رغم فوزه بالتقديرية,, محمود أمين العالم ينحاز لسلطة الثقافة ضد ثقافة السلطة توقف عز الدين إسماعيل وعبدالقادر القط عن متابعة الإبداع الجديد ساهم في تأزيم المشهد النقدي حوار شريف صالح |
محمود امين العالم رائد من رواد النقد الادبي والفكر السياسي قد نختلف معه وقد نتفق، وفي كل الاحوال لن نستطيع ان نبخسه حقه، فهو مفكر ومقاتل معاً، حملته اسلحة فكره الى المنصب المرموق تارة والى المعتقلات والمنافي تارة اخرى, انها رحلة من العطاء والاخلاص والنزاهة، تتسم بالخصوبة والقدرة على تحريك المياه الراكدة، وقد اثمرت تلك الرحلة مايربو عن خمسين كتاباً قيماً، وتوجت اخيراً بجائزة الدولة التقديرية في الآداب, وعلى هامش الاحتفال بتلك الجائزة كان هذا الحوار:
الجائزة والسلطة وعبد الناصر
*فوزك بجائزة الدولة هل يعني المصالحة بين سلطة الثقافة وثقافة السلطة؟
-لا,,ابداً، فأنا كنت ومازلت مع سلطة الثقافة التي تعني في جوهرها روحا نقدية استراتيجية تتجاوز النظرة الآنية, إنها سلطة انقلابية، ومتمردة بالضرورة، ليس لمجرد الاختلاف مع ثقافة السلطة بل بهدف التطوير والتقدم في الاساس.
اما ثقافة السلطة فينتجها عادة مثقفون يشغلون موقعاً داخل المؤسسات الثقافية الرسمية، او بمجرد تبني الخطاب الرسمي دون ان يكونوا داخل موقع سلطوي, ومشكلة تلك الثقافة انها آنية، تهدف الى تكريس الامر الواقع، وهي تذكرنا بما قاله التوسير عن التلفزيون - على سبيل المثال- كأحد أجهزة الدولة الايدلوجية.
ولكنك لست منبت الصلة تماماً بأجهزة الدولة، فأنت على الاقل رئيس لجنة الفلسفة بالمجلس الأعلى للثقافة؟!
-نعم,, هذا المجلس ينتمي للدولة ولكن انظر الى محاولاتنا للتغيير عبر قنواته المختلفة، فلقد كان يشغلني على الدوام ازمة تعليم الفلسفة في مناهجنا الدراسية، واقمنا مؤتمراً مخصصاً بأكمله لمناقشة هذا الامر، واستطعنا تحقيق بعض النجاحات في هذا الشأن واستجابت لنا وزارة التربية والتعليم، صحيح انها استجابة جزئية ولكن هذا يثبت ان التغيير عبر قنوات الدولة الرسمية ليس مستحيلاً.
الشيء الآخر الذي اود الاشارة اليه في هذا السياق هو ان تشكيل المجلس بوضعه الحالي لايخلو من ديمقراطية وليبرالية، بدليل ان كثيرين ممن وافقوا على منحي الجائزة يختلفون معي ايدلوجياً وبشكل سافر.
وهذا دلالة صحية، ان اختلف معك لكن لدى لحظة التقييم الموضوعي اتناسى اختلافاتي واحكم فقط الاسس الموضوعية,, وهذا النوع من الحوار المجتمعي بين كافة قوى المجتمع نحن في اشد الحاجة اليه.
*يرى البعض أن حصولك على الجائزة قد جاء متأخراً بعض الشيء؟ وماذا يعني حصولك عليها؟
-هي تحملني عبئاً -بل شرفاً- أعني شرف مواصلة الطريق، وهذا يشعرني بالمزيد من المسؤولية، ومن هنا فأنا أهديها للشباب لانهم عنوان المستقبل الذي يجب ان نعمل جميعا من اجله.
*رغم انك توليت رئاسة أخبار اليوم في عهد عبدالناصر لكن منع لك أحد المقالات,, ماتفاصيل القصة؟
-كان هذا في عام 1968م، وكان مقالي يتضمن ثلاثة انتقادات للاتحاد الاشتراكي فاتصل بي سامي شرف مدير مكتب عبدالناصر ليخبرني بأن عناصر الشرطة موزعة على محطات القطار الذي يحمل الجريدة لمصادرة هذا العدد,.
*وماذا كان رد فعل عبدالناصر تحديداً؟
-الحقيقة انه اعتذر لي فيما بعد، وخصوصاً انني توليت هذا المنصب بناء على رغبته وبعد اتفاقي معه انه لن تكون هناك رقابة على مقالاتي, لكن الملاحظة اللافتة والجديرة بالاهتمام ان عبدالناصر اخذ بانتقاداتي للاتحاد الاشتراكي فيما بعد، وايضاً اخذ بوجهة النظر التي طرحتها في مقال آخر (تم منعه) بعنوان: حوار مفتوح حول المجتمع المفتوح كنت ادحض فيه الاساس الفلسفي لمقولة! المجتمع المفتوح التي راجت آنذاك, وقلت لانعترض على وجود هذا المجتمع ولكنه ينبغي ان يكون مفتوحاً للشعب وللعقلانية وقيم التقدم، وليس مفتوحاً للرأسمالية الخارجية فحسب.
*هل منع هاتين المقالتين يعد دليلاً على عدم الديمقراطية آنذاك؟
--دولة عبدالناصر في مجملها لم تكن ديمقراطية لكنها رغم ذلك عبرت عن مصالح الجماهير، وحرصت على تمثيل العمال والفلاحين وسائر الطبقات المطحونة، وهناك مظاهر متعددة تؤكد انحياز الثورة للفقراء والمعدمين من ناحية، ومن الناحية الاخرى فإن عبدالناصر شخصياً كان متفاهماً وكان الحوار معه يؤدي الى نتيجة ملموسة في تطوير رؤيته.
العالم يتحدث عن العولمة
*تجلى اهتمامك النقدي مبكراً حين اصدرت في الخمسينيات بالاشتراك مع عبدالعظيم انيس كتاب في الثقافة المصرية بعد مايزيد عن اربعين عاماً كيف ترى المشهد الإبداعي حالياً؟
-الملاحظة الاولية هي زيادة وتدفق كم الابداع بشكل لافت، مما يتطلب معهداً نقدياً,, قالها ضاحكا ثم اضاف: فلم يعد الجهد الفردي كافياً! يتجلى هذا بوضوح في كتابات الشعر والقصة والرواية.
اما الملاحظة الثانية فهي تتعلق بضآلة منابر النقد مقارنة بكم الابداع ، فالنقاد لايجدون المساحة الكافية لممارسة مهامهم، والزوايا الصحفية في المجلات والجرائد لاتكاد تكفي، وبالمثل الدوريات المتخصصة ايضاً لاتكفي! ومما ساهم في تأزيم الموقف اكثر هو توقف عدد النقاد عن الكتابة مثل د, عبدالقادر القط ود,عز الدين اسماعيل.
*وهل تستثني محمود أمين العالم كناقد أدبي مع ايقاف التنفيذ؟
-اعتذر عن تقصيري هذا -غير المتعمد- ويبدو انني منذ عودتي من فرنسا وانجلترا في بداية الثمانينيات شغلت بالعمل الفكري وطغت همومه لديّ، على هموم النقد ومتابعة الابداعات الجديدة التي بلاشك تفيدني في تطوير رؤياي ومفاهيمي.
*ومن دائرة الإبداع ننتقل الى دائرة الفكر,, تحديداً الى قضية العولمة التي اصبحت الشغل الشاغل للأوساط الثقافية,, كيف تراها كظاهرة؟
-لا احد ينادي بالعزلة والتقوقع، ولكن يجب ان نرفض العولمة لوكانت مجرد قولبة رأسمالية،وأمامنا مثل قوي واضح هو فرنسا نفسها التي اعدت قانون الاستثناء الثقافي، حيث وضعته خصيصاً لحماية خصوصيتها الثقافية امام محاولات الهيمنة والاخضاع والتنميط الرأسمالي من قبل قوى الرأسمالية العالمية.
*وأخيراً,, هل تشعر أنك قد بلغت غاية ماتصبو اليه بعد الحصول على الجائزة؟
-بالطبع لا,, فمازلت اتعلم واحاول ان اتكون واتجدد كل يوم كي اكون نافعاً للناس وللثقافة.
|
|
|