كلنا خرجنا من معطف جوجول مقولة شهيرة تتردد على ألسنة تورجنيف ودستيوفسكي وتولستوي وغيرهم من عظماء الادب الروسي, ومعطف بالمناسبة اسم قصة لجوجول وليس معطفاً حقيقياً كان يرتديه الرجل ويخرج منه الادباء كالسحرة والهواة!! فقد كان جوجول بحق هو اول روائي كبير الشأن في الادب الروسي الحديث, لفت اليه الانظار بما يجمع من تناقضات، فهو رومانسي حالم وأديب واقعي من الطراز الاول، هذا الضاحك الغريب الذي كان يتطلع الى تبرير ديني لمؤلفاته، ويمزج الضحك المرئي بالدموع غير المرئية، هذا القصاص المازح الذي بدت له الحياة مملة لا أهمية لها, كل هذا جعل منه شخصية غير عادية في الادب العالمي، باسلوبه الغنائي الدارج وفي نفس الوقت المرتفع من الضحكات الرخيصة الى قمم البلاغة المدوية, من هزل الكلمات الحديثة الصياغة ذات النطق المضحك الى الايقاع الموسيقي للفقرات الجميلة الصياغة, هذا اسلوب من اروع الاساليب واغناها في النثر الروسي، ولذلك نادى الرمزيون والواقعيون الجدد بجوجول استاذاً لهم، واعتبر كافة الكتّاب الروس ان الفترة مابين (1840م- 1860م) هي عهد جوجول في الادب الروسي، نظراً لتفوقه الذي لانزاع فيه كقصاص وكصانع احلام ورؤى غريبة متوهمة.
ولد نيقولاى جوجول عام 1809م لأحد صغار الملاك بالقرب من بولتافا في جنوب اوكرانيا، وهناك قضى الشطر الاول من شبابه يستلهم الادب الشعبي والاساطير وحركة المدينة الاقليمية الناعسة البطيئة، وتحت تأثير هذه الحياة الخالية من الهموم نشر جوجول مجلدين من القصص بعنوان امسيات قرب ديكانكا تدور كلها في اجواء الجنيات والاساطير وما يمارسه الشياطين من ألاعيب على فلاحي القوقاز الاشداء الساذجين، ويظهر الىحد كبير - من خلال تلك القصص - تأثره الشديد بالرومانسيين الالمان وعلى رأسهم هوفمان.
والحقيقة ان جوجول لم يتجه مباشرة لكتابة النثر، ولم يكن يعرف في اي سبيل يوجه طاقته الابداعية وحدسه الفني، فقد خرج من مدينته الصغيرة الى سان بطرسبرج عام 1728م على امل انه سيصبح ممثلاً عظيماً في احد المسارح هناك، الا انه فشل فشلاً ذريعاً واضطر الى ان يكسب قوت يومه بالعمل ككاتب حكومي صغير وبدأ يكرس نفسه للكتابة الابداعية، ومرة اخرى توهم انه سيصبح شاعراً رومانسياً عظيماً فراح يبدع عدداً من القصائد الفاشلة والتي كانت كفيلة بوضع نهاية مؤسفة لكاتب عظيم, وبعد اربع سنوات من التخبط والفشل ادرك طريقه كواحد من أعظم كتّاب النثر في الادب الروسي، حيث انتج العديد من الروايات والقصص التي تظهر فيها مقابلة المرح بالرعب، وخلفية الادب الشعبي، وتبادل الفعل والتأثير بين الاضداد، كما انحرفت قصصه بطريقة جديدة عن النماذج الرومانسية وتناولت التوافه الحقيرة في الحياة الاقليمية، مصورة الرجال العاديين غير المبرزين ومحتوية على ثروة من التفاصيل الدقيقة, وامتزجت في قصصه امور الحياة العادية بالغموض او باللاطبيعي مثلما في مذكرات رجل مجنون وهي عن كاتب حقير يتخيل نفسه انه ملك اسبانيا.
ورغم نجاحه الى حد كبير فيما قدم من قصص وروايات الا انه حاول ان يعمل في عدة مجالات اخرى اهمها: التدريس وكتابة الابحاث التاريخية، ونظراً لانه كان موهوباً اكثر مما يتخيل هو نفسه، فقد عاد مرة اخرى وتفرغ للكتابة في سنة 1838م, وكانت قصصه في تلك الفترة تعبر عن قلق عقلي غامض متحير، وبدت له التفاهة على انها عين التعبير عن الشر،واستخدم فكاهته سلاحاً للهجاء، كاشفاً الواقع بواسطة الغريب المضحك، وجاعلاً الاحلام والرؤى الوهمية تخرج من المواقف الفكاهية، وفي هذه المرحلة ابدع جوجول اهم اعماله على الاطلاق وهي قصة المعطف ورواية المفتش العام ورواية الارواح الميتة.
تعتبر قصة المعطف التي نشرت عام 1842 نموذجاً فريداً ورائداً في فن القصة القصيرة، وهي ذات شهرة ذائعة على مستوى الادب العالمي بأسره، حيث يحلم بطلها اكاكى اكاكيفيتش - وهو موظف بسيط يقوم باعمال النسخ- يحلم بشيء واحد! هو معطف جديد, وعنده انه دليل محسوس على الكرامة البشرية، ويحصل عليه بالتضحية وحرمان النفس، ولكنه في نفس الليلة التي يرتدى فيها المعطف لاول مرة، يتعرض للهجوم على قارعة الطريق، ويجرد من اغلى مايملك، ويلح دون جدوى في طلب مساعدة البوليس، ويتدخل شخص كبير الاهمية ويلقيه بالخارج، ويلاقي اكاكي أكاكيفتش التعس منيته بتأثير الحزن والاسى للنفس، ويسكن شبحه شوارع العاصمة التي يغطيها الجليد، وذات مساء ينزع المعطف من فوق كتفي ذلك الشخص كبير الاهمية الذي اساء معاملته، هكذا تتحقق العدالة الشعرية ويختفي الشبح للابد, بالطبع تذكرنا هذه القصة البديعة برائعة تشيكوف موت موظف بالعديد من القصص الكثيرة الشهيرة التي خرجت من معطف جوجول, مما يعني ان هذه القصة نصف الوهمية كان لها تأثير هائل، على الرغم من ان معاصريه لم يولوا اهتماماً كبيراً لنهايتها اللاطبيعية، التي كتبت بطريقة ساخرة هازلة، ولكن نالت المعطف الخلود الادبي الرائع رغم انف نقاد تلك الفترة، واصبح ماورد فيها من موضوعات تيمات اساسية للادب الروسي من ذلك: شفقة جوجول على فريسة الظلم الاجتماعي، تصويره للرجل الصغير التافه، احساسه بالظلم العالمي الكامن في مصير الاذلاء والمظلومين.
وعلى اية حال فإن جوجول لم يدرك تأثير مؤلفاته، وكان يكتب عادة وهو في غيبوبة، في نوبة إلهام، يطيع دافعاً لاواعياً, كمن يسير اثناء نومه.
ويبدو كثير من صفحاته كما لوكانت صورة مطابقة لحلم, وكان مستسلماً لمتناقضاته، كما كان التأثير الذي تخلقه مؤلفاته يتركه في حيرة حقيقية، فهناك بون شاسع بين الغرض الاساسي الذي يتحراه وبين النتيجة الفنية التي تتحقق,, فعلى سبيل المثال رائعته المفتش العام عندما نشرت أثارت عاصفة شديدة من الجدل بين مهاجم ومدافع، وكان هذا مفاجأة تامة للمؤلف التعس الذي قام بعدة محاولات غير موفقة للدفاع عن نفسه ثم مالبث ان تملكه الغم فسقط فريسة للمرض، وهرب الى الخارج واستقر في روما.
وفي روما حاول جوجول ان يقدم تفسيرات مختلفة لروايته وادعى ان الضحك هو بطله الحقيقي وهدفه الاساسي، كي يثبت ان روايته القائمة على الهجاء لاتحتوي على اي شيء ذي طابع هدام, والواقع ان جوجول كان من رعايا الامبراطور المخلصين وابناً باراً للكنيسة ولم يكن له ادنى علاقة بالميول الثورية, ولكن المحنة الداخلية التي قاسى منها كانت اعمق من القلق البسيط الذي يتعرض له انسان محافظ، عندما يكتشف ان كلماته تساعد الثوريين المتطرفين, وكان جوجول يحلم برفع شأن الثقافة الروسية والتعليم وان تؤدي اعماله خدمة للمجتمع ولكن الشكوك كانت تساوره فيما اذا كان ذلك النوع من الكتابة قادراً على خدمة اغراضه على النحو المرضي.
ولم يكن لدى جوجول سوى المام بسيط بمشكلات عصره السياسية والاجتماعية، ولم يكن ينتمي الى اية جماعة فكرية من الطبقة المستنيرة, ولهذاوصفه تولستوي قائلاً: إن عقله الخجول لم يصل الى مستوى عبقريته الفنية الحدسية العظيمة، فقد عبر عن الموقف السلبي لجيل بأكمله قاسى الامرين في سجن عهد نيقولا، ونبذ بيئته، وكان شديد الرغبة في مناقشة مستقبل البلد، ولكنه لم يكن مدركاً لما كان قد حققه, اولعل الامر ببساطة انه ارتاع لما وجده الآخرون في مؤلفاته من معان، فلجأ الى التأمل والتصرف وكتابة مقالات فلسفية تدافع عن الحكم المطلق والرق والكنيسة (وهو ماكان يفضحه تماماً في كل اعماله الابداعية) وهكذا عاش صراعاً بين الفنان الذي يصور انحرافات البشر المضحكة وبين الناسك الذي يبغى خدمة التقاليد القائمة، فأوهنه هذا الصراع واصابه بالجوع والمرض والعزلة والاحلام المروعة واحرق كل ماكتبه تقريباً ثم اعاد كتابته ثانية، ثم تجول ست سنوات يمارس طقوساً دينية متعددة، وتحت تأثير احد القساوسة احرق جزءاً كبيراً من رائعته الارواح الميتة وكانت هذه التضحية سبباً في تحطم صحته ووفاته نتيجة للارهاق العصبي في فبراير 1852م.
شريف صالح