Friday 3rd September, 1999 G No. 9836جريدة الجزيرة الجمعة 23 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9836


من المكتبة
صفحات من مذكرات نجيب محفوظ (3-3)

عندما أشرع في كتابة عمل روائي جديد أبدأ بكتابة المسودة بحرية وسرعة وتدفق، وفي الغالب فإن كتابة الرواية تستغرق شهرا, أما بقية شهور السنة فأمضيها في التبييض ، والإبداع الحقيقي يكون في العملية الاخيرة، هذاالنظام سرت عليه منذ الرواية الأولى وحتى الرواية الأخيرة, مع ملاحظة انني اعطى لنفسي فرصة من الوقت لاتزيد على ايام معدودة بين مرحلتي التسويد و التبييض ، بحيث اكون خرجت خلال هذه الايام من الحالة النفسية التي كنت عليها وانا اكتب، واستعدت لياقتي الذهنية, وفي بداية حياتي الادبية كنت استخدم القلم الرصاص في التسويد والقلم الحبر في التبييض ، وعندما ظهرت الأقلام الفلوماستر الجافة اعجبتني، واستخدمتها منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
لم تكن الساعات الثلاث المخصصة للقراءة يوميا ترتبط بما اكتب، حيث وضعت لنفسي نظاما في القراءة، بحيث لايمر عام إلا واكون اخذت نصيبا من كافة المجالات: في التراث، والسياسة، والثقافة العامة، والثقافة العلمية، والأدب العالمي، وغير ذلك, ولم ترتبط الكتابة عندي بالقراءة إلا في الفترة التي كتبت فيها الروايات الفرعونية، حيث اقتضى الامر مني دراسة علم المصريات ، خاصة وقد كان لدي النية لكتابة تاريخ مصر باكمله في سلسلة من الاعمال الروائية، كما فعله جورجي زيدان في تاريخ الاسلام.
وعندما خرجت الى المعاش لم يختلف نظام الكتابة كثيرا، حيث خصصت فترة الصباح للكتابة، فاذهب الى المقهى مبكراً، ثم اعود لابدأ الكتابة ولمدة ثلاث ساعات,أما القراءة فكانت في فترة ما بعد الظهيرة حتى بدايات الليل.
قبل حصولي على جائزة نوبل اصبت بضمور في شبكية العين، مما جعل موضوع القراءة والكتابة من الامور العسيرة والمرهقة، وسبب لي هذا الامر ازعاجاً شديداً، وهدم النظام الذي سرت عليه طيلة حياتي، بل لم يعد هناك نظام أصلاً, امتنعت عن القراءة نهائيا، واصبحت أقصى مدة اجلس فيها الى مكتبي لممارسة الكتابة ساعة واحدة في اليوم.
وقد يثير هذا النظام الدقيق الذي اتبعته في حياتي بعض الاستغراب, ذلك ان هناك من يعتقد ان النظام الصارم يتناقض مع الادب وما يرتبط به من الهام، فالإلهام الفني ليس له موعد او ترتيب ولايعرف النظام، وفي رأيي ان النظام لايتناقض ابداً مع الإلهام, ربما يحدث شيء من التناقض اذا كان الامر يتعلق بالشعر، ذلك ان الشعر ليس له موعد، فقد يأتيك شيطان الشعر في اي مكان، وفي وقت قد يكون الشاعر فيه غير مستعد للكتابة، ومن ثم لابد ان يكون على اتم الاستعداد لتسجيل ما يأتيه حتى ولو كان في دورة المياه, أما بالنسبة لفن الرواية، فيمكن ان يحكمه النظام في الكتابة، وهنا لايحدث التناقض بين النظام في العمل وحرية الإلهام, وتاريخ الأدب العالمي يقدم لنا نماذج عديدة ممن ساروا على نظام صارم في حياتهم، مثل جورج صاند ، التي كانت تبدأ الكتابة ليلا ولاتنتهي إلا مع مطلع الصبح، وتنام ساعات النهار, وهناك بلزاك وفلوبير و تولستوي ، كل منهم كان له نظام في الكتابة، لم يتغير منذ أن أدركتهم حرفة الأدب.
