Friday 3rd September, 1999 G No. 9836جريدة الجزيرة الجمعة 23 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9836


شرفات للغروب

يتصاعد التأوه والتأفف في خضم ازدحام الظهيرة,, ويطول الانتظار لفك هذا الحصار المروري,, ويزداد الحنق على اشارات المرور,, والاعين تتطاير شرراً نحوها,, وعبير في مقعدها الخلفي تجلس في انتظار وتراقب الوضع وتطور الاحداث بين تقدم هذه السيارة وتلك,, وإذا بها تفاجأ بأصوات وأبواق السيارات تضج في المكان,, واذا بشخص في السيارة المجاورة يصرخ بالسائق أنت,, هيا تحرك ماذا تنتظر؟,, فانطلق بالسيارة,, ماذا تنتظر؟!,, سؤال اعاد عبير الى دائرة تفكيرها,, ترى ماذا ننتظر كي نتحرك؟!,, ماذا ننتظر كي نمضي في طريقنا؟!,, هل ننتظر إشارة ما كإشارات المرور تلك؟!,, أم أن حياتنا فعلاً قد تكون شبيهة بحركة المرور؟!,, هل حقاً نحتاج لمن ينبهنا لمتابعة سيرنا إذا ما استوقفتنا الايام,, عادت الى الواقع عندما توقفت السيارة امام المنزل ودخلت اليه,, فإذا بوالدتها تستقبلها كالعادة بوجهها البشوش وابتسامتها التي تبعث الامل من مكامنه في خافق عبير ليتدفق في عروقها ويمازج دماءها,, فتهرع عبير الى تقبيل يدي والدتها,, وفي قرارة نفسها كانما تستظل بها وتتفيأ بغصونها الوارفة من هجير الحياة,, فهي الواحة الظليلة لها إذا ما استبدت بها الاحداث وعاركتها الايام,, فتغدق عليها من دعواتها التي تكون لعبير بلسماً تداوي به جراحها وتتصبر بها على كل شدائدها,, بارك الله فيك يا ابنتي واعطاك خير الدارين وكفاك شرهما,, اجابتها عبير وأبقاك لي وحفظك ذخراً لنا,, فبادرتها امها سائلة لماذا تأخرت اليوم؟ أجابتها عبير ازدحام الطريق اضافة الى ان الاشراف كان اليوم من نصيبي,, فبادرتها والدتها,, الله يعطيك العافية,, هيا لتتناولي الغداء.
بعد الغداء صعدت عبير الى غرفتها بعد أن استلمت قائمة بطلبات اختها سارة واخيها فارس,, تلك الطلبات التي لاتستكين ولاتلين,, وأخذت قسطاً من النوم,, وبعد أن استيقظت وجدت نفسها تعود بتفكيرها حول جملة ذلك السائق الذي نهب بسيارته الطريق نهباً,, ماذا ننتظر؟!,, لسنا نعلم,, تمتمت بهذه الكلمات في هدوء,, واتجهت الى الشرفة ونظرت الى الخارج الى الحديقة,, فإذا بالوقت قد شارف على المغيب,, وعاودت تسأل نفسها,, حقاً ماذا ننتظر كي نحس بأن أعمارنا تمضي ولاتعود,, بأن اعمارنا تسحب كالبساط من تحت ارجلنا ونحن لانحس,, فبالأمس فقط,, وفي هذه الحديقة,, وتحت تلك الشجرة كانت تتراءى لي طفلة الماضي تلهو ها هنا,, وهنا تلعب,, تقفز في فرح وتركض,, تحمل بين اضلعها قلباً عامراً بحب الحياة تتراقص فيه الافراح البيضاء والأماني الواعدة,, تنظم عقداً من ازهار الامل لتتوج به قلبها الخافق,, ليمضي ويعانق اطياف السعادة,, وهناك بالقرب منها كانت صبية تداعب أحلامها الوردية,, وتنسج من مخيلتها بساطاً لريح تمتطيه الى مدن افلاطونية,, تداعب الازهار في حب,, وتعانق الاشجار في امل,, وعلى كل سحابة نقشة حروف امنية,, وهنا فتاة ,, حبها زاد وصار أكبر, وفاؤها لمن احبت صار اعظم,, واملها في صدق تدفق حبهم اكبر,, وفجيعتها في سرابية تواجدها في افق امتداد تفكيرهم اكبر واكبر,, وجرحها في زيف حبهم اعظم, زرعت زهور الحب فأدمتها اشواكهم,, حملت النسائم شذاً وعطراً لشوقها فذرتها رياح القسوة والنكران,, فجيعتها في من احبت اكبر من ان يتسع لها قلبها الصغير,, قلبها الذي كان يوماً كالحديقة الغناء المزهرة,, تحيطها الاشجار الخضراء والورود الزاهية,, وتصدح فيها تغاريد الطيور, تردد اغاني المحبة وتتقافز على اغصانها وتزهو بألوان الربيع والحياة,, وفجأة وجدت نفسها قد توغلت كثيراً في ادغال الماضي,, فترقرقت في عينيها الدموع لهذه الذكرى التي حملتها لها هذه النسائم,, فأراحت رأسها المثقل على سياج الشرفة ممسكة به وكأن ثقله يحتاج الى ان تسنده بكلتا يديها,, وقفت هناك وقد خالطت انفاسها أنسام الغروب,, فأطلقت ناظريها في الوان المغيب,, وقد تراءت لها بأنها نار مشتعلة تدفىء مابداخلها من صقيع,, اقشعر جسدها لهذا المعنى وأحاطت ذراعيها لتتحسس الدفء المفقود,, وتمتمت بحروفها المستكينة,, ربما ستظل هذه الذكرى تعاندني,, آه منك ياهذه الذكرى,, لِمَ لاترحلين؟!,, لكن هذه الذكرى ستظل شرفات,, شرفات لنا نطل منها على ساحة العمر,, ونافذة للحاضر على مساحات الماضي محطات تستوقفنا للتأمل الجاد واعادة الحسابات,, نستعرض فيها محطات العمر من شروقه في صرخة طفل الى غروبه الهادىء عندما تواريه الارض تحتها قد يبدو العمر عندها كغرفة ماء اغترفناها من نهر الحياة,, فتسللت قطرتها من بين اصابعنا في غفلة منا,, قد ينتهي العمر ونحن بعد لم نضع بصمة لتواجدنا,, وقد يستهلكنا روتين الحياة ويذيب تفاعلنا في انتظام ايقاعاته وقد ننصهر معه دونما شعور منا باننا قد استهلكنا وقود الامل والتجدد والتفاؤل,, وأن الشمعة التي اشعلناها يوماً لتنير لنا الدروب قد قاربت على الانطفاء,, قد تسرق اعمارنا دونما شعور منا,, ولكن,, هل حقاً ان الاعمار قد تسرق؟!,, وتردد صدى هذا السؤال في اعماقها كأبواق واجراس تدق لتوقظ هذه الاعماق من سباتها,, احقاً هذا؟! سألت نفسها,, والسؤال انبت الف سؤال,, وبدت تحتاج إلى منجل الاجابة ليحصدها, أخذت تبحث في صمت اللحظة وذهول الواقع عن اجابة تعيدها للواقع ورحابته,, وتدور في بوتقة تساؤلاتها ويحملها كل سؤال الى الف سؤال,, وتبحث بين رفوف عقلها عن اجابة,.
فيحملها قطار افكارها المرتحلة في دروب العمر الى بوابة الماضي وتبحر في اعماقها اشرعة لشتى المعاني,, وترتد أسئلتها الى اعماقها الموجعة مرة والف مرة,, لتضع حروف الحيرة على محياها,, وتظل في غدو ورواح مع فكرة تأتي واخرى تروح,, ويطول بها حبل التفكير ويسترسل,, وفجأة,, يقطعه دخول اختها سارة معلنة قدوم صديقتها هدى,, رفيقة عمرها وكاشفة اسرارها,, فإذا هي خلفها بابتسامتها العريضة التي ملئت تفاؤلاً وحيوية مساء الخير عبير قالتها هدى,, فبادرتها عبير مساء الخير,, ادخلي فلاحاجة لسارة لتعلن مجيئك طالما تعرفين طريقك,, فابتسمت هدى ودخلت وهي تقول اوافقك الرأي,, إنني اعرف طريقي,, ولكن كنت بحاجة لسارة لكي تهيئك نفسياً لتقبل الموقف,, ولكن ماهو الخطب الجلل الذي حمل صديقة الليل الى أحضان الغروب,, ما الذي يستوقفك في هذه الشرفة؟ هيا اخبريني , فأجابتها عبير ياعزيزتي,, بيني وبين الغروب ذكرى لن تنتهي ابداً,, ذكرى لما حملته يوماً لاذيال الغروب,, ولكن ما استوقفني حقاً هو سؤال سألته لنفسي الف مرة,, فيرتد الي الف مرة,, فبادرتها هدى ومن غيري سيجيب؟ فابتسمت عبير وحولت نظرها الى الافق البعيد وقالت سؤالي هو,, هل أعمارنا قد تسرق منا؟!,, اوقد تتسلل من بين اصابعنا كقطرات الماء؟ وهل كل غروب سيعني دائماً النهاية والرحيل؟!,, فقالت هدى ومتى اكتشفت ان عمرك قد سرق منك؟ وماهي ملابسات هذه السرقة؟ وهل قدمت البلاغ بذلك؟!,, فقالت عبير: بدون تهكم, فاستدركت هدى كلامها قائلة: حسناً,, بمنطقية اعمارنا قد تسرق,, ولكن عندما ننسى اننا نعيش,, وعندما تتحول حياتنا الى ايقاع يتردد بانتظام ودون عفوية تنسينا معنى الحياة, فقالت عبير نفس ماتوصلت اليه,, روتين الحياة الذي يستهلكنا حتى العظم,, وقسوة الحياة وساكنيها,, فكل ذلك كفيل بأن ينسينا معنى الحياه,, فننسى ان نعيش,, عندها يسرق العمر في غفوة العقل,, كما تسرق اللحظات في صمت الحياة,, فاعمارنا مسلوبة وسنيننا منهكة,, لكن أتساءل ياهدى هل كان بإمكاننا أن نحقق افضل مما حققنا؟ فأجابتها هدى: نعم بامكاننا,, ولكن عندما نملك قدراً من الايجابية وليس السلبية التي تتمتعين بها عزيزتي,, فبادرتها عبير,, لست بسلبية لحد الضعف ولا ايجابية لحد التسلط,, ولكن هل ستملك هذه الايجابية التي تتكلمين عنها ذلك,, هل ستملك ان توقف الزمن عن افتراس اعمارنا ولو لبرهة لنعيد فيها حساباتنا وفي الوقت المناسب,, لانه قد نقف عند نقطة ما لكنها قد تكون نقطة لمراجعة ما مضى للتأمل فيه,, وليست نقطة لإعادة الحسابات,, فقالت هدى,, قد تمكن الايجابية من تغيير شيء ما,, من تحقيق شيء ما,, من التقدم,, قد تمكنا من ان نعطي اكثر ممااعطينا في الوقت الذي استهلكناه قد تمكنا من الاحساس بقيمة الحياة,, فقالت عبير,, قيمة الحياة تكمن في العطاء، في التضحية، في تحقيق ما نستطيع تحقيقه لانفسنا او لغيرنا,, فقالت هدى,, وهل انت راضية بما تحقق حتى الآن؟ فقالت عبير لايهم رضانا لان ماحدث او ماسيحدث لايمكننا تغييره,, فبادرتها هدى حسنا,, ولم مراجعة حساباتك؟ فقالت عبير مجرد ذكرى وتأمل لما مضى في حياتي او حياة من حولي,, فشرفة الغروب قد استنطقت صمتي,, وحركت في داخلي من الاحاسيس الكثير والكثير,, وذكرتني باحتفالي ذات مساء,, فقالت هدى,, اي احتفال؟!,, فاجابتها عبير,, احتفال انتظرت فيه من يقدم لي فيه باقة ورد خرافية ليهنئني بجرحي,, ليحتفل معي بذكرى انكساري بضعفي,, مساء انتظرت فيه من يتقدم لحدود جرحي ويعتذر لشموخي, انتظرت حتى بهت لوني,, وخبا ضوئي,, ورحلت مع اذيال الغروب,, رحلت الى الذبول,, ذبول الحياة,, هناك حيث توسدت اليأس وافترشت الحزن,, لأريح قلبي المتعب المنهك,, هناك حيث ظللت ولن اعود,, لان حبي قد انطفأ,, ووهج روحي قد خبا,, هناك ياعزيزتي حيث احتفالي,, فهذا الغروب يذكرني بجرحي ذات مساء,, بحياة لم تعد الا انقضاء.
زهرة البنفسج

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
ساحة الرأي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved