظروا كيف تتزاحم المشاعر وتتراكم ردود الافعال بطريقة تعجز عن ايضاح وتجسيد مايملكه من مساحات حب واحترام شاسعة,, ماينعم به من خفقات ملايين القلوب البريئة وهي تبادله الوفاء بدعاء صادق لايحوز عليه الا الاوفياء والمخلصون.
* * *
اذا كانت الانجازات والمنجزات والانتصارات تشكل إيقاعا مشرفاً للوطن فان فيصل كان بالنسبة للوطن ومواطنيه الواجهة الأجمل في تحركاته وتدابيره,, في صناعته وصياغته للمواقف المذهلة والثاقبة,, في تعامله الفذ مع الاحداث وقدرته البارعة في احتواء الأزمات وترويض الصراعات والمشاحنات,, في ترفعه عن الملاسنات والاحقاد,, في انتقائية عباراته وعقلانية كلماته ورفضه لاستعراض ماوهبه الخالق سبحانه من ابداع في شخصيته الشامخة واللغة اللذيذة والفريدة كمتحدث يأسر القلوب والاسماع والابصار.
* * *
عبر الاتحاد العربي ومن منطلقات هاجسه العربي الأصيل صنع يرحمه الله ماعجزت عنه المنظمات والمؤتمرات والمداولات العربية مجتمعة بمختلف توجهاتها واتجاهاتها واهتماماتها,, فهو وحده من تحمل وناضل من أجل امته العربية من الخليج الى المحيط,, سعى بفكره وجهده وماله نحو هدف الوحدة العربية ومتطلعاً لبث المزيد من الاجواء الصافية والنقية لترتقي بنفسها وطموحاتها الى الممارسة الجادة البعيدة عن شعارات الضجيج والأهازيج فتحققت على يديه افضل الملتقيات العربية التي تجاوزت الخطوط الساخنة والحدود الهزيلة,, وقفزت فوق المستنقعات الموحلة والتكتلات السياسية المحبطة,.
هو اول من رسم مبادئ العمل العربي المشترك وبادر في تقديم آلية الخطوات الانسانية العربية الأكثر شمولية وتطوراً وفهماً وتفاعلاً.
* * *
في غمرة المتناقضات,, وفي زمن الانتهازية وترويج الاطراءات المتبادلة,, وفي خضم تزايد المتفاعلين والمتعاملين مع معادلة ان لم تكن معي فأنت ضدي ,, كان يرحمه الله يجيد فن الانصات واحترام الرأي الآخر أياً كان مصدره ومهما كانت نزعته,, يثمن نجاحات الآخرين وابراز دورهم وتحديداً باتجاه الصحافة الرياضية بعد اي انتصار للرياضة السعودية.
كان يبادر ويتجاوب وسط مشاغله ومسؤولياته مع الافكار والرؤى الصحافية ويتفاعل معها باسلوب علمي ومتحضر,, قدم لنا سمات ودروسا في التسامح والوعي والمعنى الحقيقي لحرية الرأي في وقت يمارس فيه من هم اقل منزله ومكانة الرفض والمصادرة والكراهية والظن السيئ.
* * *
في حياته فشلنا في استيعاب ملامحه ومعالمه والتدقيق جيداً في قراراته واقواله وافعاله,, ولم نشعر يوما من الايام ان الموت الحق والقضاء المقدر من الخالق سبحانه وتعالى سيجعلنا نستخدم ذاكرتنا المجردة لاسترجاع جزء قليل من سنواته الحافلة والعامرة بجزيل العطاء,, فهل نكتفي بذلك ام نجعل لذاكرته العطرة امتدادا آخر وماثلا يفرض علينا الاقتداء بها والعمل بأبعادها ومدلولاتها رغم الفراغ الهائل الذي تركه رحيل عملاق نادر بمواصفات وحجم وتاريخ فيصل؟!
عندما ندرك اهمية وصعوبة المرحلة المقبلة لقطاع حيوي وواسع لمجرد غياب فيصل,, فهذا امر يدفعنا لاستشعار ما قد يأتي لاحقاً من هموم لن تحظى بنفس رعاية فيصل واهتماماته وطريقة معاملته,, لكنها في ذات الوقت ستجد التزاماً بمبادئه ووفاء لعطائه وتقديراً لرسالته كما اشار الى ذلك صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن فهد وهو يعاهد الله بان يكون حريصاً على اداء الامانة وتكملة الرسالة.
نحن بدورنا نثق بأن سمو الأمير سلطان بن فهد بما قدمه لهذا القطاع خلال السنوات الثماني الماضية,, وماحققه من نجاحات لافتة سيكون باذن الله تعالى خير خلف لخير سلف,, مثلما سيكون أكثر احتياجاً لمؤازرته والوقوف معه من الجميع كل في مجاله ليتمكن ونتمكن نحن معه من الابقاء والمحافظة على مكتسبات الوطن التي تبناها ورعاها وتألق بها فقيد الأمة وامير الثقافة والرياضة والشباب على مدى ربع قرن.
* * *
اخيراً,, فشلنا مرة أخرى في تأمل وبلوغ انسانية فيصل فصرنا نتحدث عنه بلغة جامدة على غير ماكان يفعل ويتفاعل مع الناس كل الناس.
فشلنا في مواساة اسرته الصغيرة بنفس اللغة الانسانية الكريمة التي ياما زرع بها فيصل ابتسامات الحب بعد الحزن,, والأمل بعد الألم.
ربي لانملك الا الدعاء,, فارحم فيصل برحمتك واغفر له بقدرتك انك سميع مجيب,
عبد الله العجلان