Friday 3rd September, 1999 G No. 9836جريدة الجزيرة الجمعة 23 ,جمادى الاولى 1420 العدد 9836


الطفل الخوّاف من المدرسة
رؤى نفسية وتربوية للوالدين والمعلمين والمرشدين
اعداد المرشد الطلابي : علي بن أحمد بن مرشد المسلم *

الطفل الخوّاف من المدرسة
مع إطلالة العام الدراسي الجديد وبزوغ فجر أول أيامه تحتضن مدارسنا براعم صغيرة تمثل فلذات أكبادنا من الأطفال المستجدين في الصف الأول الابتدائي وهم يستعدون لخوض غمار تجربة جديدة في حياتهم، وفراق البيئة التي تلقفتهم بالعطف والحنان والرعاية منذ ولادتهم.
وبين التأهب لخوض هذه التجربة، والاستعداد لفراق البيئة التي ألفوها تمتزج مشاعر الفرح والخوف والحب والكراهية في صدور براعمنا الصغيرة تجاه المدرسة التي يسعون إليها بخطى مترددة يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى.
تلك المدرسة التي سمعوا عنها الكثير وطالما حلموا برؤيتها، ولكن عندما يتحقق ذلك الحلم وتدلف أرجلهم أسوار المدرسة ويشرعون في خوض تجربتهم الجديدة وتتغير عليهم الوجوه والبقاع، وتقترب ساعة الصفر، وتحين لحظة الفراق ويودع الوالد فلذة كبده وتحتضن المدرسة الأمانة ونواة المستقبل تبدأ معدلات الخوف والرهبة والانطواء والرجاء في اطراد الصعود إلى أعلى الدرجات لدى بعض التلاميذ بحسب البيئة التي عاش فيها وأسلوب التربية الذي تلقاه خلال سنوات عمره الست.
وعليه فإن مشكلة (الطفل الخواف من المدرسة) تعتبر أولى المشاكل التي تواجه المدارس الابتدائية وخصوصا في مطلع العام الدراسي مما يستلزم الاستعداد المسبق والمعد إعدادا جيدا وتوفير برامج وقائية وعلاجية وإنمائية مناسبة لتفادي وقوع هذه المشكلة, خصوصا وأن مرحلة الطفولة مرحلة حساسة تمثل حجر الأساس في تكوين شخصية الفرد وتكوين سلوكه كما أشار إلى ذلك أحد علماء النفس المشهورين حينما قال: خبرات الطفولة المبكرة تؤثر في سلوك الفرد اللاحق ولأن الخوف من المدرسة يمثل عقبة في مشوار التلميذ التعليمي وبالتالي في شخصيته فإنني سوف أتناول هذه المشكلة بشيء من التفصيل فأقول مستعينا بالله تعالى:
إن الخوف من المدرسة حالة تصيب - غالبا - التلميذ المستجد في الصف الأول الابتدائي خصوصا إذا لم يسبق له الالتحاق بمرحلتي الروضة والتمهيدي.
وغالبا ما تكون هذه المشكلة في المرحلة العمرية ما بين (5-7) وقد تستمر إلى سن العاشرة، وسوف نتناول من خلال الأسطر التالية دراسة هذه الحالة من خلال المحاور الآتية:
أولا: أعراض الخوف من المدرسة
تمر أعراض هذه المشكلة بثلاث مراحل:
- في البيت.
- أثناء الذهاب إلى المدرسة.
- عند دخول المدرسة أو الفصل.
وتتسم أعراض هذه الحالة بالقلق والخوف المصحوب بالبكاء والتمنع الشديد من الذهاب إلى المدرسة وشحوب اللون وتصبب العرق، وبرودة الأطراف، وقد يدعي الطفل الشعور بالصداع وآلاماً في البطن، بل قد يتعدى الأمر إلى التقيؤ والإسهال والتبول والغثيان وتزداد هذه الأعراض حدة وتوترا كلما انتقل التلميذ من مرحلة إلى المرحلة التي تليها من المراحل الآنفة الذكر وقد يقلق بعض الآباء عند رؤيته لابنه وهو على هذه الحالة مما يجعله يبادر به إلى أقرب طبيب معتقدا أن هذه الأعراض دلائل على وجود مرض عضوي يعاني منه وهذا خلاف الصحيح إذ إن هذه الأعراض الجسمية غالبا ليس لها سبب عضوي بدليل أنها تزول بمجرد عودة الطفل إلى البيت.
ومن الأعراض أيضا ما لوحظ على بعضهم من الانطواء عن زملائه وعدم قدرته على التكيف الاجتماعي في محيط المدرسة، وفقد الثقة في نفسه وشعوره بعدم قدرته على تحمل المسؤولية وشدة تعلقه بوالديه.
ثانيا: أسباب الخوف من المدرسة
يكتسب الطفل الخوف من المدرسة من خلال اسلوب التنشئة الاجتماعية التي يتلقاها سواءً في البيت او المدرسة او من خلال الإعلام المرئي أو أي مؤثر آخر كالظروف الطارئة التي تحدث في الأسرة أو المجتمع المدرسي.
وعليه فإن المختصين يرجعون نشوء هذه الحالة الى الاسباب الآتية:
1- التدليل والعناية المفرطة:
فقد يمنح الآباء والامهات الطفل خلال سني عمره الاولى (2-6) سنوات - وهو ما يسمى بمرحلة الطفولة المبكرة عند علماء نفس النمو - جوا من العناية والحماية الزائدة ويحيطانه بهالة من المتابعة الدقيقة والخوف الزائد والدلال المفرط بشكل يجعله يفقد الثقة في نفسه ولا يستطيع ان يتكيف مع بيئة اخرى غير مجتمع اسرته وذلك بسبب المعاملة الوالدية الخاطئة في تنشئته.
2- المولود الجديد:
قد يصادف التحاق الطفل بالمدرسة قدوم مولود جديد لديه الغيرة التي تجعله يتشبث بالبيت ويكره الذهاب للمدرسة التي تحرمه منافسة اخيه من حنان امه وعنايتها, وقد يزيد من ذلك العناية والاهتمام الذي يوليه الوالدان للمولود الجديد.
3- رد الفعل تجاه موقف سابق:
وقد يعود السبب الى رد فعل عكسي تجاه موقف سابق مثل غياب احد والديه فجأة بسبب سفر او مرض مما يجعله يعتقد ان ذهابه للمدرسة سوف يفقده احد والديه.
4- المواقف الطارئة داخل المدرسة:
قد يتعرض الطفل لمواقف طارئة وخبرات قاسية ومؤلمة سواء كانت من التلاميذ الذين يكبرونه سنا او من معلميه مثل الضرب والتخويف والصراخ في وجهه بشكل ينعكس على نفسية الطفل فيولد لديه الخوف من المدرسة وكراهيتها.
5- الخلافات الزوجية:
شعور الطفل بأن هناك مشاجرات وخلافات بين والديه يجعله منزعجا وخائفا اذا ترك البيت وذهب للمدرسة معتقدا ان مصيبة قد تلحق بالأم او الاب او ان مكروها قد يلحق به نتيجة بعده عن والديه.
6- التحاقه بالمدرسة قبل سن السادسة:
ان من شأن التحاق الطفل بالمدرسة قبل ان يتوفر لديه العمر الزمني المناسب (6 سنوات) والنضج الجسمي والفكري الملائم والنمو الحركي والادراكي والعقلي والانفعالي واللغوي والاجتماعي المتوافق مع المرحلة التي سيلتحق بها - ان من شأن ذلك - ان يؤدي الى عدم قدرته على التكيف مع مجتمع المدرسة وبالتالي نفوره منها والتسبب في حدوث مشكلات مثل: الاتكالية والخجل والانطواء وغيرها.
7- عدم توفر الكوادر المؤهلة للتعامل مع هذه الفئة:
لوحظ من خلال العمل الميداني ان عدم ادراك بعض المديرين والمعلمين والمرشدين لخصائص التلاميذ المستجدين الجسمية والعقلية والانفعالية والاجتماعية اسهم بشكل كبير في عدم تقبل هذه الفئة من التلاميذ للبيئة التربوية الجديدة.
فكم رأينا بعض مديري المدارس من يضرب التلميذ المستجد ضربا مبرحا لانه يرفض الدخول للمدرسة او الفصل.
ولقد رأيت احد الملاحظين اثناء الفسحة وهو يصرخ بأعلى صوته في أحد ممرات المدرسة - وقد أوتي صوتا كزئير الاسد - فما كان من التلميذ المستجد الا ان تبول على نفسه خوفا وهلعا.
ورأيت معلما هدد تلميذا مستجدا إن لم يحلق رأسه ليضربنه فما كان من التلميذ الا ان تغيب عن الحضور خوفا من العقاب.
ولقد مررت بأحد فصول الصف الاول الابتدائي ولفت نظري صراخ المعلم وصوته المرتفع اثناء شرحه لمادته وتلاميذه في حالة ذهول وعدم تقبل.
8- عدم التمهيد والتوطئة قبل دخول التلميذ المدرسة:
فبعض الاولياء يعمد الى وضع ابنه امام تجربته التربوية الجديدة دون تقديم او تمهيد فيفاجأ التلميذ بخبرات جديدة عليه ليس لديه اي معلومة عنها فيكون الرد هنا: الرفض وعدم القبول للمدرسة ويدخل في هذا ايضا عدم تطبيق بعض المدارس لبرنامج الاسبوع التمهيدي المقرر من وزارة المعارف او تطبيقه بصورة مخلة ومهزوزة وغير محققة للأهداف المرجوة منه.
ثالثاً: علاج الخوف من المدرسة
بما ان الخوف من المدرسة سلوك مكتسب يتلقاه التلميذ من خلال تنشئته تنشئة خاطئة فكذلك الامر ايضا بالنسبة لحبه اياها فبالامكان ان نكسبه حب المدرسة من خلال تنشئته تنشئة صحيحة تكون لديه نظرة ايجابية تجاه المدرسة فينقلب عندئذ الخوف من المدرسة امنا وطمأنينة وحبا لها.
وتشترك الاسرة والمدرسة في علاج هذه الحالة على النحو الآتي:
1 - محاولة اكتشاف الحالة في وقت مبكر: لان ذلك يساعد في علاجها بسرعة كما ان تأخر اكتشافها وعلاجها يزيد من تعقد المشكلة وتعمقها.
2 - التخلي عن الحماية المفرطة الممنوحة للطفل تدريجيا وتنشئته على الاعتماد على نفسه ومواجهة الاخرين والتعامل معهم وتشجيعه على الاختلاط بأصدقائه.
3 - سلوك مبدأ الحوار مع الطفل من حيث تقبل مشكلته والاسباب التي يبديها ويبرر بها رفضه للمدرسة والاصغاء اليها جيدا والاجابة عليها باسلوب منطقي يتناسب مع قدرات الطفل.
4 - التخفيف التدريجي لمشاعر الخوف والرهبة المتعمقة في نفس الطفل الخواف من خلال تطبيق خطوات برنامج معين يدار باسلوب تربوي ناجح يبعث في نفسه الطمأنينة والالفة ويراعى في هذا البرنامج مرونة تطبيقة في البيت والمدرسة.
5 - اعطاء الطفل الوقت الكافي لكي يعدل سلوكه وعدم استباق الزمن لمعرفة النتائج على حساب مصلحة الطفل وان يتحلى التربوي المسؤول او ولي الامر بالحلم والاناة حتى ولو ادى ذلك الى التخلف عن بعض الدروس في سبيل اكسابه محبة المدرسة ويمكن تعويضه الدروس التي فاتته بتدريسه في البيت.
6 - في حالة قدوم مولود جديد يجب ان يراعي الوالدان نفسية ابنهما الاول وان يستمرا في منحه الرعاية والاهتمام وألا يصرفا جلّ وقتهما للمولود الجديد لئلا يبعث ذلك في نفسه الغيرة منه ويتباطأ عن الذهاب الى المدرسة.
7 - عمل لوحة النجوم في المدرسة والمنزل وهي عبارة عن لوحة مجدولة موضح فيها الايام الدراسية وتحت كل يوم عدة حقول وتوضع نجمة لاصقة او مخطوطة عند الايام التي يحضر فيها الطفل للمدرسة ومكافأته على ذلك وياحبذا لو قام الطفل نفسه بوضع النجمة حفزا له على منافسة اقرانه وحصد النجوم وتشجيعا له على الحضور لليوم التالي لتكرار العملية.
8 - اثارة حب المدرسة في نفس التلميذ عن طريق الاشياء المحببة اليه مثل اللعب، ادوات الترفيه المختلفة، الحلويات، الخ,, وخصوصا خلال الاسبوع الاول.
9 - تمييز الطفل الخواف عن اقرانه في المدرسة مثل ان يكون عريفا للفصل او قائدا للفريق الرياضي ليشعر بالمسؤولية وتتجدد الثقة في نفسه.
10 - يمكن علاج حالة الطفل الخواف عن طريق اقترانه بطفل اخر يكون محبا للمدرسة ومتفاعلا مع بيئتها لكي يكتسب حب المدرسة منه عن طريق التشريط العكسي.
11 - التعليم عن طريق اللعب والترفيه اسلوب فعال في تحبيب التلميذ الخواف للمدرسة علاوة على انه يناسب هذه المرحلة العمرية التي تتسم بالحركة وحب الترفيه واللعب بالاشياء والمعلم الذكي هو الذي يستطيع ان يوظف هذه الميول في خدمة الاهداف التربوية المنشودة.
12 - عقد لقاء مع اولياء امور التلاميذ الذين لديهم سوء تكيف مع المدرسة ورسم البرامج العلاجية المناسبة لمثل هذه الحالات.
رابعاً: تنبيهات مهمة
1 - توعية الطلاب في الصفوف العليا بضرورة حسن التعامل مع التلاميذ المستجدين تحسبا لاي موقف طارىء قد يولد خبرة سيئة في نفوس التلاميذ المستجدين مع ملاحظة ضرورة تمييز التلاميذ المستجدين بعلامات يعرفون بها مثل بطاقة توضع على الصدر او شريط ملون.
2 التحذير من الاستسلام لرفض التلميذ للمدرسة وإشعاره بالجد والحزم في العودة للمدرسة.
3 قد يؤدي نقل التلميذ لمدرسة اخرى الى تعقيد المشكلة إذ من الصعوبة التكهن بأنه سيتكيف مع مجتمع المدرسة الجديدة ولا بد من استشارة ولي أمر التلميذ لمدير المدرسة والمرشد الطلابي قبل الاقدام على هذه الخطوة.
4 لا بد من مراعاة الانسحاب التدريجي خصوصا الأسبوع الأول عند اصطحاب الوالد لابنه الى داخل المدرسة وعدم تعويده على البقاء معه طيلة اليوم.
5 لا بد من التزام أولياء الأمور بمواعيد الانصراف بانتظام لئلا ينعكس ذلك سلبا على التلميذ ويورث عنده الخوف من عدم عودة والده.
خامسا: الارشادات الوقائية
يمكن ان نستخلص مما سبق بعض الإرشادات الوقائية مثل:
1 عمل محاضرات توعوية لأولياء الأمور قبل بداية العام الدراسي تتبناها ادارات التعليم في كل منطقة يقصد منها رفع مستوى الوعي بأهمية هذه الفئة من التلاميذ وطرق التعامل معهم وكيفية تهيئتهم للمدرسة وتعديل طرائق المعاملة الوالدية الخاطئة تجاههم.
2 عمل دورات تنشيطية لمعلمي الصف الأول الابتدائي مع مطلع كل عام دراسي تعني بتوعيتهم بمراحل النمو المختلفة للتلاميذ وسمات كل مرحلة وكيفية التعامل معها والعمل على إبعاد اي معلم لا يجيد التعامل مع هذه الفئة من التلاميذ.
3 تدريس مادة علم النفس التربوي ومادة علم نفس النمو (التطوري) في المراحل الجامعية بحيث تعتبر مادة إلزامية لمن يرغب الالتحاق باحدى الوظائف التعليمية.
4 وضع برنامج تربوي عملي فعال لاستقبال التلاميذ المستجدين في الأسبوع الأول من العام الدراسي ويشرف عليه المشرف المتابع للمدرسة ومشرف التوجيه والارشاد إشرافا مباشرا وتدوين الملاحظات عليه والبعد عن النمطية والتكرارية في خطوات برنامج الأسبوع التمهيدي والاستفادة من مقترحات المرشدين الطلابيين في الميدان والمهتمين بهذا الجانب في تطوير خطوات هذا البرنامج سنة بعد اخرى بما يناسب المستجدات والظروف المتزامنة والعمل على تضمين البرنامج حلقة رابطة بين التلميذ المستجد والمدرسة بعد خروجه منها خلال هذا الأسبوع على وجه أخص مثل لوحة النجوم وغيرها.
5 لا بد ان يكون هناك اعلام تربوي وارشادي مؤثر من خلال القنوات الإعلامية المرئية والمسموعة والمقروءة يستقطب فيها المختصون بدراسات الطفولة ومراحلها من اساتذة الجامعات وذوي العلاقة المباشرة بالتعليم والتربية من أجل إثراء المجتمع التعليمي والعام بالمعلومات الضرورية للتعامل مع هذه الفئة من التلاميذ او تنمية الوعي التربوي بمشكلات الطفولة وطرق الوقاية منها وعلاجها.
6 الحرص على ضبط الوالدين للسلوك العاطفي تجاه ابنائهم واتزانه.
7 تعويد الطفل على عدم الالتصاق بوالديه بشكل دائم ومستمر تمهيدا لانفصاله عنهما الى المدرسة.
8 الحرص على الحاق الطفل باحدى روضات الأطفال تهيئة لالتحاقه بالمدرسة.
9 تنشئة الطفل على الاعتماد على نفسه ومباشرة اعماله ذاتيا.
10 اكتشاف مهارات الطفل ومواهبه في وقت مبكر والعمل على صقلها وتنميتها.
11 تربية الطفل على حب الأدوات المدرسية منذ وقت مبكر من عمره مثل (الحقيبة، القلم، المسطرة، الكراس,, إلخ) حتى يألفها ويحبها.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
ساحة الرأي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved