Friday 1st October, 1999 G No. 9864جريدة الجزيرة الجمعة 21 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9864


تصدير النفط السوداني,, لأول مرة
نظرة على الماضي,,وآفاق المستقبل

بدءاً من اول سبتمبر 1999 يكون السودان بلداً مصدراً للنفط لاول مرة في تاريخه,, بعد عشرات السنين من اعمال البحث والتنقيب والاستكشافات، التي كانت تعترضها اضطرابات اقتصادية مزعجة وقلاقل سياسية مربكة وحرب اهلية بين الشمال والجنوب,, فضاعت الفرص، الواحدة تلو الاخرى لاستخراج النفط، ليتدفق راوياً عطش الاقتصاد مشبعاً حاجات الشعب السوداني الطيب الصبور.
اكتشف النفط لاول مرة في السودان سنة 1950 على الشاطىء الساحلي المطل على البحر الاحمر، وقيل وقتها ان الدراسات افادت عدم جدوى استخدامه لان الكميات غير تجارية , وفي ضوء هذه النظرة تراخت ثم توقفت عمليات البحث او استخدام النفط، انتظاراً لفترة زمنية افضل، خاصة وان سعر برميل النفط وقتئذ كان رخيصاً والاستهلاك لم يكن كبيراً، والعرض اكثر من الطلب.
ولكن عاد الاهتمام بالتنقيب عن النفط في السودان عام 1957، بعد الاستقلال السياسي, وخلال المساحة ا لزمنية الممتدة حتى عام 1967، حصلت عدة شركات بترولية عالمية على عقود امتياز من الحكومة السودانية للتنقيب والبحث على امتداد الساحل السوداني, وتضمنت قائمة هذه الشركات الآتي:
- شركة آجيب الايطالية- AGIP.
- شركة اوشيانك اويل كومباني OCEANIC OIL الامريكية.
- شركة ديجنا السودانية -DEGNA
ومن اهم الاعمال التي قامت بها آجيب الايطالية اعمال المسح السيزمي لحوالي 12800 كيلو متر مربع وحفر ما يقرب من 6 حقول استكشافية بعمق يبدأ من 5100 قدم الى عمق 13600 قدم، وذلك ضمن عقد الامتياز الخاص بها والذي يشمل الجزء الشمالي من الساحل على البحر الاحمر.
وكانت اعمال شركة اوشيانك اويل الامريكية اقل نشاطاً من منافستها الايطالية، حيث قامت باعمال مسح سيزمي لمساحة قدرها 2434 كيلو متر مربع، بينما حفرت حقلاً استكشافياً واحدا فقط وبمشاركة شركة تكساس ايسترن الامريكية TEXAS EASTERN.
وفي اعقاب نكسة يونيو 1967 ران الصمت على الحفارات وسكتت المضخات والروافع، وبدأت الشركات البترولية في السودان تترقب الاحداث بحذر، خصوصاً مع الاضطرابات الداخلية وقيام الانقلاب العسكري الذي استولى فيه اللواء/ محمد جعفر نميري على السلطة السياسية في البلاد، ثم ما تبع ذلك من انقسامات داخل مجلس قيادة الثورة، والتي القت بأثرها على حيوية الاقتصاد السوداني.
ولكن عادت الامور للتحسن عام 1974، وكان النظام السوداني آنذاك قد استقر بعض الشيء,, وجاءت للعمل في السودان، شركة شيفرون الامريكية SHEVRON وهي من الشركات البترولية العملاقة ذات السمعة العالمية الطيبة، وقد منحتها هيئة البترول السودانية اتفاقاً متميزاً للتنقيب والبحث عن النفط في المنطقة الوسطى من الساحل السوداني على البحر الاحمر.
وقد بلغ حجم مساحة امتياز شيفرون ما يربو على 516000 كيلو متر مربع في البلوك المسمى موجلاد- MUGLAD ثم البلوك الثاني الذي اطلق عليه ميلوتس- MELUTS .
وحققت العمليات البحثية لشيفرون نجاحات ذات شأن في تلك الفترة من نفط وغاز، تكشفت عن العروق البترولية بمناطق امتيازها, فظهر الغاز ومكثفاته بحقل بشاير 1 وحقل سواكين 1 وهو على مبعدة اربعين كيلو مترا فقط من الحدود مع اثيوبيا.
وبسبب نمو العلاقات بين شيفرون والحكومة السودانية,, وافقت هيئة البترول السودانية على منح شيفرون منطقة امتياز جديدة تتضمن مساحة بحث وتنقيب قدرها 7300 كيلو متر مربع في منطقة النيل الازرق وهي بلوك باجارا في الجنوب الشرقي من البلاد, وقد نتج عن عمليات البحث في هذا البلوك، اكتشافات النفط من حقلي هجليج و الوحدة خلال الاعوام 1980 و 1982.
وفي ذات العام 1974، وقعت هيئة البترول السودانية اتفاقية بحث وتنقيب مع شركة توتال الفرنسية TOTAL DE FRANCE وهي من كبريات الشركات الفرنسية في مجال صناعة البترول.
كما منحت هيئة البترول السودانية امتيازاً ثالثاً الى شركة يونيون تكساس الامريكية- UNION TEXAS ، وفيما يبدو ان كليهما لم تحقق نجاحاً له شأن من عمليات البحث والتنقيب,, فقامت شركة توتال الفرنسية باعادة حقوق الامتياز الخاصة بها الى هيئة البترول السودانية,, ثم جاءت الشركة الدولية للبترول- I N T E R N A T I O N A L OIL C O وهي مجموعة دولية من المستثمرين لتشتري من هيئة البترول السودانية حقوق الامتياز التي كانت تحت يد توتال فيما سبق، وذلك عام 1991 فتحقق نجاحات طيبة سوف نذكرها في السياق.
وعند تقييم الاكتشافات من نفط وغاز في هذه المرحلة,, فسوف نجد انها مرحلة لها اهمية وتمثل منعطفا تاريخيا بالنسبة لحركة الكشوف البترولية في السودان.
ولعل ابرز الملامح هي كثرة عدد الاكتشافات وتنوع مستويات الحقول من ناحية حجم الاحتياطي والمكامن النفطية واعمال الحفر.
* فهناك مجموعة اكتشافات صغيرة مثل حقل ابو جبرا وحقل شرف .
* وهناك مجموعة اكتشافات كبيرة مثل حقل الوحدة وحقل هجليج وسنلاحظ ان حقل الوحدة قد اكتشف عام 1980 وبحجم 30 الف برميل/ يومياً اما حقل هجليج فقد وصل حجم الانتاج منه الى 25 الف برميل/ يومياً.
* وهناك مجموعة اكتشافات ذات المستوى المتوسط مثل حقل عدار وحقل ييل وهما من ضمن منطقة بلوك ميلوتس على بعد 400 كيلو متر من جنوب العاصمة الخرطوم, ويصل الانتاج اليومي لحقل عدار على سبيل المثال الى احد عشر الف برميل/ يومياً.
ثم اشتعلت الاضطرابات السياسية مرة اخرى عام 1984 وزادت وتيرتها يوماً بعد يوم حتى وصلت الى مستوى الحرب الاهلية بين قوات المتمردين في الجنوب وبين الحكومة المركزية في الشمال,, مع تحذيرات مستمرة من القوات المتمردة بضرب المنشآت وحقول البترول التي تعمل بها شركات اجنبية.
وادى ذلك الى انكماش حجم العمليات للشركات الاجنبية وانسحاب بعضها وتعليق البعض الآخر لاعماله لحين حدوث تغيرات ايجابية تسمح بالاستقرار وعودة الهدوء لمناطق العمليات.
وبالفعل حدث قدر من التحسن النسبي في بداية عقد التسعينات.
وفي عام 1991 اتت من جديد بعض الشركات البترولية للعمل في السودان وهي:
* الشركة الدولية للبترول- I N T E R N A T I O N L OIL CO
* شركة اراكيس اينرجي الكندية- ARAKIS ENERGY.
* شركة توتال الفرنسية- TOTAL DE FRANCE
* الشركة الصينية للبترول- CHINA OIL CO.
* شركة الخليج الدولية- القطرية.
وقد استفادت هذه الشركات من الخرائط والمعلومات الجيولوجية والسيزمية التي تركتها شركة شيفرون ضمن عملياتها التقنيبية السابقة, ويمكن ان نقول ان هذه الموجة الجديدة من الشركات قد وجدت ارضاً ممهدة وواقعا اكثر وضوحاً مما ساعدها على تحقيق اكتشافات افضل فيما اتى من ايام.
وسوف نركز فيما يلي على عقد الامتياز الذي منحته هيئة البترول السودانية لشركة اراكيس اينرجي الكندية لانه من زاوية يعتبر اهم واكبر العقود الموقعة مع شركة بترولية دولية,, ولان هذا العقد- من زاوية اخرى- قد اثار عواصف كثيرة من الانتقادات.
كانت اراكيس اينرجي شركة من المستوى المتوسط، تعمل في فانكوفر بكندا وقام بتقديمها الى هيئة البترول السودانية، بعض الوسطاء العرب,, الذين تمكنوا بسبب نفوذهم من الحصول على عقد شديد التميز لاراكيس ويعتبر صفقة العمر بالنسبة لها,, فلقد تضمنت بنود اتفاقية الامتياز الآتي:
* مساحة شاملة تماثل ربع مساحة اراضي السودان.
* عقد مقفول لمدة ثلاثين سنة ويمكن زيادتها الى اربعين سنة.
* للشركة حق بيع الاحتياطي كسندات لمساهمي شركة اراكيس.
* يتسع الاتفاق لقيام اراكيس بانشاء خط انابيب لنقل النفط المستخرج الى ميناء التصدير على البحر الاحمر.
وكذلك انشاء مصفاة تكرير لاستيعاب جزء من النفط المستخرج حتى يعوض فاتورة استيراد المنتجات البترولية التي يتم استيرادها من الخارج لتلبية احتياجات السوق المحلية السودانية، والتي تصل فاتورتها الى حوالي 300 مليون دولار.
والتاريخ المعروف عن مسيرة حياة اراكيس اقل بكثير من التاريخ السري لمشروعاتها في السودان، ولكن بالتأكيد هناك من استفاد كثيرا من الغموض الذي احاط بعمليات هذه الشركة.
وعندما زاد اللغط حول اراكيس,, ظهر كيان آخر حل محل هذه الشركة فيبرز اسم تاليسمان وذلك ضمن اطار كونسورسيوم جديد بالهيكلية الآتية:
* تاليسمان الكندية بحصة قدرها 25%.
* هيئة البترول الصينية بحصة قدرها 5%.
* شركة بتروناس الماليزية بحصة قدرها 30%.
* شركة سودابت وهي تمثل مصالح هيئة البترول السودانية بحصة قدرها 5%.
وتمكن هذا الكونسورسيوم من العمل بكفاءة خلال السنوات الماضية وقيامه بتشغيل حقول الوحدة و هجليج والتي تضخ حاليا ما يقرب من 180 الف برميل يوميا.
كما اشرف الكونسورسيوم على انشاء خط الانابيب الذي يحمل النفط الى مسافة 1610 كيلو متر نحو ميناء بشائر البترولي الذي يطل على البحر الاحمر، ويمكن لخط الانابيب ضخ 250000 برميل/ يومياً ويمكن زيادتها الى 450000 برميل/ يومياً.
وقدم الصينيون العمل الاساسي في بناء الخط، وقطر الانبوب 28 بوصة وتخرج منه وصلتان، الاولى نحو مصفاة تكرير الخرطوم قرب العاصمة، والوصلة الثانية لمصفاة تكرير الابيض شمال ولاية كردفان, وقد بلغت تكلفة خط الانابيب 700 مليون دولار.
والحاصل ان مستقبل السودان البترولي واعد,, والاحتياطي يبشر بأن يكون السودان، البلد الاول على قائمة الدول الافريقية المنتجة للنفط.
ولكن هذا المستقبل يحتاج الى بناء كبير لقاعدة صناعية بترولية قوية.
فيد التطوير يجب ان تمس هيئة البترول السودانية، سواء في الكوادر الذين يحتاجون الى تدريب واعلاء للكفاءة، او تطوير الاجهزة الموجودة في الهيئة وتحديثها لتواكب التطورات الكبيرة التي حدثت في الصناعة العالمية للبترول وفي كافة جوانبها من استكشاف وانتاج وتكرير وتسويق وتوزيع.
ربما يحتاج الامر انشاء معهد سوداني وطني لتخريج كوادر من الجيولوجيين حتى يتوازن مع الدعوة للانفتاح على الاستثمارات الاجنبية والتي ستنجذب لقطاع البترول السوداني بعد ان تم تصدير اول شحنة من النفط تدشيناً لعهد جديد بالنسبة لامكانيات السودان البترولية.
وعن الحديث عن الاستثمارات الاجنبية، فان هيئة البترول السودانية اعلنت عن فتح الابواب امام البيوت المالية والمؤسسات المصرفية والشركات البترولية العالمية، وقد سبق للدكتور/ جون دور وزير الطاقة السوداني ان قال: ان هناك كميات كبيرة من النفط بحاجة الى الاكتشاف، وان كلفة انتاج البرميل في السودان هي من ادنى المستويات في العالم، وهو اغراء كبير للشركات الاجنبية لتأتي الينا وتستثمر ويضيف السيد/ حسن التوم المدير العام المخضرم الذي عاصر عهوداً سياسية مختلفة: نحن مفتوحون للشركات الامريكية، ولن نرى اي صعوبات ستواجهنا بسبب اجراءات المقاطعة من جانب حكومة الولايات المتحدة الامريكية , وبطبيعة الحال,, فان الاستقرار السياسي هو مفتاح الحكومة السودانية لتنطلق في خططها نحو بناء قاعدة صناعية بترولية تكون انطلاقة لتنمية حقيقية في البلاد بعد سنوات الشظف والفتن والاضطرابات الداخلية بين كل الفقراء في السودان.
عمرو كمال حمودة
مدير مركز الفسطاط للدراسات
باحث في شئون النفط والطاقة

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved