يعتبر التخدير احد ىنعم الله العظيمة على الانسان، اذ بفضله يمكن ان يخضع المريض لعملية جراحية تستغرق مدتها ساعات طوال دون ان يشعر المريض بمشارط الجراح، ويفيق بعدها كما لو كان في نوم عميق دون اثر على حواسه واتزان عقله.
وعلم التخدير، كغيره من بقية افرع الطب، مر بمراحل ومشوار طويل الى ان وصل الى ما وصل اليه الان من تطور ونسبة السلامة العالية حيث تكاد تكون نتائجه مضمونه بنسبة 100%.
ومنذ غابر الازمان والانسان يحاول التوصل الى ما يخفف معاناته من آلام المرض والجراحه، وفي سبيله الى ذلك جرب طرقا وعقاقير بدائية ومختلفة فعلى سبيل المثال ربط المريض او ان يضرب بمطرقة على رأسه ليفقد وعيه، او يسقى خمرا او يستنشق عقاقير سامة قد تودي بحياته قبل بداية العملية وكانت العمليات الجراحية الى وقت قريب تقتصر على الانواع البسيطة من العمليات كإزالة الاورام السطحية او بتر الاطراف الميتة كذلك كانت تعتمد على سرعة الجراح لكي يخرج المريض في اسرع وقت ممكن من معاناته.
ويحكى ان جراحا انجليزيا اراد بتر رجل لمريض بدون تخدير وكان يتوخى السرعة في عملياته، وعليه فقد ربط المريض بالحبال على طاولة العمليات وامسك مساعد الجراح رجل المريض ليثبتها وسن الطبيب سكينته وبضربة واحدة وفي خلال خمس ثوان فقط استطاع الطبيب بتر رجل المريض، واربعة صوابع لمساعده وإبهام الجراح نفسه واعتبرت العملية ناجحة!
هكذا كان حال التخدير ولكن في خلال النصف الاخير لهذا القرن تطور علم التخدير تطورا مدهشا حيث اصبح من الميسور اجراء عمليات في غاية التعقيد والدقة وتأخذ وقتا طويلا لمرضى في حالة صحية متدهورة وتكون نتائجها ناجحة بنسبة ممتازة.
والتطور في علم التخدير لم يأت بالصدفة بل نتيجة ابحاث علمية طويلة ومضنية ومكلفة حيث نجم عن ذلك اكتشاف عقاقير نظيفة اي انها ليست نظيفة من الشوائب فحسب بل تقوم بوظيفة التخدير دون ان تؤثر على وظائف بقية اعضاء الجسم كالقلب، والكلى، والكبد وغيرها, كما وان الجسم يتخلص منها في لحظات وجيزة بعد ايقافها عن المريض ويصحو المريض في وقت قصير بعد العملية.
كذلك من تطور علم التخدير تم اختراع وتصميم اجهزة حساسة تساعد في اعطاء ادوية التخدير ومراقبة حالة المريض من كل النواحي ثانية بثانية واعطاء انذارات مبكرة اذا كان هناك خطر قادم.
ومن اهم العوامل التي ادت الى زيادة نسبة السلامة من التخدير ونجاح العمليات الجراحية قيام اطباء متخصصين بهذا العمل، فطبيب التخدير يمر بكل المراحل التعليمية والتدريبية والتأهيلية كزميله الجراح وطبيب الامراض الباطنية في المراحل الجامعية وبعد الجامعية، فهو يخضع لدراسة مستفيضة وتدريب مركز في العلوم الطبية ككل وعلم التخدير بصفة خاصة حتى ينال شهادات عليا وكفاءة متميزة ليصبح اخصائي تخدير, فقد يأخذ منه هذا اكثر من عشر سنوات بعد تخرجه من كلية الطب, فطبيب التخدير يجب ان يكون ملما إلماما واسعا بكل جوانب الطب الاخرى، كأمراض المخ والاعصاب، والقلب والدورة الدموية، والجهاز التنفسي والكبد والكلى والغدد الصماء، وامراض الدم وغيرها, ذلك لان كل هذه الامراض تؤثر تأثيرا مباشرا على التخدير ومجريات الاحداث اثناء العملية فيجب ان يحسب لكل شىء حسابه.
شروط التخدير الكامل
لكي يكون المريض مخدرا وجاهزا للعملية يجب ان تتوفر فيه الشروط التالية:
1- ان يكون نائما تماما بحيث لا يشعر ولا يرى ولا يسمع ما يدور اثناء اجراء العملية.
2- ألا يظهر علامات الالم اثناء نومه كزيادة في ضربات القلب، او زيادة في ضغط الدم او العرق وسيلان الدموع.
3- ان يكون المريض مسترخي العضلات تماما ليتمكن الجراح من القيام بمهمته دون مقاومة.
وبما انه لا يوجد عقار واحد تتوفر فيه كل هذه المواصفات فيكون التخدير عادة من عدة ادوية تعطى في وقت واحد وباستمرار الى نهاية العملية، وكذلك تعطى ادوية ومواد اخرى للمريض حسب الحاجة ليتمكن الجسم من اداء وظائفه بشكل اقرب الى الشكل الطبيعي ما امكن.
انواع التخدير:
1- تخدير كامل: وهذا ما تم التحدث عنه آنفا ويصلح لكل انواع العمليات الجراحية.
2- تخدير نصفي: هذا عبارة عن حقن بنج موضعي في اسفل الظهر ويصلح للعمليات في النصف الاسفل من الجسم, وكثير من المرضى يتخوفون من مثل هذا النوع من التخدير ولكن تخفوفهم غير مبني على حقائق فهو سهل للغاية وتستعمل فيه اقل الادوية ويمكن ان يقتصر على دواء واحد في اغلب الاحيان، اما مضاعفاته فهي على الرغم من ندرتها تكون اقل نسبة من مضاعفات التخدير الكامل ومن اهم فوائد التخدير النصفي للمريض انه يكون اكثر راحة وبدون ألم لمدة طويلة.
3- تخدير جزئي: وهو عبارة عن حقن بنج موضعي لتخدير جزء من الجسم كالذراع او اليد او الفخذ او الرجل او العين.
4- بنج موضعي: وفيه يحقن البنج في موضع العملية ويصلح للعمليات السطحية البسيطة.
مراحل التخدير:
يبدأ التحضير وتجهيز المريض للتخدير في الامسية السابقة لصباح العملية, وفي بعض الاحيان يبدأ التحضير قبل اسبوع او شهر في حالة ان يكون المريض مصابا بأمراض مزمنة في القلب، اوالتنفس او الغدد الصماء وغيرها بحيث يخضع المريض للعلاج المكثف في هذه المدة حتى يكون في احسن حال ممكنة عند حضوره في يوم العملية.
يقوم الطبيب بزيارة المريض في الامسية السابقة ليوم العملية لفحصه ويشرح له طريقة التخدير ونوعه ويجيب على استفسارات المريض عن التخدير وتفيد هذه الزيارة في خلق رابطة بين المريض وطبيب التخدير مما يقلل كثيرا من قلق المريض ومخاوفه من العملية.
في صبيحة يوم العملية قد يعطى المريض دواء مهدئاً للاعصاب ومقللاً للقلق وهذا يساعد على استقرار المريض عند بدء عملية التخدير في غرفة العمليات بعد ان يوصل المريض باجهزة المراقبة لمتابعة قلبه وتنفسه وكمية التخدير, ولا تبدأ الجراحة حتى يكون طبيب التخدير مطمئناً لوضع المريض من كل النواحي.
ويظل طبيب التخدير طوال مدة الجراحة مع المريض مباشرة يراقب من خلال الاجهزة العديدة الموصلة بالمريض سير وظائف اعضائه كالقلب، التنفس، الدورة الدموية، الكلى، الحرارة، الجهاز العصبي و كمية التخدير وكذلك كمية السوائل التي يفقدها ويحتاجها اثناء العملية.
بعد نهاية العملية يوقف اعطاء التخدير ويتم ايقاظ المريض ونقله الى غرفة الانعاش او الافاقه حيث يتم مراقبته بواسطة ممرضات متخصصات تحت اشراف الطبيب الى أن يفيق تماما بلا آلام وبعد ذلك يتم نقله الى غرفته.
من هنا نستطيع القول ان التخدير اصبح متقدما جدا ومتنوعا وله مجال لكل انواع العمليات الجراحية وفي اصعب الحالات ورغم ارتفاع نسبة السلامة وقلة المضاعفات مازالت البحوث جارية والمنافسة على اشدها بين الشركات لانتاج عقاقير انقى واضمن, اما مجال اجهزة المراقبة فهي اكثر تطورا حيث استخدمت النهضة الحديثة في علم الالكترونيات والكومبيوتر لاختراع اجهزة حساسة تكشف عن الكثير من حالة المريض اثناء التخدير مما نتج عنه تفادي الخطورة ومعالجة الخلل في حينه.
محجوب عباس علي
استشاري علم التخدير بمستشفى الملك فهد للحرس الوطني