سنوات العقم
منذ عام 1987، اي في السنة التي سبقت حصولي على جائزة نوبل، وأنا أعيش في حالة غريبة من العقم الإبداعي، وأشعر بعدم ميل الى الكتابة، وتذكرني هذه الحالة بفترة انقطاعي عن الكتابة عقب ثورة يوليو 1952, والفارق بين الحالتين هو انني في فترة الانقطاع التي حدثت بعد الثورة شعرت انني لم يعد لدي ما اكتبه، بعد أن حققت الثورة كثيرا مماكنت اتمنى تحقيقه من خلال كتاباتي الروائية, اما في هذه الحالة والمستمرة عندي حتى الآن، فاشعر بان الدافع للكتابة موجود، ولدي موضوعات عديدة ومشروعات كثيرة لاعمال روائية، ولكنني عندما امسك بالقلم تزول كل دوافع الكتابة، وتهدأ النشوة الداخلية، فأضع القلم من جديد.
والسبب في هذه الحالة الغريبة هو انني كلما هممت بالشروع في الكتابة يواتيني شعور داخلي بان الموضوع قديم، وسبق ان عالجته في اعمال سابقة ، أو أن المشكلة تافهة ولاتستحق الكتابة عنها,, هذا على الرغم من ان المجتمع الآن مليء بالمشكلات التي تصلح في اغلبها للمعالجة الفنية، لكني كما قلت أشعر أنها مشكلات قديمة, فعندما قدمت شخصية محجوب عبد الدايم الانتهازية في القاهرة الجديدة أصيب الناس بالدهشة، وكانت اشبه بالاكتشاف, أما الآن فيوجد مليون محجوب عبد الدايم ، ولم تعد شخصيته تثير الاستغراب او الدهشة, ولذلك يلاحظ القراء أن كل انتاجي - تقريبا- خلال الفترة الاخيرة، تدور احداثه في الزمن الماضي، ولا يأخذ صفة المعاصرة، وذلك في أعمال صباح الورد أو قشتمر أو الفجر الكاذب .
سبب آخر لحالة الانقطاع هذه، وهو سبب عام في مجمله، يتمثل في أن الأديب عندما يتقدم به العمر، ينحصر تفكيره في الزمن والموت وقضايا فلسفية، وتشعر في كتاباته بالشجن والرغبة في العودة الى الماضي.
وهناك سبب ثالث يتمثل في الضعف الذي اصاب عيني والشعور الشديد بالارهاق كلما مارست عملية الكتابة، واصبح جهدي الآن ينحصر في كتابة وجهة نظر التي تنشر كل يوم خميس في الأهرام بشكل اسبوعي منتظم, وأحيانا ترد على ذهني أثناء الكتابة افكار لقصص قصيرة، فأدونها في بضعة سطور، على أمل أن أعود الى استكمالها بعد ذلك، والقصص التي انتهي منها ارسلها للنشر في مجلة نصف الدنيا .
وبعد حصولي على جائزة نوبل سألني احدهم: هل ستضع في حساباتك عندما تكتب بعد ذلك القارىء العالمي الذي اصبح متابعاً لأعمالك مثل القارىء المحلي تماما؟
والحقيقة أن حساباتي لم تتغير، لأنني كاتب مخلص جدا لما يدور في نفسي، وعندما امسك القلم وابدأ في الكتابة، لا أعبأ بشيء، ولا أفكر في شيء، وأنسى كل الحسابات، ولايهمني سوى إرضاء ذاتي ومزاجي الشخصي,
ثم إنني اكتب بلغة محلية، والعالم لا يقرأ إلا أعمالي التي يختارها ويترجمها على مسئوليته، وأيا كان الأمر، ومهما كانت النتائج، فأنا لا أخشى المواجهة.
نجيب محفوظ
*من كتاب (نجيب محفوظ- صفحات من مذكراته)لرجاء النقاش.

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
ساحة الرأي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved