Tuesday 28th September, 1999 G No. 9861جريدة الجزيرة الثلاثاء 18 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9861


عاصمة الجواسيس تصارع لتحقيق متطلبات دورها الجديد

* برلين- رويترز- د,ب,أ
بعد عشرة اعوام من انهيار سور برلين تصارع المدينة لتحقيق التزامات دورها الجديد كعاصمة لالمانيا ومتطلبات وضعها كمدينة عالمية في قلب اوروبا.
وقال ديتليف ايرلاتش 52 عاما وهو سائق سيارة اجرة من برلين الشرقية سابقا الذي يعمل الان على جانبي سور برلين الذي انهار في نوفمبر تشرين الثاني عام 1989 ستصبح برلين مدينة عالمية من جديد الا ان ذلك يتطلب عملا شاقا .
وتوحيد شطري برلين التي كانت مقسمة واستعادتها لمكانتها حقق انتعاشا فنياً وتكنولوجياً الا انه حول برلين ايضا الى اكبر موقع بناء في اوروبا .
وتفتقر ايضا عاصمة اغنى قوة في اوروبا لبعض المرافق الاساسية مثل مطار دولي كبير او خط للسكك الحديدية يمر داخل العاصمة على سبيل المثال.
وتأثر تطوير البنية الاساسية في برلين في الماضي مع شخصيتها فقد كانت مقسمة بين برلين الغربية العاصمة الرأسمالية والقطاع الشرقي عاصمة المانيا الشرقية الشيوعية.
وتحتم على برلين الغربية انذاك مد نفسها بالطاقة الكهربائية التي كانت متوفرة في برلين الشرقية وعجزت برلين الغربية عن استيرادها من الدول الغربية, اما برلين الشرقية فلم يتوفر بها نظام اتصالات هاتفية جيد.
ولا يوجد بالمدينة التي كانت بؤرة للحرب الباردة والتي يقطنها 3,5 ملايين نسمة سوى 52 الف فراش في فنادق مما يعني انه في حالة تنظيم احداث كبرى تكون كلها محجوزة.
والسفر الى برلين صعب وكثيرا ما يكون مكلفا فبالرغم من وجود ثلاثة مطارات هي تيجيل وتمبلهوف في الغرب وشوينفيلد في الشرق الا ان أياً منها لا يقارن في الحجم بمطارات العواصم الكبرى الاخرى كما ان الرحلات الجوية المباشرة محدودة.
وكانت برلين آنذاك هي عاصمة التجسس المليئة بالعملاء السريين من كل لون وجنس بعد ان واجهت الدبابات الروسية والامريكية بعضها البعض وجها لوجه في نقطة تفتيش تشارلي قبل 38 عاماً.
وبعد ان اصبحت الحرب الباردة مجرد ذكرى بعيدة الان فانه عادة ما يسمع من زوار برلين سؤالا، مفاده ماذا حدث لكل هؤلاء الجواسيس؟ هل احيلوا جميعا الى الاستيداع ام انهم ماتوا او تحولوا الى فائض حاجة او اصبحوا عملاء لشركات التأمين ام ماذا؟ الواقع ان بعضا منهم، كما تردد، مازال يعمل هنا او هناك.
غير ان الجو الحيوي المثير الذي كانت عليه عمليات التجسس في اواخر الخمسينيات وفي الستينيات، وقت ان كان رئيس الوزراء السوفيتي نيكيتا خروشوف يتخذ موقف المقاتل في سعيه لاجبار الحلفاء الغربيين على الخروج من برلين الغربية، لم يعد قائما.
فقد كانت هناك اوقات يتم فيها اقتلاع الافراد من الشوارع في وضح النهار وارغامهم على دخول سيارات عملاء روس او عملاء لجهاز مخابرات المانيا الشرقية ستاسي والدخول بهم بسرعة الى القطاع السوفيتي من المدينة، حيث يستحيل بعد ذلك رؤية هؤلاء الرهائن احياء.
ان اشباح تلك الايام، لها اولويات مختلفة وتعمل ربما وفق مجموعة جديدة من القوانين, فشخصيات التآمر التجسسي التي صورت بشكل مثير في روايات جون لوكاريه ولين ديتون اصبحت بمثابة نسل يحتضر، ذلك اذا كان مازال لها وجود على الاطلاق.
ففي الخمسينيات والستينيات والسبعينيات كانت وكالات المخابرات الغربية منهمكة اساسا بتتبع التحركات العسكرية السوفيتية في دول حلف وارسو آنذاك، وتحديد المواقع السرية لمنصات اطلاق الصواريخ وتدبير المؤامرات والانقلابات والعمل على ارتداد الجواسيس الروس او تحويلهم الى عملاء مزدوجين.
وفي نفس الوقت كان عملاء جهاز مخابرات الشرق ستاسي يسعون الى اغواء سكرتيرات الحكومات الغربية وسرقة ملفات حلف شمال الاطلنطي الناتو واختراق اروقة القوى الوزارية في المانيا الغربية.
لقد مرت تلك الايام, اما اليوم فان الجواسيس في الشرق والغرب اختفت وجوههم بدرجة اكبر حيث اصبحت عمليات التجسس في غالبيتها مرتبطة بالتجسس الصناعي او ملاحقة مهربي الاسلحة النووية او تحديد النوايا المقبلة للارهابيين الدوليين.
وقد تغيرت برلين التي ظلت على مدى عقود مسرحا للكثير من عمليات التجسس، بعد اعادة توحيد المانيا.
فلم يعد التآمر التجسسي مدرجا على جدول الاعمال كما كان في السابق.
والحقيقة انه مع سحب القوى الاربع الكبرى لقواتها من المدينة في آب اغسطس من عام 1994، اختفى معظم الجواسيس من الساحة.
ولم تعد للمدينة شهرتها وسمعتها السيئة التي ربطتها بالجواسيس, وتراجع بالتالي منذ عدة سنوات، الاهتمام بقصص وروايات التجسس.
غير ان الموجة الاخيرة لافشاء الاسرار في الكتاب الاسود لجهاز المخابرات السوفيتية كي,جي,بي الذي شارك في تأليفه كل من كريستوفر اندروز وهو استاذ في جامعة كامبردج وفاسيلي ميتروخين وهو موظف ارشيف في جهاز كي,جي,بي السابق يحمل رتبة كولونيل، قد اثارت نوبة حنين مفاجئة الى ماضي التجسس هنا.
وكان ميتروخين قد وصل الى لندن في عام 1994 مسلحا بثروة من وثائق كي,جي,بي السرية التي ساعده جهاز المخابرات الخارجية البريطاني على الفرار بها من موسكو.
وقد ظهرت بعض مقتطفات النسخة الانجليزية من الكتاب مؤخرا في صحيفة التايمز مما اثار موجة هوس بالتجسس.
وجاء الدور هذا الاسبوع على المانيا, وخلال وجوده في برلين هذا الاسبوع لطرح النسخة الالمانية لهذا الكتاب، لم يضيع مؤلف الكتاب كريستوفر اندروز وقتا في اغراق النقاد الادبيين بقصص حول الايام الجيدة والسيئة الماضية للتجسس في برلين القوى الاربع .
وتتعلق احدى رواياته بهروب جون بيت الى برلين الشرقية في عام 1951.
وكان بيت يعمل مراسلا في السابق لوكالة انباء رويترز وتردد انه وقع على اخر تقاريره الصحفية الى لندن قائلا هذه هي آخر رسالة لي من برلين الغربية, انني ذاهب الى الشرق .
وبعد ذلك بقليل بدأ بيت وهو شيوعي متزمت في اصدار نشرات دعائية باللغة الانجليزية يهاجم فيها اعادة تسليح المانيا الغربية، ويطرح روايات حول تولي النازيين القدامى مواقع ومناصب في المانيا الفدرالية.
وتظهر وثائق كي,جي,بي بوضوح ان بيت قد تم اغواؤه من جانب عملاء للذهاب الى برلين الشرقية، غير انه قاوم محاولات الشرق التي استهدفت تحويله الى جاسوس.
وفي وقت لاحق تم وضع اقراص في قهوته ثم اخضع كما قال لمدة ثلاثين دقيقة لضغوط من جانب متخصصين نفسيين ووافق في النهاية على التعاون في ترويج دعاية معادية للغرب .
وقد توفي بيت في برلين الشرقية في اواخر الثمانينيات، غير انه كان على صلة دائمة مع المراسلين البريطانيين المتمركزين في المدينة المقسمة آنذاك.
وقد وصفه هؤلاء المراسلون بانه مصدر موثوق خلف حائط برلين وشككوا في انه كان جاسوسا نشطا للشرق على الاطلاق.
وفي اغلب الحالات يشير اندروز وميتروخين فقط الى الاسماء السرية للعملاء الالمان المزعومين الذين عملوا لصالح جهازي مخابرات كي,جي, بي و ستاسي ابان فترة الحرب الباردة، تاركين بذلك لمسئولي برلين التفكير بتمعن في الشخصية الحقيقية لاحد سياسيي الحزب المسيحي الديمقراطي ببرلين واحد نواب البرلمان المحلي ممن كانوا يشيرون اليهما على انهما متآمران.
ويزعم كتاب اندوز- ميتروخين ان فيلي برانت اول مستشار الماني من الحزب الاشتراكي الديمقراطي كان مستعدا، من منفاه في النرويج ابان الحرب، في تزويد الدول المشاركة في قتال المانيا النازية، بمعلومات,
وزعم مؤلف الكتاب ان برانت زود في احدى المناسبات عملاء موسكو بمعلومات بان السفينة الحربية الالمانية تيربيز قد غادرت تروندهايم بالنرويج في مهمة لمهاجمة قوافل سفن في بحر الارتيك, وقال المؤلف ان برانت وقع في وقت لاحق ايصالا بمبلغ 500 كرونة نرويجية ربما لتغطية نفقاته .
وفي لندن اثارت عملية نشر وثائق كي,جي, بي نوبة غضب حيث زعم احد النقاد ويدعى يان ايتكين انها لم تقدم شيئا سوى محيط واسع لعصيدة لا نكهة لها، زينت بقليل من المربى.
ومع ذلك فان ما كشف عنه الكتاب، قد اعقبته شائعات تلفزيونية جديدة حول الاعمال القذرة التي يتصل بعضها بشباب بريطاني تم خداعه في اداء مهام بحثية لجهاز ستاسي اثناء دراستهم في المانيا الشرقية.
وقد دفع ذلك بالجاسوس المتمرس ماركوس فولف والذي خدم 30 عاما كرئيس المخابرات الخارجية في المانيا الشرقية، الى توجيه نداء عام لاسدال ستار على كافة فضائح الجاسوسية القديمة .
واكد فولف ان الخوض في قصص الخديعة انما يجعل من الصعب على الاعداء الايديولوجيين القدامى، التعاون مع بعضهم البعض حاليا.
وقال فولف دعونا نضع نهاية لعمليات افشاء الاسرار لانها تجعل، في المانيا، من عملية اعادة التوحيد الحقيقية- اعادة التوحيد النفسي- اكثر صعوبة .
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
لقاء
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved