مع التربويين,,, مسئولية رجل التربية والتعليم بقلم: د, عبد الحليم إبراهيم العبد اللطيف |
تفتح المدارس أبوابها ويُبذل المستطاع في إعدادها وتجهيزها ويواصل المسئولون والخيرون بوجه عام جهدهم وجدهم وتتوالى الزيارات والمتابعات من قبل المشرفين والمسئولين عموما، وتتلاحق النشرات والتعاميم المعتادة في مثل هذا الوقت من كل عام دراسي وهذا كله جيد ومفيد ولكن لب اللباب وأسّ العملية التعليمية هو المدرس حيث انه عند اصحاب الشأن يحتل مكانة رئيسية وعالية اقتداءً بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم معلم هذه الأمة حيث قال( إنما بعثت معلماً) ولذلك أوجب المربون المسلمون ان يؤخذ العلم من معلم لا من كتاب لأسباب عديدة يطول بحثها وسموا من يأخذ العلم من كتاب باسماء كثيرة ليست مناسبة ولم يعولوا عليه كثيرا وإذا رأوا من يتخبط في معلوماته كحال بعض رجال العصر قالوا فلان لا شيخ له، إذاً فالشيخ او المعلم يهدي الى سواء السبيل بإذن الله ويربط المسمار كثيرا وهذا اللون من المعلمين الذي نريده وتريده التربية الحقة صاحب مسئولية عظيمة فهو راع ومؤتمن (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته) ولعل من أخطر المسئوليات تلك التي تناط بعهدة المربي وهي مسئولية يتحمل المربي تبعاتها وواجباتها امام الله، ولذلك يجب عليه ان يراعي رضا ربه وذلك بأداء الواجب الذي هو أمانة ومسئولية ثقيلة وعظيمة، ان المدرس الكفء الذي يريده التربويون هو ذلك الرجل الفذ الذي يستحضر عظمة الله وحسابه ووقوفه بين يديه يستحضر عرصات ومشاهد القيامه ودقة الحساب وهو ذلك الرجل المدرك الذي يستحضر ايضا عظم المسئولية وكبر الأمانة وضخامة الواجب، يتميز عن غيره ببعد النظر وعلو الهمة وكبر النفس وسعة الأفق وحسن الخلق والكرم والسماحة وطيب المعشر ولين الجانب وصفاء السر والسريرة واساس ذلك كله التقوى والتحلي بصفات أهل الايمان والكمال والتقوى أمرها عظيم فهي تنير القلب وتفتح المدارك (ومن يتق الله يجعل له مخرجا) (ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا) ولابد للمعلم من الإخلاص والتوجه الكامل الى الله في عمله مع صلاح نيته ثم التزود قبل الدخول في العمل التربوي من العلم النافع الذي يتبعه غالباً العمل الصالح المصلح قال العلماء انه هو المقصود الأعظم من البصيرة في قوله تعالى (قل هذه سبيلي أدعو الى الله على بصيرة) فالبصيرة تجمع العلم والحكمة والطريقة التربوية المثلى حيث العلم وحده بدون طريقة تربوية معترف بها لايكفي ولذا قال التربويون وأجادوا، فلان تربوي، وفلان غير ذلك وياترى هل عقلنا نحن التربويين كلام البخاري رحمه الله في ترجمته في صحيحه حيث قال باب العلم قبل القول والعمل حيث استدل بقول الحق جل وعلا (فاعلم انه لا اله الا الله واستغفر لذنبك)، قال رحمه الله فبدأ ابالعلم قبل القول والعمل، حقاً ان البخاري مع علمه وفقهه وفهمه تربوي مجيد حيث الخلل الحاصل داخل صفوف الطلب آتٍ من إحدى جهتين، إما قلة العلم، وإما الجهل بالطرق التربوية وما أكثرها، ومن صفات المعلم الكفء التواضع ولين الجانب وطيب المعشر، وهذا لازم للمعلمين حيث أن من طبيعة البشر انهم لايقبلون على من لايتواضع لهم ولو كان عالما او مدركاً اومدرساً مجيداً، حيث الكبر والاستعلاء سبب بين للكره والابتعاد ، كذلك مما يعاب على المدرس الأنانية وحب الذات والحديث المكرور او الذي لا فائدة منه واقبح من ذلك سباب الزملاء والرؤساء ومن لهم ولاية وكذلك الحديث الفارغ عن النفس والمديح لها ومما يجمل بالمدرس الأناة والحلم وعدم الغضب وكظم الغيظ والعفو والصفح والتجمل قدر المستطاع، إن النزوع والرجوع الى العقل والحكمة عند ثورة الغضب لهي مما يجمل بالمعلم المقتدر، ويخطىء كثيرا من يظن ان الحلم والصفح وكظم الغيظ عجز وجبن.
قال سعيد بن عبد الرحمن الزبيدي، يعجبني من القراء، ويريد بذلك العلماء عامة ومنهم بلاشك المعلمون يقول يعجبني كلٌ سهل طلق مضحاك، فأما من تلقاه ببشر ويلقاك بغرس يمن عليك بعلمه فلا كثر الله في الناس امثال هؤلاء، والمعلم الأول صلوات الله وسلامه عليه كان أحسن الناس خلقاً واحسنهم خلقا وكان حريصاً على جمال مظهره فكان نظيفاً عطراً انيقاً ولا عجب ولا غرابة في ذلك فمظهر الرسول صلى الله عليه وسلم مطابق لقوله وهو القائل (ان من خياركم احسنكم اخلاقا) وكان يحث اصحابه دوماً وهم اساتذة الناس من بعده يحثهم على التزام السمت الصالح والاعتدال في كل شيء فكان يقول لهم كما رواه ابوداود (ان الهدي الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة، والطلبة في صفوفهم احوج مايكونون الى دقة المدرس وحساسيته فالدرس يفرض عليه الدقة وطول التأمل قبل واثناء الحصة والوقوف عند كل كلمة وكل طالب احيانا لرضا الضعيف تربوياً أمير الركب إذاً الوقوف عند كل كلمة واحياناً كل حرف بطول بال وسعة أفقٍ والمدرس المسلم يرى في كل وقفة من هذه إشارات ومعارف وعلوم الهية تلتمع أنوارها في صدر المعلم المسلم فإذا به ينشرح ويتسع ويغتبط ويفرح بفضل الله (فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) ومن هنا يجب ان ننبه ان الحصة احوج ماتكون الى فتح مغاليق القلوب بالاشياء التربوية المسلم بها التي تحرك القلب الجامد والفكر الهامد والشارد وتخاطب الوجدان، فإذا أفسحت لك ايها المعلم المواضيع او النصوص بين كلماتها ومعانيها وشفت لك عما وراء سطورها فاستخرج ماتشاء من المعاني ثم رتبها واربط بعضها ببعض ثم وسع دائرة الحديث على قدر المقام بلاغيا وتربويا وسع هذه الدائرة بما يتصل بالموضوع من غير إملال ولا تكرار معيب وصل ذلك كله قدر الطاقة بحوادث الحياة وواقعها العملي والمدرس الكفء لديه القدرة والدراية والمهارة في التأثير الجيد في نفوس طلابه، كما ان لديه المعرفة التامة في انشاء صلات روحيه وأبويه متينة بينه وبين طلابه صلات تعارفيه عملية فيكونون معه غالبا على مايريد،والمدرس المقتدر يهيىء طلابه تهيئة هو صاحب المكانة الأولى فيها بذوقه ولباقته وتجاربه وحسن عرضه لبضاعته والمدرس الجاد يمكنه ويتسنى له الكثير من هذه الاشياء التي تنبه الذهن وتقوي العزيمة وتنشط طلابه وتحفزهم لزيادة الجد والتحصيل وتمهد الطريق لما بعد حصته من حصص اخرى اذا هو احسن فهم مادته واحاط ببعض اشاراتها ورموزها ومراميها والمدرس المدرك يحترم نفسه ومادته ومسئوليته وامانته ويقدر رسالته التي هي رسالة انبياء وان يعرف بدقة ماسيقول لابد ان يعد لموقفه هذا الاعداد الجيد، بعد الاخطار والخواطر المناسبة وان يجيلها في ذهنه أكثر من مرة، ويقف المدرس الكفء رابط الجأش ثابت الخطو والنظرات مالكاً لزمام نفسه وزمام موضوعه مستنداً بعد الله الى ما أعد من مادة جيدة مرتبة ومهذبة ومتقنة, واذا فتح الله عليه بعد ذلك معاني ومفاهيم ومعارف وقدرات جديدة فبها ونعمت وإلا فحسبه ما اعد وما جود وما رتب بدقة وبعد ايها الزميل العزيز التعليم رسالة وأي رسالة وهذه الرسالة السامية لايؤدي صاحبها مهمة ولايحقق هدفاً ولا غاية إلا اذا كان يتمتع بموهبة اصيلة ونية صالحة وصادقة وتجارب سابقة ومادة غزيرة وطريقة جيدة، خبر المهنة وعرف اصولها وفروعها وبدون هذا يكون العمل ناقصا وقاصراً ويكون العمل غير مرتب وغير مفيد وقد يُمل لتفاهته وعدم جدواه وكثرة خطئه وتخبطه وعشوائية وكثرة اضطرابه وكثيرا ما رأينا مدرسين تخونهم المادة وتعوزهم الطريقة الجيدة وتضطرب ملكاتهم فينتقل وبدون داع ولا مقدمة من موضوع الى اخر ثم يستطرد كثيرا وبدون ضابط ولا رابط ثم ينسى كلامه وموضوعه الأول اذا مهمته الا يسكت فقط فمن يرضى لنفسه بمثل هذا؟ إذا هل المعلم بصدد رسالة ذات اهداف نقول نعم،هل اصاب اهدافه ام لا وهل حقق المهمة التي يدور حولها الكلام اذاً ليست ستر موقفه وسكت، المسألة إذا ليست ستراً الموقف والخروج من الضيق والحرج واتقاء الهرج والمرج انما المسألة مسألة علم وإفادة وقيام بالواجب العظيم إذاً ليست مهمة المدرس المقتدر ستر موقفه والتمويه على المسئولين والطلاب واولياء امورهم، بل هو بلاشك صاحب مادة وطريقة راشدة تتصل باعماق خفايا الفطرة الحية النقية فطرة الإنسان السوية، يجب ان تكون حصتك خلاصة علمك وفكرك وتجاربك باعتبارك احد الذين ينفعلون بعواقب الرشد والغي وبهذا تكون اديت الرسالة وحملت الامانة وقمت بالواجب، وستجد ان كلامك بحول الله قدملأ المكان وسيطر على العقول ودخل البيوت لأن الحياة تولت حمله، هذا ولقد كره رسول الله صلى الله عليه وسلم الثرثارين والمتفيقهين، والذين يخاطبون الناس بما لايفهون او مالايريدون سماعه لاسباب كثيرة وكان صلى الله عليه وسلم المثل الاعلى والانموذج الأمثل في مخاطبة الناس وإيصال الخير الى نفوسهم، وكان احيانا يعدل ويغير في لهجته الاصلية ليخاطب اصناف الناس ووفود القبائل بما يفهمون من لهجات، والمدرس الذي لايجيد مثل هذا ولايعقل ويحمل اقوال وافعال التربويين رجل مغلق لايصلح لهذا العمل النبيل والخطير في آن واحد والمدرس أحوج مايكون الى القول اللين والكلام الهادي والنفس الرضية الوديعة هذا والله الهادي والمعين.
|
|
|