الحوارات التي لا تنقطع بين المفكرين والاقتصاديين العرب في يومنا هذا تذكرني بأمس الدولة البيزنطية وبالذات بالجدل البيزنطي الذي مفاده أن مجموعة من القساوسة اجتمعوا لمناقشة عدد الملائكة الذين من الممكن ان يجلسوا على رأس دبوس ومازالوا مختلفين على رقم العدد من تلك الفترة إلى هذه اللحظة.
البعض قال ألف
والبعض الآخر قال ألفان
والبعض الثالث قال خمسون ألفاً
ومن الطبيعي جداً أنهم لن يصلوا إلى شيء غير عتبات العدم.
الارضية الممتدة من الماء إلى الماء والتي نقف عليها الآن هي بيزنطة القديمة.
أما الدبوس فهو مشاريعنا العربية التي نعرّضها دائما لعملية الاجهاض دون ان يرف لنا جفن، وإلا ماذا يعني لنا التبادل التجاري الذي يرفض الخروج من اطنان الورق؟
ماذا تعني لنا العلاقات الثقافية التي اشبعت دراسة وتنظيراً دون ان تتحقق على ارض الواقع؟
ماذا يعني الهم السياسي الذي حولنا إلى قبائل متنازعة أكثر من كوننا دولاً لها كياناتها الخاصة؟
ماذا تعني حالة التشرذم التي نعيشها؟
مشكلتنا الاساسية أننا كمثقفين عرب لا نتفق على اي شيء حتى في المستويات الدنيا او الخطوط العريضة لمشروع ما سواء في القضايا الثقافية او السياسية او الاقتصادية، وإن اتفقنا في أحد مؤتمراتنا الكثيرة على برنامج الحد الأدنى فإننا مباشرة بعد عودتنا الى ديارنا نقوم بخرق الاتفاق دون الرجوع إلى الطرف الذي اتفقنا معه.
وربطي مشكلة المثقفين العرب بأولئك القساوسة ووضعهما في سياق واحد جاء نتيجة لاشتراك المجموعتين في نفس وجهة النظر ونفس الرؤية ونفس عملية الجدل الدائرة منذ بدايات النهضة العربية.
في الوقت الذي كنا فيه نملك في كل بلد عربي مفكر او اكثر بتنا الآن نبحث عن رائحة مفكر.
وفي الوقت الذي كانت فيه فلسفتنا العربية تمثل التراث الانساني الانصع مستفيدة من تراث الفلسفة اليونانية والرومانية اصبحت الفلسفة ابعد من المجرة.
وفي الوقت الذي كانت تترجم فيه نظرياتنا العلمية في الرياضيات والفلك والطب والهندسة والكيمياء وغيرها اصبحت كل علومنا مستوردة من الدول الأوروبية, هل نقول إن أذهاننا التي تعوّدت على الاستهلاك ما عادت قادرة على الانتاج؟
هل نقول إن عقولنا وصلت إلى مرحلة التبلّد بحيث إننا لا نستطيع ان نطرح نظرية ذات شأن في الفكر او الفن او الأدب؟
هل الاحلام التي عشنا نتداولها اكثر من تنفس هواء الرئتين كلها تحطمت، كما يقال دائما، على ارض الواقع، وما هو هذا الواقع؟ هل هو التركيبة النفسية الغريبة التي تحتل كيان المثقفين؟ أم أن هذا الواقع هو شيء آخر لم نستطع التعرّف عليه حتى هذه اللحظة؟
المثقفون الذين يواصلون الجدل البيزنطي اكثر من الهم على القلب، هل هناك طريقة لابعادهم عن هذا الجدل القاتل؟
بحثت طويلا طويلا ,,لم أجد غير التخلّص من الدبوس.
|