ذكرى اليوم الوطني بالنسبة للشعب السعودي ذكرى عطرة محفورة في وجدانه وعقله, فهذا الوطن الغالي كان قبل الملك عبدالعزيز آل سعود - يرحمه الله - عبارة عن قرى ونجوع وعدود متناثرة لا يربط بينها رابط، كل شيخ قبيلة له سيادة اسمية او حقيقية بحدود اقرب لأن تكون وهمية, قانون الغاب او قانون القوة هو الغالب دائما, كان المجتمع السعودي يعيش التحالفات المتناقضة، غذاؤه يغتصبه مما تجود به الصحراء عندما تمطر السماء، وأهم مرتكزات الثروة الابل والاغنام, فمن لديه (طرش) وقطيع من الغنم هو الثري، ومن يحيط به رجال اشداء هو القوي، وكان ما يميز الشعب السعودي عبر تاريخه الحديث ان لديه قناعة بأن القيادة السعودية عبر أدوارها الثلاثة الاولى فالثانية فالثالثة ممثلين في حكامها ثم درة عقدهم الفريد الملك عبدالعزيز - يرحمه الله تعالى - الذي أسس الدولة السعودية الثالثة,, فهذا الزعيم جاء ليربط بين ما انقطع ويعمل على تواصل الشعب السعودي وصهره في بوتقة اجتماعية متماثلة متكاملة في ظل حكم الله وشرعه، وقد اينعت له الرؤوس القوية عندما ادركت ان قائدهم أرحم بهم من أنفسهم, لقد حدثني والدي - أطال الله في عمره - كيف كانت حياة هذا الشعب، فالخوف يجلله من اقرب الاقربين لا يأمن على نفسه من غدر محتمل دون مبرر غير الحب للدماء وسلب الآخرين اموالهم وقدراتهم على نزرها وقلتها وضآلتها.
فقد قام الملك الراحل عبدالعزيز بنقل المجتمع السعودي من حالة البغضاء والتنافر والتناحر الى حالة من التعاون والانسجام، واختفت بحكمة سياسته وعدالة حكمه النعرات، وبدأ المجتمع يتلمس عوامل الاستقرار والامن والامان، وبدأ يدرك حدوده وماله وما عليه, وكانت حركة التوطين الانطلاقة الحقيقية في الارتباط بالارض والامتثال للاحكام الشرعية, ثم قام الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - بحركة التعليم وتيسيرها حيث سبر ان خير هذه الامة يكمن في تعليمها ثم نظم علاقات بلاده مع الدول الكبرى والصغرى، واضعا نصب عينيه مصلحة الوطن والامة وسلامة عقيدتها، ولكونه زعيما ثاقب النظرة قوي الارادة؛ تمكن بقدرة الله من تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وعسكرية جعلت بلاده الرقم الأصعب على مستوى العالم الاسلامي والعربي والدولي.
فقد قرأت وثيقة من وزارة الخارجية البريطانية موجهة للمندوب السامي البريطاني في مصر تحذره من تأثير الملك عبدالعزيز على الشعب الفلسطيني في مواجهة اليهود المغتصبين في فلسطين المحتلة، فهذه الوثيقة تنبه المندوب السامي البريطاني ان تأثير الملك الراحل واسع على الشعب المصري في الصعيد، وتطالبه بالعمل في الحد من هذه التأثيرات مخافة ان يثور اهل الصعيد على اليهود بالتضامن مع اهلنا في فلسطين.
فالملك عبدالعزيز لم يكن للشعب السعودي وحده، بل كان يحمل هموم الامة الاسلامية والعربية دونما كلل او تردد ومواقفه مع الرئيس الامريكي روزفلت معروفة ومشهودة وخطاباته للرئيس الامريكي الاسبق ترومان ايضا معروفة، تعطي له الزعامة الاسلامية والعربية دون منازع فهذه الزعامة لم تكن مبنية على النار والحديد والتهديد والوعيد او الشعارات الكاذبة، وانما كانت مبنية على الايمان المطلق بالله ثم بالايمان بقضايا الامة الاسلامية والعربية,, فسياسة الملك الراحل كانت من الوضوح بمكان مما ارث لنا سفرا حضاريا من الانظمة والقوانين والمجالس والوزارات والمؤسسات، كان ابناؤه من بعده امناء على هذا السفر يضيفون وفق مقتضيات التطورات السياسية والاقتصادية والعسكرية على مستوى العالم,, وفي ذكرى هذا اليوم اتمنى على وسائل الاتصال السعودية ان تتجه الى استنباط الدروس المستفادة من حكمة الزعيم وما قام به ابناؤه من بعده رحم الله من مات منهم واعز من بقي منهم بطاعته وألهمهم الحكمة والتوفيق.
متعب السيف