الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
هانحن اليوم نحتفل باليوم العالمي لمحو الأمية، والذي يجعلنا نشعر معه بأهمية تعليم الكبار وأنه مسؤولية حتمية لأي مجتمع متقدم أو مجتمع نامٍ فالتعليم في حياة الانسان يمتد في خط طولي لا ينقطع بالرغم من أنه يعرف أوقاتا يتركز فيها كالطفولة والشباب ويتعرف أوقاتا يتناوب فيها بالظهور والاختفاء.
وان كنا كمجتمعات من دول نامية عشنا في السابق في قطاع أولي بدائي يقوم على الزراعة والرعي والصيد ومن ثم انتقلنا الى قطاع أكبر هو قطاع النفط والصناعة شهدنا خلاله مجدا وحضارة لاتزال قائمة بحمد الله تعالى وتوفيقه وثم بالجهود الحثيثة من قيادتنا الرشيدة، وفي السنوات الأخيرة بدأ قطاع ثالث يظهر في حياتنا ويتجدد هو قطاع الخدمات المهنية بظهور طبقة من المهنيين من أبناء المملكة فنحن نرى اليوم الميكانيكي والحرفي السعودي، ومن يعمل في مجال الخدمات العامة سواء بالنسبة للمواصلات أو المطاعم وغيرها من جميع هؤلاء سيكون لوجودهم مردود ايجابي على خطط التنمية المستقبلية.
واليوم ونحن على أعتاب الألفين فإنني أرى أن ينبثق قطاع رابع يتطلب صفوة مثقفة مؤهلة بكفاية تامة هو قطاع البحث والثقافة.
فهذه رياضنا وعاصمتنا العريقة قد اختيرت وبجدارة من قبل المنظمة التربوية للثقافة والعلوم كعاصمة للثقافة العربية لعام 2000 فما الذي يمنع من أن يكون لدينا خلال عام 2000- أنظمة مدرسية ثقافية مقطوعة يعتمد فيها على فتح المجال أمام كل أمي ان يتعلم تعلما ذاتيا ومنهجيا لا يعتمد فيه على الاختزال الأكاديمي للمعلومات أو الاكتساب الآلي والنقلي للمعارف والمهارات بقدر ما هو تعلم يسهم في اعادة تشكيل الفكر وتنمية قوى الخلق والابداع، فمن الملاحظ ان بعض القيم الدائمة والتي حملتها بعض الشهادات الدراسية والدبلومات الجامعية تفقد صلاحيتها مع مرور الزمن وفي خضم التطورات الثقافية والعلمية والتكنولوجية،ولنأخذ في ذلك العبرة من غيرنا فمثلا في فرنسا هنالك مؤسسة تدعى مؤسسة الطاقة الذرية تمنح خريجيها دبلومات تنتهي صلاحيتها في مدى خمس سنوات فقط ولتجديد صلاحية شهاداتها لابد من تعلم ونجاح جديد معتمد.
ان هذا ما يجب ان تنظر فيه جامعاتنا وكلياتنا وما يمكن ان تبادر به الجامعات الأهلية لدينا بحيث يعزز هذا وجود شبكة تعليمية من المؤسسات العاملة في المجتمع والمشتغلة بتنفيذ برامج التربية المستمرة والمعتمدة في نظرياتها ومبادئها العلمية على تقديم محتويات تعليمية مناسبة تستجيب لدوافع المتعلمين والمتعلمات وخاصة دوافع الكبار أو الأميين نحو التعلم خاصة وان نضج الانسان لايتم في سن محدودة وانما يستمر في مسلك متصل خلال الحياة وغالبية الدراسات اثبتت ان قدرة الكبار على التعلم تتأثر بالضغوط الاجتماعية وأنه لا خوف من تناقص الانتاجية العقلية لديهم أو ضعف الابتكارية.
كذلك ما الذي يمنع من ان يقدم في مجال تعليم الكبار مدارس تقوم على مفهوم وروح التعليم المستمر بحيث تكون مدارس مرنة طول العام ذات أسس تنظيمية غير عادية وذات توجيه وتوجه تعليمي فردي يستطيع الكبار خلالها أخذ اجازاتهم في أي وقت يشاؤون ويتم تشجيعهم على اتخاذ المبادرة نحو التعلم ولهم الحرية في اختيار النهج التعليمي الملائم لقدراتهم وميولهم وتتحول المدرسة الى مجتمع أسري يشيع فيه اسلوب التعلم المتبادل بين الاقران.
ايضا ونحن نشهد اليوم العالمي لمحو الأمية أرى انه لابد من تيسير التعليم للكبار وللصغار - خلال عام 2000- دون اعتبارات لسن أو لوضع اجتماعي بحيث يساير احوال وظروف المتعلمين أو المتعلمات فنضمن بذلك للتعليم فاعليته بما يقضي فيه على آثار ظواهر - يعاني منها التعليم بوجه عام وتعليم الكبار بوجه خاص- كالتسرب والرسوب والانقطاع المتقطع أو ظاهرة رفض التعلم والالتحاق بالمدارس.
كما اننا ونحن نعيش في عاصمة الثقافة العربية لعام 2000 مطالبون بأن ننشر الانماء الثقافي الشامل السليم القابل للاستمرار بدلا من ان يظل دأبنا محو الأمية الأبجدية ونفاجأ بأننا اصبنا بأمية ثقافية لاقدرة لنا على محوها أبدا، وهذا يستلزم قيام نهضة مجتمعية ثقافية مستديمة تتناول كل مجالات العمل والانتاج والخدمة والراحة والحياة والطبيعة والعمران فالتربية في نظري تنتقل مع الثقافة وتنتقل من هامش الحياة البشرية الى مركز الحياة الانسانية لتتحد هناك بالعمل المنتج الابتكاري مما يجعل المجتمع بأكمله مجالا للنشاط والتعاون والتآخي وتصبح الثقافة الدائمة أو المستديمة من أبرز مظاهر هذا النشاط.
د, موضي بنت فهد النعيم*
* وكيل رئيس تعليم البنات للإشراف التربوي .