الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو، إليه المصير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد الموحى إليه من ربه قوله: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه).
أما بعد: فإن من خطوات الشيطان التي يدعو بها حزبه ليكونوا من اصحاب السعير ما يزينه للبعض من الاستهانة بالمخالفات، واستصغار الذنوب، والاستخفاف بما توعد الله تعالى عليها من ألوان العقوبات من عمى البصائر، وزيغ القلوب، واستحسان سيىء العمل، والتمني على الله عز وجل حتى يأمن المسكين من مكر الله، ثم إذا كثرت الذنوب قنطه الشيطان من رحمة الله، إلى غير ذلك من ألوان كيده، وصنوف ألاعيبه التي هي من دوافع عداوته, ومن مظاهر ذلك انك ترى بعض الناس يتلبس بمعصية ظاهرة في وجهه، أو ثيابه، أو لسانه، أو سلوكه مع الله تعالى، او مع خلقه ربما يكون وقع بها - أول ما وقع - تقليداً لغيره، وتجريبا لشيء اقترح عليه, ثم ما تلبث هذه المخالفة الظاهرة والمعصية المحققة مع تكرارها يوميا ان تتحول إلى سجية من سجاياه وجزءاً من شخصيته ومظهره بحيث لا تطيب نفسه ان يخرج إلى الناس، او يفارق مجلسهم دون ان يحققها جريئا على ربه مجاهراً به خلقه.
فإذا نصحه محب له بشأنها مذكراً له بخطرها محذراً له من عقوبتها ببليغ الحجة ولطيف العبارة، فأحسن أحواله - إن كان عاقلا حليما متواضعا - ان يقول: والله يا أخي انا معك، ولكن هذا شيء اعتدناه، ودرجنا عليه منذ سنين، ويصعب التخلي عنه، وينسى انه بذلك يعترف بكثرة رصيده من السيئات التي لم تكن يوما من الايام هما من همومه، وموجبة لقلقه، والتي يخشى ان تغلب حسناته - مع ان السيئات آحاد اي لا تكتب إلا واحدة - ان تغلب الحسنات التي هي اعشار - تكتب الحسنة بعشرها - وتبا لمن غلبت احاده عشراته.
أما الآخر الجريء على ربه المبرهن على نفاقه، فيقول: هذه بسيطة، او ما دخل الدين بهذه الامور؟ فيحتقر الذنب، ويستخف بالعقوبة، ويجترئ على ربه، وقد صح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله: المؤمن يرى ذنوبه كجبل يوشك ان يقع عليه، والمنافق يرى ذنوبه كذباب طار على انفه, فقال به هكذا، اي هشه عن انفه، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشيطان رضي بما تحتقرون من ذنوبكم وروي عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: إياكم ومحقرات الذنوب، فإن لها من الله طالبا، وقال إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن على المرء فيهلكن .
وإذا كان من المتقرر لدى العقلاء ان المذنب مطلوب، فاين المفر للعاصي والإله الطالب، ولذا قال بعض السلف: لا تنظر إلى صغر المعصية في عينيك، ولكن انظر إلى عظيم شأن من عصيت، وقالت الجن: (واننا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هرباً).
|