Tuesday 28th September, 1999 G No. 9861جريدة الجزيرة الثلاثاء 18 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9861


مشكلة وقرار
هل يترك المدير ليضحي بحياته؟!
هل تهتم الشركة بمصلحتها أولاً أم بمصلحة العاملين فيها؟
كيف يمكن معالجة مشكلة مدير يشتبه بأنه يعاني من مرض خطير؟!

قرأت مؤخراً موضوعاً يعالج احدى المشاكل التي قد تواجه العمل والقرار المناسب المتخذ في ذلك وتعميماً للفائدة نحاول هذا الاسبوع التطرق لهذه المشكلة والقرار المناسب لمعالجتها حيث وردت هذه الحالة في الزميلة مجلة عالم الادارة قبل اكثر من عشرين عاماً.
صعق المدير بيير دوفال، رئيس احدى الشركات لصنع المحركات الكهربائية في باريس عندما اعلمه طبيب الشركة عرضا اثناء عملية الفحص الطبي الاعتيادية السنوية بان مارسيل، احد مديري الاقسام يعاني من سوء الصحة.
فمع انه كان يلاحظ على مارسيل بعض علامات التعب، فقد عزى ذلك الى انهماكه الشديد في اعمال البحث التي يقوم بها على رأس فريق من خبراء الشركة لتصميم محرك جديد خفيف الوزن, ولم يكن يدرك بان الامر اخطر من ذلك, فقد قال له الطبيب بانه يخشى ان يكون مارسيل يعاني مرضا قلبيا وانه لذلك يود لو اقنع دوفال مارسيل بالذهاب لمعاينته.
وتوجه دوفال فورا الى مكتب مارسيل وسأله عن صحته, فأجابه هذا الاخير قائلاً: انها لا بأس بها , واضاف مازالت تواجهنا بعض المصاعب في عملنا ولكننا سنتغلب عليها اذا ماضاعفنا من جهودنا , فقال له دوفال: ان الطبيب قلق على صحتك ويرغب في معاينتك , فرد مارسيل قائلاً: ان هذا مستحيل فليس لدي الوقت لذلك الان, فأمامي شهران فقط حتى انهي التصميم واعرضه على الزبون, وانا لا اريد ان تسبقنا شركة المانية في هذا المضمار مرة اخرى, فيجب ان يكون محركنا هو المحرك الذي يقع عليه الاختيار لاستعماله في السيارة الاوروبية المنتظر انتاجها.
وهنا لم يجد دوفال بداً من اطلاعه على وساوس الطبيب بشأنه, فقال له: ان الطبيب يعتقد بانك قد تكون تعاني من بعض الامراض القلبية, فاذا كان مايتوقعه صحيحا وظللت انت تعمل لمدة 16 ساعة يومياً, فان تصرفك هذا يكون ضربا من الجنون .
وعدل مارسيل من جلسته ثم قال: قل لي اتريدنا ان ننهي هذا المشروع بنجاح ام لا؟ فقال له دوفال: أليس بامكانك تفويض قسم من اعمالك لغيرك؟ فرد مارسيل ليس هذا ممكنا بالنظر للمشاكل التي نواجهها ، نعم، ان فريقي يضم نخبة من الخبراء الماهرين، ولكني لا اعتقد بانهم يستطيعون التغلب على هذه المشاكل في هذا الوقت القصير, وفضلا عن ذلك، فانا لا اريد ان يعاينني الطبيب .
وفي اليوم التالي تحادث دوفال مع جاك ليكليرك، مدير شؤون الموظفين في الشركة واعرب له عن مخاوفه بخصوص صحة مارسيل وابلغه ماقال له الطبيب وكيف ان مارسيل يرفض المعاينة, ولكنه اضاف قائلا: اقول لك الحق، انا مسرور لقرار مارسيل هذا, ذلك انه اذا ذهب الى الطبيب وابلغه هذا بانه يعاني من مرض قلبي وان عليه ألا يجهد نفسه، فان المشروع سيقضى عليه ولا شك , وهنا قال جاك ليكليرك: غير انه من الناحية الاخرى، فان شعار الشركة هو انها دائما تهتم بمصلحة مستخدميها وزبائنها على حد سواء وهذا الشعار ينطبق على جميع مستخدميها من ادنى درجة الى اعلى درجة .
وقاطعه دوفال قائلاً: ولكننا اذا لم نستطع انجاز المحرك الجديد للمعاينة من قبل الشركة صاحبة مشروع السيارة الاوروبية في الوقت المحدد، فان هذه الشركة الاخيرة لن تتردد في شراء المحرك الالماني الذي فهمت من مصادرنا الخاصة على انه اصبح كاملاً .
ورد جاك قائلاً: ولكن ماذا لو توفي مارسيل بسبب الاجهاد, فانك لن تستطيع اكمال المشروع في الوقت المناسب ايضا, ثم ماذا سيكون موقفك عندما تحضر زوجة مارسيل وتتهمك بانك السبب في وفاة زوجها؟ غير ان دوفال لم يقتنع بهذا القول اذ قال: هل من الافضل ان يحضر مستخدمو الشركة الى مكتبك شاكين من الاستغناء عن خدماتهم بسبب عدم توفر العمل في الوقت الذي يعلمون فيه اننا نعمل في مشروع لانتاج محرك جديد من شأنه ان يضمن لهم العمل لعقد من الزمن؟ .
ولم تنته هذه المحادثة الى نتيجة حاسمة, فالشركة هي حقا في امس الحاجة لهذا العقد لضمان مستقبل العمل فيها, ومن الجهة الثانية، فان مارسيل لو استمر في اجهاد نفسه وحدث له حادث، فان باستطاعة دوفال ان ينفي اللوم عن نفسه ويقول بأن مارسيل أصر على اجهاد نفسه حتى قضى الاجهاد عليه, ولكن هل يستطيع دوفال ان يتهرب من وخز ضميره لانه لم يمنع مارسيل من اجهاد نفسه؟ ومع ذلك فما دام مارسيل يرفض مقابلة الطبيب، فماذا يستطيع ان يفعل؟
ان دوفال في حيرة بين ضميره ومصلحة الشركة, ولكنه بشيء من التمحيص والتحليل سينجح ولا شك في الوصول الى حل, ولكن علينا قبل كل شيء ان نلقي نظرة على الاحتمالات التي امام مارسيل, فأولا قد يستطيع الاستمرار في عمله والنجاح في انجاز تصميم المحرك الجديد وعرضه على الشركة المشترية ومع ذلك البقاء على قيد الحياة.
وثانياً: قد يستمر في عمله ولكنه يلقى حتفه بسبب الاجهاد وضعف قلبه, وهذا امر ليس في مصلحة الشركة ولا في مصلحة مارسيل نفسه.
وثالثا قد يستمر هو في عمله وبغض النظر عن حالته الصحية، فقد لا يوفق في الاهتداء الى حل للمشاكل التي تواجه مشروع المحرك الكهربائي الجديد.
ويكون في هذه الحالة قد اقدم على مغامرة لا مبرر لها وبدون فائدة.
وهذه الاحتمالات الثلاثة ليس لمارسيل او دوفال ما يضمن نتائجها وكل شيء يعتمد فيها على الحظ, وهذا يعني ان مستقبل هذا المشروع الهام للشركة سيكون معلقا في الهواء، وهو امر لا يمكن قبوله من ناحية عمل الشركة, ولذا فان البديل لكل ذلك هو ان يقوم دوفال بالتصرف بحزم في الموضوع, فعليه ان يجابه مارسيل بالموقف ويقول له: اسمع يامارسيل, لقد انتهى بي الرأي الى ان تصرفك بالنسبة لمعاينة صحتك يبدو خاليا من المسؤولية، ومع انني اقدر اخلاصك للشركة ورغبتك في اتمام مشروعك بنجاح لانك تعتبر ذلك انتصارا شخصيا لك، الا انه يجب ألا يغيب عن بالك باننا رجال وليس بوسعنا ترك الامور كما هي, ولذا فاني اصر على قيامك بزيارة الطبيب, لانه بهذه الطريقة فقط نستطيع معرفة حقيقة حالتك الصحية وبالتالي التوصل الى قرار لا يخدم مصلحة الشركة وحسب بل ومصلحتك الشخصية ايضاً .
فاذا استمر مارسيل في اصراره على عدم زيارة الطبيب، فان على دوفال ان يذهب الى حد تهديده بالفصل ان هو رفض اجراء الفحص الطبي, اذ ان هناك بعض الاحوال التي تصل فيها الامور الى حد يكون التردد معه ضارا ويستوجب الحزم.
وفي حالة مارسيل، فاما انه يشعر بانه بطل لانه استمر في العمل دون ان يبالي بما قاله الطبيب عن سوء صحته واحتمال تعريض حياته للخطر بسبب الافراط في الاجهاد او انه يعاند في الذهاب الى الطبيب خشية ان يسمع ما لايسره.
ومهما كان الدافع له على رفض المعاينة الطبية فانه من الواجب ارغامه على ذلك.
فاذا قرر الطبيب بعد المعاينة بان مارسيل معرض للاصابة بنوبة قلبية، فليس امام دوفال عندها غير ان يوقفه فورا عن المضي في المشروع او ان يصر عليه ان يختصر عدد الساعات التي يعلمها فيه.
ولكن من الجهة الاخرى، فقد لا يكون وضع مارسيل الصحي بنفس القدر من السوء الذي توقعه الطبيب, فقد يكون قلبه ليس صحيحا كليا ولكنه مع ذلك لن يتأثر بالعمل بالمشروع، ثم ان مشروعا كهذا لا يتطلب وقتاً طويلاً وعليه فان مارسيل لن يتعرض للاجهاد الا لفترة قصيرة قد لا تكون ضارة, ثم لو حدث وتوفي مارسيل اثناء عمله، فليس من الضروري ان يكون ذلك بسبب الاجهاد.
وعلى دوفال بطبيعة الحال ان يقرر بنفسه عما اذا كان يشعر بان مارسيل هو حقا في وضع يسمح له بمواصلة العمل ام لا, فاذا كان يشعر في قراره نفسه بان مارسيل في وضع صحي لا يسمح له بالاستمرار في العمل كرئيس لاحد الاقسام، فقد يكون من الافضل ان يحاول التحدث اليه بصراحة في الموضوع واقناعه بالتقاعد.
وخلاصة القول ان على دوفال ان يقول لمارسيل بكل صراحة ودون لف او دوران بان التظاهر لا يفيد وان عليه ان يذهب حالا الى طبيب الشركة للمعاينة الطبية وان يعتبر قوله هذا بمثابة امر واجب التنفيذ.
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
لقاء
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved