الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين وبعد.
فإن الامن مطلب عظيم وضرورة ملحة لا يمكن ان تعيش أمة بدونه سواء كان فكرياً او عقدياً او مادياً او اجتماعياً وطلب توفيره مقدم على اشياء كثيرة حتى الرزق من مطعم ومشرب ولذلك فان نبي الله ابراهيم عليه السلام عندما وضع اهله في مكة وتركهم قال: (رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق اهله من الثمرات) فمن التصور ان يعيش الانسان جائعاً قليل ذات اليد اذا كان آمنا لكن لا يمكن ان يقر ويستقر وان كان عنده الأموال العظيمة اذا كان خائفاً، ومن هنا جاء الاسلام بعقيدته الصحيحة واحكامه وحدوده العادلة ومبادئه السامية ومنهجه القويم من اجل الحفاظ على النفس والعقل والدين والعرض والمال والأوطان بل وحفظ الكماليات والتحسينات واقامة العدل بين الناس الأمر الذي معه يشيع الأمن ويتحقق الأمان، وتوجد الطمأنينة والاستقرار ويتمتع الناس برغد العيش فيتحقق بذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم (من اصبح معافى في بدنه آمناً في سربه، واجداً قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
يقول احد الباحثين: ان المصنف لا يعوزه اقامة الدليل على ان الحدود تكفل الأمن، وتحقق الاستقرار للمجتمعات التي تقيمها، وتحكم بمقتضاها وذلك ان التجربة خير شاهد واعدل بينة على ذلك، فالصدر الاسلامي الأول في عصر النبوة والخلفاء الراشدين وحينما كان الاسلام غضاً وحدود الله نافذة فيه يحكم بها النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من الخلفاء الراشدين كان المجتمع في عهدهم يعتبر مثالياً في جميع نواحي حياته قوياًمرهوباً متحداً متماسكاً متعاوناً على قدر عظيم من الأخلاق وقد انعدمت فيه الجريمة او كادت فقلما يروي التاريخ ان احداً ارتكب جريمة وافلت من عقابها بل كثيراً ما روى التاريخ ان بعض من كان يقترف الجريمة يسعى بنفسه الى الحكم طالباً اقامة الحد عليه لتطهره من ذنبه، وذلك لأن قوة ايمانه ايقظت فيه ضميره بعد ان غلبه الشيطان فطلب النجاة من عذاب الآخرة بتوبته الى الله تعالى وفضل ان يناله عذاب الدنيا ليخرج منها طاهراً وما حديث ماعز بن مالك رضي الله عنه بخفي فهو من الشهرة بحيث لا ينكر ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب ممن جنى على نفسه جرماً فستره الله عليه الا يكشف ستره ولا يخبر عن جرمه وان التوبة الى الله تعالى تسعه.
كذلك حديث ابي محجن الثقفي الذي كان مدمناً للخمر وكلما شرب طلب اقامة الحد عليه فلما علم انه لا يقام عليه حد الشرب اذا شرب قال: (والله لا اقربها فاني كنت اشربها حينما كنت اعلم انكم ستطهرونني منها).
وفي العصر الحاضر كانت المملكة العربية السعودية اسبق الدول في تطبيق الشريعة الاسلامية عقيدة وشريعة واخلاقاً واقامة حدودها والحكم على مقتضاها وما كان ينبغي ان يسبقها غيرها الى ذلك وهي بلاد الحرمين الشريفين التي شع منها نور الاسلام وشاع ضوؤه فعم جميع الأنام فلما قامت بذلك الأمر العظيم الذي سيذكره لها الاسلام بكل إعزاز واكبار نجحت نجاحاً منقطع النظير في القضاء على الاجرام وحفظ الامن والنظام.
ولا يزال الناس يذكرون كيف كان الأمن مختلاً في الحجاز قبل عهد الحكم السعودي، بل كيف كان الحجاز مضرب الامثال في كثرة الجرائم وشناعة الاجرام، فقد كان المسافر فيه كالمقيم لا يأمن على ماله ولا على نفسه في بدو اوحضر في نهار او ليل، وكذلك الحال بالنسبة لجميع انحاء الجزيرة، شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً حتى ان الدول كانت ترسل مع رعاياها من الحجاج قوة مسلحة لتأمين سلامتهم ورد الاعتداء عنهم وما كانت هذه القوات الخاصة ولا غيرها بقادرة على ضمان الأمن وكبح جماح العصابات ومنعها من سلب الحجاج فضلاً عن غيرهم.
فظل حماة الأمن في ذلك العهد السالف عاجزين عن حماية الجمهور حتى طبقت الشريعة الاسلامية فانقلبت الحال بين يوم وليلة وساد الأمن بلاد الحجاز وغيرها وانتشرت الطمأنينة بين المقيمين والمسافرين وانتهى عهد الخطف والنهب وقطع الطريق واصبحت الجرائم القديمة اخباراً تروى، فلا يكاد يصدقها من لم يعاصرها او يشاهدها وبعد ان كان الناس يسمعون اشنع الاخبار عن الجرائم اصبحوا يسمعون اعجب الاخبار عن استتباب الامن والنظام فهذا يفقد كيس نقوده في الطريق العام فلا يكاد يذهب الى جهات الأمن ليبلغ حتى يجد كيسه كما فقد منه معروضاً للتعرف عليه.
والآخر يسافر من شرق البلاد الى غربها او من شمالها الى جنوبها ومعه اهله وماله ويقف في أي مكان او اي زمان ليلاً أو نهاراً، من اجل ان ينام او يرتاح او يتنزه لا يخاف الا الله.
فبعد ان كان الأمن يعجز عن حفظه قوات عسكرية عظيمة من الداخل والخارج اصبح - بفضل الله - محفوظاً بعدد قليل من رجال الأمن وهذا اكبر دليل على ان النظام الاسلامي في محاربة الجرائم يؤدي عملياً الى قطع دابرها والقضاء عليها وانه النظام الذي يبحث عنه الجميع ويتمناه كل فرد من العالم.
وقد اعترفت كل الدول - بعد الحرب العالمية الثانية - ان تطبيق عقوبة الجلد على جرائم التموين والتسعير، وبعض الجرائم الأخرى يكفل حمل الجماهير وجبرهم على طاعة القانون وحفظ النظام، وان كل عقوبات القوانين الوضعية لا تغني عن عقوبة الجلد شيئاً في هذا الباب.
وهذا الاعتراف العالمي هو في الوقت نفسه اعتراف بنجاح الشريعة الاسلامية في محاربة الجريمة بشتى انواعها لان عقوبة الجلد هي احدى عقوبات الحدود في الشريعة الاسلامية أ,ه.
وهذا كله يدل على ان قوة المسلمين انما هي في تمسكهم بدينهم المتمثل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وما كان عليه السلف الصالح وان صنعهم يكون بقدر ابتعادهم عنه وذلك مصدقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابداً كتاب الله وسنتي).
ان بلادنا تعتبر في مقياس البلدان الأخرى قارة متسعة، متباينة الأجناس، مختلفة الأحوال، متنوعة التضاريس، وبفضل من الله العلي القدير ثم بما قام به الملك عبد العزيز وابناؤه من بعده من حمل راية التوحيد وتطبيق احكام الشريعة اصبحت كأنها قرية صغيرة اهلها متعاونون متحابون متآلفون لا يستطيع احد ان يؤثر عليهم، او ان يدخل بينهم مع تمتعهم بالأمن والاستقرار والطمأنينة ورغد العيش وستظل على ذلك ما دام رائدها الاحترام والتقدير المتبادلين بين الراعي والرعية.
وها نحن اليوم نرى تطبيق احكام الله في المجرمين والمخالفين واقعاً حياً يشهده القاصي والداني ويشهد به العدو قبل الصديق فنسر وتقر اعيننا بذلك ونذكر ذلك فنشكره ونسأل الله ان يثبته ويقره وان ينصر ويعز القائمين عليه، وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين اللذين لا يألوان جهدا في بذل كل ما يستطاع من امكانات مادية ومعنوية في سبيل تحقيق الامن والاستقرار والرقي والتقدم لبلادنا الغالية.
اللهم وفقنا لما تحبه وترضاه، واحفظ علينا ديننا وامننا وولاة امرنا وامتنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د, سليمان بن عبد الله أبا الخيل
وكيل جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية