الحمدلله أنار قلوب المؤمنين بنور الإيمان وجعل على قلوب العاصين أكنة بسبب العصيان وفي آذانهم ثقل عن سماع القرآن، أحمده سبحانه واشكره على ماهدانا ووفقنا، فإنه أهل الفضل والإحسان وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له الكريم المنان، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه، اضاء به الأكوان وجعل رسالته رحمة لكل إنسان اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله واصحابه، وجميع أتباعه في كل مكان وزمان.
أما بعد:
فياأيها الناس : اتقوا الله تعالى وأطيعوه وأنيبوا إليه وأسلموا له، فطوبى للمطيعين التائبين العابدين واحذروا مخالفة أمره ومعصيته فإنه أعد النار بمقتضى عدله وحكمته للمخالفين المعاندين ألا وان بطاعته سعادة الدنيا والآخرة ونور القلب والبصيرة والحياة عن الموت وعلو الهمة عن هبوطها}كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور { }أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها{ ألا وإن بمعصية الله كل ظلمة وغباوة وكل جهل وغمامة وكل عمى وندامة وكل هم وسآمة }ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا، قال كذلك اتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى{ وبالمعصية ظلمة يجدها العاصي في قلبه حقيقة يحس بها، كما يحس بظلمة الليل البهيم اذا ادلهم فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لايشعر، وان هذه الظلمة لتظهر في العين ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير فيه سوادا يراه كل الناس, قال عبدالله بن عباس :إن للحسنات ضياء في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق، وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق, ومن أضرار المعاصي أنها تضعف القلب لأن الطاعة حياته وموته وبفقد حياته يضعف ويموت كالغرس يفقد الماء ويضعف البدن لأن المؤمن يقوى بدنه بقوة قلبه لاستنارته عاقبة أمره والفاجر والكافر يفقد قوة بدنه أحوج مايكون إليه لعدم يقينه بمصيره، فما أقوى من أبدان فارس والروم ولكنهم عجزوا عن مقاومة المسلمين وخضعت أعناقهم ومن اضرار المعاصي حرمان الطاعة لو لم يكن للذنب عقوبة الا أن يصد عن طاعة تكون بدله ويقطع طريق طاعة أخرى, ومما ينشأ عن ترك الطاعة وارتكاب المعاصي تقصير العمر ومحق بركته وكما أن البر يزيد في العمر فالفجور ينقصه, قال* من أحب أن يطيل الله في عمره وينسأ في أجله فليصل رحمه فاتقوا الله أيها المسلمون وداوموا على طاعة الله سبحانه فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم}ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين{.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب، فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.
*عضو هيئة كبار العلماء.