لقد أكرمنا الله تعالى بالإسلام، وخصنا باجمل آداب الأنام، وميّزنا بأخلاق ننفرد بها عن غيرنا ومن بينها اللحية، فهي ابرز مظهر للمسلم، وابرز علامات الرجولة، وهي من خصال الفطرة، ونحن مأمورون بإكرامها والعناية بها والمحافظة عليها والاعتزاز بها، لأن التحلي بها اتباع لهدي الانبياء والمرسلين، ولأنها أجمل سمات الصالحين، ولأنها أحلى وشاح للوجه وأنفس حلية يتزين بها الرجل فتكسبه الهيبة والقبول والاحترام, إلا أنه مع الاسف برزت في هذا العصر ظاهرة خطيرة انتشرت بين شعوب العالم الإسلامي الا وهي التشبه بغير المسلمين في اخلاقهم وعاداتهم، ومنها حلق اللحى والاستخفاف بها، بديلاً عن اعفائها وتوقيرها عملاً بسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
هذا وقد ترجع ظاهرة حلق اللحى للتأثر بالحضارة الغربية نتيجة الاختلاط بها وتقليداً أعمى للشعوب الاوروبية وكيف ان عقولهم استحسنت هذه التبعية والتقليد الأعمى؟ وقابل هذا الانتشار سكوت العلماء عن بيان الحق وقت الحاجة وإنكارها، بل استباح بعضهم الافتاء بجواز حلقها او ابقائها لانها في زعمهم سنة، مجاملة للمترفين ومجاراة لبعض ولاة الأمور ومن يدور في فلكهم الا من رحم الله.
وقد تجاهلوا وجوب اعفاء اللحية، وانه حكم شرعي ثابت في الكتاب والسنة والإجماع، وان حلقها حرام بل هو كبيرة من كبائر الذنوب، وحالق اللحية مرتكب معصية تسقط بها عدالته ولاتقبل شهادته ولاتصح الصلاة خلفه لانه غير مؤتمن في دينه، يقول الله تبارك وتعالى:( ومن يطع الرسول فقد اطاع الله) النساء 80، روى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قوله :(أمرنا بإعفاء اللحية)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاتشبهوا بالأعاجم أعفوا اللحى)، وروى ابن عمر رضي الله عنهما :(ومن تشبه بهم حتى يموت حشر معهم)، وقد تنوع امر النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب إعفاء اللحية فمرة قال: (اعفوا اللحى) ، وأخرى قال (أرخوا اللحى)، وفي حديث آخر (أوفوا)، وفي رواية اخرى:(وفروا)،و كلها تدل على ابقاء اللحية وتركها على حالتها، وقد اجمع ائمة المذاهب وفقهاء الإسلام على وجوب اعفاء اللحية، قال احد العلماء: إن من اصر على حلق اللحية واستحسنه وظن ان اللحية عار ومذلة وسخر باصحاب اللحى او استهزأ بهم لا يمكن ان يكون ايمانه سليماً، بل يجب عليه قطعاً ان يتوب الى الله ويجدد الايمان والنكاح، وعليه أن يحب صورة نبيه صلى الله عليه وسلم وان يختارها لنفسه ولجميع المسلمين.
إلا اننا في هذا العصر نرى مع الاسف تجافياً لتلك القيم واعراضاً عن روح الاسلام وآدابه بسبب ضعف الايمان والانخداع ببهرج الحياة في اوربا، وكثافة وسائل الغزو الفكري مما جعلنا نشعر بالاحباط، واصبحنا نقلد اعداءنا في كل شيء حتى اختفت سماتنا المميزة واصبح التمسك بالسنة يعتبره البعض تخلفاً ورجعية بل ان المتمسك بالسنة لايسلم من النقد اللاذع والسخرية احياناً، ولاسيّما نشاهد اليوم معظم قادة الامة من مفكرين وادباء وكتاب وعلماء، وهم المتوخى فيهم الاستقامة والخير والذين نفترض ان تلوح وجوههم بسيماء الصالحين لانهم القدوة ومحط انظار الامة، ولاشك ان مثل هؤلاء اعظم مسئولية عند الله من غيرهم وعقوبتهم اكبر لانهم يعصون الله على بصيرة انهم يتحملون اوزارهم واوزار كل من اقتدى بهم لإشاعتهم هذا المنكر.
قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه الوفاء باحوال المصطفى : عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيم اللحية اه.
وروى الترمذي في شمائله عن ابي هالة رضي الله عنه:(ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية), اذاً فالتأسي بمحمد صلى الله عليه وسلم فضيلة والاقتداء به يبعث على العزة والكرامة، والتمسك بسنته عنوان الاستقامة، والمسلمون حقا هم الذين يسيرون على نهج محمد صلى الله عليه وسلم واصحابه من حيث الهيئة والصورة والثقافة وشئون الحياة المتنوعة والعبادات الخاصة,.
ولا يخفى ان من ابرز مقومات شخصية المسلم عنايته بلحيته وبكل ما يدل على تمسكه بآداب الاسلام التي تميزه عن غير المسلمين، والتي تحتم على الآخرين احترامه وتوقيره لانه لاعزة لنا ولاكرامة الا بقدر تمسكنا باهداب ديننا الحنيف، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: نحن قوم اعزنا الله بالاسلام، ومتى طلبنا العز في غيره أذلنا الله.
|