Friday 3rd September, 1999 G No. 9836جريدة الجزيرة الجمعة 23 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9836


التنين المالي في أحضان اليد الخفية

صور كثيرة نقلتها لنا وسائل الإعلام، صور باهرة توالت أمامنا تبشر بالعولمة وآفاقها المستقبلية، صور احتشدت لتبرز حقائق هذا الزمان، عالم الرأسمالية المعولمة، فما هي خصائصه؟ أهي الاستنساخ أم التلوث أم الاستثمار أم التجارة العالمية؟!.
كل هذا وسيلة أو نتيجة، الجوهر يتلخص في الكلمة / الرمز: الدولار ملكاً!!
المال السائل السريع الحركة كالبرق، الجاهز لأي غرض، في أية لحظة وفي أي مكان، ومن أينما أتى، لا فرق.
لا ينكر أن المال ما كان يوماً صديقاً للفضيلة، منذ اكتشاف النقود في القرن السابع قبل الميلاد,, بل قبل ذلك، حوله اختصم الأشقاء والأحياء, عنه تولد الحسد ونشأت البغضاء، وبه بُرئت الرذيلة ووئد الصلاح.
لكن المال السائل كان قليلاً، وكانت السلع وأبواب الانفاق محدودة، كان بإمكان المرء أن يعيش يومه بالخبز والزيتون المباركين، مستوراً مع أسرته، مرتاح البال.
لم يكن ثمة حاجة لسيارة وتلفزيون وفيديو وهاتف ونقال وقنوات فضائية، وفواتير متتابعة تقض مضاجعه.
ولا ثمة طائرات وسياحة في باريس ولندن والشاطئ اللازوردي.
لم يكن ثمة حاجة لمال كثير وأرصدة في البنوك هي رمز يكثف فيه الحريات والامتيازات والسعادة.
مال الأمس لا يشبه في شيء مال اليوم، ثمة فارق نوعي بينهما، كان يقال خبئ قرشك الأبيض ليومك الأسود ، وكانت القروش تحفظ تحت الوسايد أو في جراب في مكان ما، بعيداً عن العيون، لحين الحاجة.
أين هذه القروش من أموال اليوم!! أرقام سرية في البنوك، بطاقات إلكترونية، عملات، ثمة حاجة ملحة ودائمة لرصيد من المال السائل.
المال السائل بامتياز هو الدولار، في كل مكان يسري، لا تقف أمام حركته حدود جغرافية أو ثقافية ولا حدود أخلاقية، وبسرعة خاطفة ينتقل الى أقاصي الأرض.
ثمة بنوك عالمية منتشرة فروعها ووسائلها كشبكة عنكبوت تغطي بلاد الله الواسعة، تعمل بالالكترون عملاؤها يجوبون الأصقاع.
ثمة جبال شاهقة من الأموال السائلة تراكمت في المؤسسات المالية الغربية خلال العقود القليلة التي انصرمت وغدت اليوم القوة العظمى السائدة، أقوى حتى من الدول.
آلاف آلاف المليارات في أسواق المال في نيويورك ولندن وطوكيو، يتربع على عروشها ملوك متوجون، أسماء تتلألأ كالشهب: جورج سوروس، ميلكن، بيل غيتس، ميردوك، برليسكوني، بضع مئات من هؤلاء يديرون كل تلك المليارات، يحركونها كيفما شاؤوا، لاقتناص فرصة سانحة، لابتلاع شركة منافسة، لتغيير أسعار السلع والعملات، لتقديم القروض وانتزاع الصفقات، لرسم سياسات التصحيح الاقتصادي والسياسي للحكومات.
هم اليد الخفية لاقتصاد السوق والمنافسة الحرة وقواعد التجارة، ضواري وكواسر تحوم بلا رحمة، يسري في عروقهم جنون العظمة والسلطة الذي يتضاعف كلما امتدت مملكة أموالهم.
هم يرسمون أنماط الاستهلاك والاستثمار، كذا ما يجب أن تكتبه الصحف، فهم محتكروها، وما يجب أن تعرضه الشاشات الصغيرة والكبيرة، وما يجب أن يعرض ومتى أو ما يجب أن يخفى!!
من أين جمعت تلك الجبال من الأموال التي غدت امبراطورية مستقلة بذاتها؟,, هل من أموال أمريكا أو من أموال العرب، أو من أموال النفط، أو من أموال مافيا الجريمة والمخدرات؟!
حكايات لا حصر لها تواردت علينامن كل مكان في هذا الزمان زمن العولمة، بمناسبة تباشير عصر جديد هو عصر العولمة الرأسمالية !!.
يقول د, رزق الله هيلان في كتابه مقدمات اقتصادية لعصر ينتهي! : لا يمر يوم تخلو فيه صحافتنا من أنباء المخالفات والفضائح، مواد غذائية فاسدة ومنها أغذية للأطفال الأبرياء، فساد، رشاوي، اختلاس أموال عامة، وتستمر الأمور ويتحدث بها الناس وكأنها أمور عادية طبيعية أو أنها فهلوية أو بطولة وعبقرية!!
فللأسف، مع انتصار الرأسمالية الجديدة في رداء العولمة انتشر وهيمن خطابها الايديولوجي على الساحة العالمية، الفكر الوحيد ، وجر هذا الخطاب معه أطروحات جديدة فرضت نفسها في وسائل الإعلام والثقافة واستقطبت حولها النقاشات: نهاية التاريخ ، موت الايديولوجيا وصراع الحضارات وعصر ما بعد الحداثة والمجتمع ما بعد الصناعي والقرية العالمية .
كل هذه الأفكار ليست بالا أساس موضوعي، إنها موظفة في اطار حملة شرسة لغسيل أدمغة الناس من أي أثر للأفكار الأخرى المعارضة للرأسمالية.
هكذا تكون الرأسمالية العالمية المعولمة، بحسب هذا الخطاب، كما يزعمون، النظام النهائي للمجتمع البشري.
وللحقيقة، فليست العولمة في شكلها الراهن ظاهرة بسيطة معروفة النتائج سلفاً، على العكس من ذلك، إنها ظاهرة بالغة التعقيد، إذ تفتح دروباً متعددة.
فقد تكون فرصة سانحة لتجدد الرأسمالية واستمرار سيطرتها.
وقد تكون فرصة لارتقاء الرأسمالية وألسنتها.
وقد تكون فخاً تاريخياً للرأسمالية تقع فيه.
فالعولمة تقتضي تخفيض الأجور والرواتب للانتصار في معارك المنافسة الخارجية، وهذا أمر واضح.
لكنها تقتضي كذلك، صراحة أو ضمناً، سلب العامل كرامته، لأن عليه أن يهرول أو ينبطح لتحصيل دخل ثانوي ومن أجل تأمين لقمة العيش، أو وصولاً الى مستوى استهلاكي حديث، أو لتكوين رصيد من المال بغية اتقاء غوائل الزمن,, إذن، عليه أن يفقد براءته لكي لا يرفع هامته أمام أبطال هذا الزمان، أصحاب اليد الخفية .
ومع اشتداد تيار العولمة وتطور التقنية الجديدة المعلوماتية تشتد حدة المنافسة على مختلف المستويات وتتحول الى صراعات وحروب تقنية واقتصادية وثقافية لا ترحم، وتصبح القدرة التنافسية الهدف الرئيسي ليس فقط للشركات، بل أيضاً للأفراد والمجتمع والدولة بأسرها.
فمن أجل ربح معركة المنافسة على المستوى العالمي ينبغي ان يغدو الهم الرئيسي للدولة والمجتمع ايجاد الظروف الأفضل لزيادة القدرة التنافسية وتحويل كل الأنشطة نحو هذا الهدف.
ومن ثم، فيجب ان يصبح التعليم أكثر انتاجية وأقل تكلفة، ويجب دعم الانتاج الوطني والتساهل في تطبيق القوانين والقيود المؤدية الى زيادة التكلفة، قوانين العمل وقوانين حماية البيئة.
إذن، تغدو المهمة الأولى للمجتمع والدولة ايجاد الظروف الأكثر ملاءمة لإحراز النصر في السباق أو الحرب الاقتصادية الدائرة على مستوى الكرة الأرضية، إذ لا نمو ولا رفاهية، ولا حتى استقلال سياسي دون ذلك!!
إن من المحزن المبكي ما تشير إليه معظم الدراسات والتحقيقات من أن عدد الفقراء يتزايد في ظل العولمة وأن ثمة مئات الآلاف من الأطفال المشردين في بلدان العالم الثالث يقتاتون من النفايات، ومئات الآلاف يُدفعون إلى الرزيلة، وأطفال يستخدمون كقطع غيار وتبديل!!
هذا غيض من فيض، في يوم واحد من هذا الزمان: سمات لرأس المال المنفلت من عقاله، وسمات حضارة تتعفن، فإلى أين يسير ويجرفنا معه عالمنا الجديد أو لنقل عولمتنا الجديدة وماذا يريد أبطال هذا الزمان أصحاب اليد الخفية ؟!!
د, زيد بن محمد الرماني
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عضو الجمعية العربية للبحوث الاقتصادية

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
ساحة الرأي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved