Tuesday 28th September, 1999 G No. 9861جريدة الجزيرة الثلاثاء 18 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9861


الخيار الإسلامي في مذاهب التقدم 2-2
د, محمد عمارة

وعلى النقيض من هذه النزعة (الباطنية - الغنوصية) ذات الأصول الفارسية - في مذاهب التقدم - تأتي النزعة (المادية) ذات الأصول (الاغريقية - الغربية).
فمهوم التقدم، لدى الماديين -وتجلياته في الحضارة الغربية الوضعية العلمانية - يعني: السيطرة على الطبيعة وقهرها من قبل الانسان,, ذلك الانسان الذي تصوره الماديون: (سيداً لهذا الكون)، لا حدود لحريته واختياره,, وهدف هذه السيطرة على الطبيعة والقهر لها، هو تحقيق الحد الاقصى من (القوة) والحد الاقصى من (الوفرة المادية)، وذلك لاشباع الحدود القصوى من الحاجات واللذات والشهوات الدنيوية للانسان - والتي رأوها غير متناهية؟!,, كل ذلك، بصرف النظر - بل وبرغم - أخلاقية او لا أخلاقية السبل والوسائل المحققة لهذه الغايات,, بل وبرغم - وبصرف النظر - عن لا اخلاقية كثير من هذه المقاصد والغايات؟!
وفي سبيل تحقيق هذا اللون من (التقدم) رأى اصحاب هذه النزعة المادية:
أ - ان مصدر المعرفة - المستحقة لوصف المعرفة والعلم والحقيقة - هو المادة، وعالم الشهادة,, اما ما عدا ذلك، من عالم الغيب، وما وراء المادة، فلا ترقى (معارفه) الى اكثر من (الميتافيزيقا)، و(معارف) طفولة العقل البشرى، التي هي ادخل في (الخرافات) منها في حقائق المعارف والعلوم!!
ب - وان سبل الانسان الى المعارف الحقة لا تعدو (التجارب المحسوسة بالحواس الخمس) و(براهين العقل الانساني) في الاستدلال والاستنباط,, ولا مكان (للوحي,, والنقل,, والادلة السمعية),, ولا (للوجدان) في سبل المعرفة المعتمدة والمأمونة!!
ج - وان الصراع بين الاضداد هو قانون الحياة والأحياء - في الاحياء الطبيعية - التي تخلقت ذاتياً، ونشأت فيها نسمة الحياة طبيعياً,, ثم ارتقت وتطورت بالانتخاب الطبيعي، عن طريق قهر الأقوى للأضعف - لأن الأقوى هو الأصلح للبقاء-,.
وكما حدث ويحدث قيام وعمل هذا القانون في الأحياء الطبيعية,, فلابد من قيامه وعمله في الاجتماع البشري - بصراع الطبقات المحركة للتاريخ,, والصراع بين (قوى الانتاج) وبين (علاقات الانتاج) المحدد لخط سير تطور وتقدم النظم الاقتصادية والاجتماعية,, بل والأنساق الفكرية والثقافية والاعتقادية,, وعلى نفس المنوال تكون العلاقات بين الحضارات والدول في العالم,, حتمية صراع الأضداد، ومشروعية البقاء للاقوى، لأن الاقوى هو الاصلح,, فهي (رسالة) وليست عدوا من شريعة الغاب؟!
د - وبنفس الفلسفة تكون النظرة الى (البيئة) وهي (الطبيعة) فهي مسخرة للانسان - بمعنى السخرة - ليقهرها - لا بمعنى الرفق بها والارتفاق معها - فكل ما يحقق (القوة) و(الوفرة) بالمعنى المادي للقوة والوفرة - هو من صميم (التقدم)، لدى اصحاب النزعة المادية، حتى ولو اخل بتوازن الانسان - كفرد وكمجتمع - وحتى ولو اخل بتوازن البيئة التي يعيش فيها الانسان.
وحتى المعايير التي يضعها اصحاب هذه النزعة (المادية) على الممارسات، تقف عند الدنيا، وعند المصالح الدنيوية، وعند كفاءة تحقيقها للوفرة المادية والحدود القصوى للذات الدنيوية فقط لا غير، او بالدرجة الاولى!
ه - وأما في النظرة للموروث,, فإن التقدم عند اصحاب هذه النزعة المادية - وخاصة لدى تيار (الحداثة) انما يعني الانقطاع التاريخي والقطيعة المعرفية مع الجذور الحضارية,, فكل البناء المادي دائم التغير والتقدم والترقي,, وكل البناء الفكري - حتى الاخلاق والقيم والدين - دائم التغير والتطور ايضا,, ففواصل ومحطات الانقطاع والقطيعة في الثقافة والمثل والمعايير هي القانون المطلق الدائم الإعمال!!
تلك هي ابرز معالم مفاهيم (التقدم) لدى اصحاب النزعة المادية,, تلك التي جعلت من انسانها - على نحو ما نراه في بعض التطبيقات الغربية - وكذلك المقلدة لها:
- ذلك الانسان الذي يحاكي - في القوة المادية - الاسد المفترس.
- والذي يريد العالم غابة: الاقوى فيها هو الاصلح للبقاء - الفكري,, والمادي,.
- والذي يأكل في سبعة امعاء - مصداقا للحديث النبوي الشريف، الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يأكل في مِعى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء).
- والذي يعلم ظاهرا من الحياة الدنيا، عازلا علومه - بل وبنوك معلوماته - عن تغيير النفس وتزكيتها بالعلم النافع.
- والذي غدا عملاقا، لكنه يقف على ساق واحدة، هي ساق المادة,, والقوة المادية,, والوفرة المادية,, واللذات المادية الدنيوية! حتى لقد حقق اعلى مستويات الوفرة المادية في العالم، وايضا اعلى مستويات القلق والشك واللا ادرية والقنوط - بل والانتحار الفردي والجماعي - في هذا العالم ايضا؟!
وهكذا تفلس النزعة المادية في تحقيق التوازن للانسان في هذه الحياة - وفي هذا التوازن جوهر السعادة الانسانية,, لقد افلست قديماً في تحقيق السعادة (لقارون) وهي تفلس اليوم في تحقيقها للمجتمعات (القارونية) التي سادت فيها!,.
ما أفلست النزعة (الباطنية - الغنوصية) في ان تمثل طريقاً لتقدم امة او مجتمع، وإن نجحت في شيء من ذلك بالنسبة لآحاد من الناس,, فلم تجاوز حدود (الاستثناء - الشاذ) الذي لا يجوز عليه القياس!!
***
- اما الرؤية الاسلامية للتقدم، والمذهب الاسلامي في الارتقاء، فإن له مفاهيمه المتميزة، ومناهجه المتميزة ايضا.
ونحن اذا شئنا معياراً لهذا التقدم الاسلامي، وللمذهب الاسلامي في الارتقاء، فليس كالوسطية الاسلامية معيارا يتميز به عن مفاهيمه المغايرة في النزعة (الباطنية - الغنوصية - العرفانية),, وفي نقيضتها (النزعة المادية) ايضا,, فبالوسطية الاسلامية يكون التقدم اسلاميا، وذلك عندما يكون تحقيقا.
أ - للتوازن,, الذي هو الوسط,, اي العدل,, في ذات الانسان الفرد، وفي علاقاته بالآخر، وايضا في علاقاته بالبيئة والطبيعة والمحيط.
ب - وتحقيقا للتوازن الذي يجمع بين (الوحدة في الانسانية) بين البشرية جمعاء,, وبين (التعددية) في الشعوب والقبائل والقوميات والحضارات، ليصبح العالم (منتدى حضارات متميزة,, ومتفاعلة) لا متصارعة، ولا منغلقة,, او تابعة بعضها للبعض الآخر.
ج - وتحقيقا للتوازن بين (وحدة الدين الالهي) أزلا وأبدا - في أمهات عقائد الإيمان: بالألوهية الواحدة,, والإيمان بالغيب واليوم الآخر والحساب والجزاء,, وبالعمل الصالح,, مع التعددية في الشرائع، ليكون السباق والاستباق على درب الاقتراب الأكثر من تحقيق مثل الاعتقاد الاصح بعقائد هذا الدين الالهي الواحد.
د - وتحقيقا لتوازن مصادر المعرفة,, وسبل تحصيل هذه المعرفة,, بتكامل آيات كتابي الخالق، سبحانه وتعالى، آيات (كتاب الوحي - المقروء) وآيات (كتاب الكون - المنظور),, مع تكامل سبل الانسان لتحصيل معارف هذه الآيات,, هداية: العقل، الذي ان استقل بمعارف عالم الشهادة، فلن يستقل بادراك معارف عالم الغيب,, وهداية: النقل والوحي - بلاغا قرآنيا، وبيانا نبويا - التي تهدي الانسان فيما وراء مدركات ملكاته النسبية، كمخلوق نسبي القدرات والملكات,, وهداية: الحواس الخمس، التي تدرك - بالتجربة - الكثير من حقائق هذا الوجود,, وهداية: الوجدان - والنور القلبي - الذي هو لطيفة ربانية خلقها الله متعلقة بالقلب - جوهر الانسان -.
فبهذه المصادر للمعرفة,, وبهذه الوسائل للمعرفة,, تتكامل وتتوازن معارف الإنسان في نموذج التقدم الاسلامي، حيث تنتفي أحادية المعرفة - باطنية كانت ام مادية - عقلية كانت ام نقلية - نظرية ذهنية كانت ام تطبيقية يدوية.
ه - وتحقيقا لتوازن حقوق كل من (التوحيد) لخالق كل شيء - اسبابا كانت او مسببات - والتسليم باسباب مادية، قائمة في الظواهر الكونية والبشرية والنفسية، لها فعل وتأثير في المسببات.
فوجود هذه الاسباب المادية، وفعلها في المسببات حقيقة لا ريب فيها,, والإيمان بأن هذه الاسباب الفاعلة، هي ايضا مخلوقة للفاعل الاول والخالق الاوحد لكل موجود، هي الاخرى حقيقة لا ريب فيها,, فهذا الكون المادي,, والبشري - تحكمه (الاسباب - المخلوقة) لخالق كل ما في الوجود، اسبابا كانت او مسببات,.
وهذه الوسطية الجامعة بين (توحيد خالق كل شيء) وبين الاعتراف (بفعل الاسباب المودعة في الطبيعة) هي التي عبر عنها - عن صدقها,, وعن صعوبة استيعابها من غير اهل الاختصاص - ابو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (163 - 255ه - 780 - 869م) عندما قال: (ان المصيب هو الذي يجمع: تحقيق التوحيد، وإعطاء الطبائع حقها من الأعمال, ومن زعم ان التوحيد لا يصلح الا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجزه على الكلام في التوحيد، وكذلك اذا زعم ان الطبائع لا تصلح اذا قرنها بالتوحيد، ومن قال هذا فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع, وإنما ييأس منك الملحد اذا لم يدعُك التوفر على التوحيد الى بخس حقوق الطبائع، لان من رفع اعمالها رفع أعيانها، واذا كانت الاعيان هي الدالة على الله، فرفعت الدليل، فقد أبطلت المدلول عليه) (1) .
و - وتحقيقا لتوازن (سلطة الانسان) في عمارة الأرض - بما تقتضي من حرية وإرادة واستطاعة وقدرة واختيار ومسئولية وتكليف - وبين (سيادة الحاكمية الإلهية) فوق (سلطة الانسان) لانها (سلطة الانسان) الخليفة لسيد الوجود وخالق كل موجود وراعي ومدبر كل امر,, وليست سلطة الانسان المغتصب للسيادة الالهية في هذا الوجود,, ومن ثم فإنها (سلطة) محكومة بآفاق (سيادة الحاكمية الالهية)، المتمثلة في الشريعة الالهية والتي هي بنودعقد وعهد الاستخلاف الالهي للانسان.
واذا كانت الكهانة الكنسية الغربية قد افرطت عندما الغت (سلطة الانسان) بجعلها الدولة والعلم والاجتماع والسياسة وكل العمران البشري دينا ثابتا مقدسا وسيادة وحاكمية الهية لا خلافة فيها ولا حاكمية للانسان، وذلك يوم ان ادعت انها تحكم الدولة بالتفويض والحق الالهي,, ثم جاءت العلمانية الغربية - كرد فعل لذلك - ففرطت، عندما جعلت سلطة الانسان في الدنيا والدولة (سيادة وحاكمية) لا معقب عليها من نبأ الغيب وشريعة السماء وحقوق الله، حتى لتقرر هذه العلمانية للانسان - اذا هو اختار - ان يحل الحرام ويحرم الحلال الديني,, فإن هذا الخلل في التوازن، لدى فريقي الافراط والتفريط، هو الذي برئت منه الوسطية الاسلامية في علاقة (سيادة الحاكمية الإلهية) ب (سلطة الامة) في الفكر الدستوري لدولة الاسلام.
تلك بعض من معالم المذهب الاسلامي في التقدم,, مذهب الوسطية الاسلامية,, المجسد للعدل والتوازن,, والمتميز عن افراط (الباطنية - الغنوصية) وتفريط (المادية الوضعية - العلمانية).
وصدق الله العظيم اذ يقول: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا), (2).
وصدق رسوله الكريم اذ يقول: (الوسط: العدل, جعلناكم أمة وسطا) (3) .
***
الحواشي:
1- (كتاب الحيوان) ج 2 ص 134، 135, تحقيق الاستاذ عبدالسلام هارون طبعة القاهرة.
2- البقرة: 143.
3- رواه الامام احمد.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
لقاء
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved