كلمة صغيرة في حجمها، قليلة في حروفها، ولكنها كبيرة في دلالتها، عظيمة في المكانة عند الله,, لأنها تعني كلمة الإخلاص مع الله، اخلاص المعتقد، وصدق العمل، ويقين الوجدان، واخلاص العمل والصدق فيه ظاهراً وباطناً.
ولكي يحقق الانسان ثواب لا اله الا الله، ويتنعّم بجزاء من جاءت التوجيهات الشرعية، من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مبشّرة له بالفضل والمنزلة، فإنه ينبغي أن يكون قوله لشهادة ألاّ إله الاّ الله، وأن محمداً رسول الله، محققاً لشروطها، وعمله مؤدياً التزاماتها.
ذلك أن هذه الشهادة هي المدخل الأول لعقيدة الاسلام، والانضواء تحت رايته, لقوله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألاّ إلا الاّ الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم الا بحقها).
وقد فهم أبوبكر رضي الله عنه، حقّ لا لله الا الله، وأن محمداً رسول الله، بعدما تولى الخلافة، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجهز الجيوش لغزو المرتّدين، ولما جاء اليه عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، مستنكراً كيف يقاتلهم وهم يقولون هذه الشهادة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، قد قال: بأن من قالها عصم دمه، فهم بذلك معصومو الدم ولا يجوز قتالهم, فردّ عليه أبوبكر بقوله: أشجاع يا ابن الخطاب في الجاهلية، خوّار في الإسلام، اكمل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: (الا بحقّها),, وإن الزكاة من حق لا إله الا الله، والله لو منعوني عناقاً - وفي رواية - عقالاً كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه.
عند ذلك قال: فأدركت أن أبابكر رضي الله عنه، أفقه مني.
وما ذلك الا أن الاسلام وحدة متكاملة، لايتجزأ، ولا يحقّ للمؤمن أن يكون كبني اسرائيل المتمرّدين على شرع الله، الذين يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض، وهو كالبناية لا يمكن دخولها الا مع الباب، والباب لا يولج الا بعد فتحه.
ومثلما أن شهادة الوحدانية مع الله، والاعتراف برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ثمّ اتباع ما جاء به، وما أمر به، واجتناب ما عنه نهى وزجر، ومعرفة ذلك لا يتم الا بالتلفظ بها نطقاً يسمع، وعملاً يتحقق به صدق الإيمان مع الفهم بمدلولها صدقاً واخلاصاً ويقيناً.
وأسامة بن زيد لمّا كان في إحدى السرايا، رفع سيفه على رجل في صفوف المشركين، فقال لا إله الا الله محمد رسول الله، وشهد بذلك نطقاً يسمع ولفظاً يعبّر، فأهوى عليه بالسيف وقتله، وأُخبر صلى الله عليه وسلم بذلك فبان الغضب في وجهه، وصار يعاتب أسامة، وهو حبّ رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أقتلته بعد أن قال لا إله الا الله؟ كيف بك إذا جاءتك لا إله الا الله تحاجّك أمام الله، هل شققت صدره، هل تدري ما في قلبه؟؟!
وأسامة يعتذر ويقول: يا رسول الله إنما قالها خوفاً من القتل، ثم ما زال المصطفى يردد عليه هذا العتاب، فقال أسامة: وددت أن أمي لم تلدني,.
هذا الموقف نأخذ منه، بأن لهذه الشهادة حرمة، ولها مكانة كبيرة، وأن المعوّل عليه، هو ما يضمره الإنسان في وجدانه ومثل هذا من كذّب القرآن، أو شك فيه، أو سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كذب شيئاً من رسالته او غير هذا مما جعله علماء الإسلام من سلامة قلب، ينبىء عن الإخلاص، ويقين يدفع الى حسن العمل، وصدق يترتب عليه اهتمام بتحرّي الصواب لاتّباعه، وتتبع لمسارب الشعر، ومن ثم اجتنابه لها.
ومن خالف باطنه ظاهر عمله، لم تنفعه هذه الشهادة، فالمنافقون يقولون لا إله الا الله وهم في الدرك الأسفل من النار، واليهود والنصارى يقولونها، ولكنهم لم يحققوا مدلولها، حيث يشركون بالله، فاليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يقولون المسيح ابن الله، أو هو الله، أو ثالث ثلاثة.
وشروط لا إله الا الله، التي يجب على كل مسلم، تحقيقها، والعمل بمقتضاها ثمانية، نظمها بعضهم، حتى يسهل حفظها، ومعرفتها بقوله:
علم يقين، وإخلاص وصدقك مع محبة وانقياد والقبول لها وزيد ثامنها الكفران منك بما سوى الإله من الأشياء قد ألها |
- فالأول العلم وهو ينافي الجهل، وذلك بأن تعلم حقيقتها وما تدل عليه، وما يستوجبه هذا العلم من تطبيق للمدلول.
- الثاني: اليقين، ومحل اليقين القلب، وهذا اليقين ينافي عمل المنافقين، فهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم.
- الثالث: الاخلاص، واليقين الراسخ في القلب، يدفع الى الإخلاص في العمل، وان يقصد به وجه الله ابتغاء رضاه سبحانه، واجتناب غضبه، لأن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه، لا رياء فيه ولا سمعة.
- الرابع: الصدق، والصدق ينافي الكذب، لأن المنافقين كاذبون في قولها، ويتربّصون بالمؤمنين الدائرة، واليهود والنصارى، والمشركين كاذبون في قولهم لها، لأنهم يجعلون لله شريكاً في المعتقد، وشريكاً في العمل، والله أغنى الشركاء عن الشرك.
- الخامس: المحبة لهذه الكلمة، التي هي كلمة التوحيد، شهادة لله بذلك، وإخلاصاً له في العمل، وشهادة لرسوله صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وهذا يستوجب طاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر.
- السادس: القبول لهذه الشهادة التي تخصّ الله سبحانه بالوحدانية، وتعترف لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لأن دلالة الشروط السابقة، تقتضي القبول، وليست لفظاً يمرّ على اللسان ويخالفه العمل، فالمحبة والقبول متلازمتان، في الجذور، التي موطنها القلب، لأن من أحب شيئاً قَبِل ما يدل عليه، وما يدعو إليه، وصار العمل المؤدي إلى ذلك الأمرالمحبوب، مقبولاً ترتاح اليه النفس، وتنجذب إليه الأحاسيس.
- والسابع الانقياد، وهو الإستجابة والطواعية في العمل، والذي حرص على هذه الشهادة، المدخل الأول لدين الاسلام، والعلامة الظاهرة للمسلم، لابد أن يحقق ذلك بالانقياد لتعاليم هذا الدين، والعمل بطواعية وحسن استجابة، ورغبة في ما عند الله، لأنه شهد له بالوحدانية، وهي أفضل الكلام على الإطلاق، وأساس الملّة.
- الثامن: الكفر بما يعبد من دون الله، والعبادة تعني القول والعمل,, فمن نذر لغير الله، ومن ذبح لغير الله، ومن دعا غير الله، ومن سجد لغير الله، بل من صرف أي نوع من العبادات التي لا يستحقها إلا الله، وصرفها لغيره، فقد أبعد النجعة وابتعد عن أداء شرط لا إله إلا الله محمد رسول الله.
ومثل هذا من كذّب القرآن، أو شك فيه، ولو بجزء منه أو سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كذّب شيئاً من رسالته أو غير هذا مما جعله علماء الإسلام من الأعمال الشركية، فإن من يريد تحقيق دلالة هذه الكلمة، عليه أن يعرف معناها، حيث تعني أنه لا معبود بحق إلاّ الله وحده، وعدم الشكّ بصحة الشهادة، والإخلاص لله في ذلك وحده، والصدق بالقلب واللسان مع المحبة لشرائع دين الاسلام، التي تدل عليها هذه الشهادة، والبراءة من عبادة غير الله، واعتقاد بطلان ذلك,ونبذ الشرك، وبغض أهله.
وقد وردت أحاديث كثيرة، فهمها بعض المتساهلين في أداء حق الله غير ما هي مقصودة بعمق المعنى، المؤيد بصدق العمل، وهذا من الأماني التي يمتهنها العاجزون والمتسوّفون، والمنافقون والمشكّكون، وأرادوها حجة لهم بدون عمل يقرّبهم الى الله.
منها حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، الاّ حرّمه الله على النار) قال معاذ: يا رسول الله، الا أخبر بها الناس فيستبشروا؟, قال: (إذاً يتّكلوا) فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً) متفق عليه, وعند مسلم عن عبادة مرفوعاً: (من شهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله حرّم الله عليه النار).
وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك,, وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنة) رواه مسلم.
وغير هذه من الأحاديث التي تأتي في فضل لا إله الا الله.
وإن أحسن ما قيل، في هذا المعنى ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وغيره من علماء المسلمين المدركين لشروط لا إله الاّ الله، فهو يقول: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت مقيّدة، وقالها مخلصاً من قلبه مستيقناً بها قلبه، غير شاكٍّ فيها بصدق ويقين، فإن حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة.
فمن شهد أن لا إله الا الله خالصاً من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب الى الله تعالى، بأن يتوب من الذنوب توبة نصوحاً، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك,, فإنه قد تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا اله الا الله، وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرّة, وتواترت بأن كثيراً ممن يقول: لا إله الا الله يدخل النار، ثم يخرج منها, وتواترت بأن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلّون ويسجدون لله وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله الا الله، ومن شهد أن لا إله الا الله، وأن محمداً رسول الله,, لكن جاءت مقيّدة بالقيود الثّقال، واكثر من قالها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين ومن لا يعرف ذلك يُخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت، فيحال بينه وبينها، واكثر من يقولها، إنما يقولها تقليداً أو عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه, وغالب من يفتن عند الموت، وفي القبور أمثال هؤلاء، كما في الحديث: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد، واقتداء بأمثالهم، وهم اقرب الناس من قوله تعالى: (إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون) (73 الزخرف), وحينئذ فلا منافاة بين الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين، يوجب ان يكون الله أحب اليه من كل شيء، ولم يكن مصرّاً على ذنب أصلاً، ولذا لايبقى في قلبه إرادة لما حرم الله، ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك,, فإن هذا الإيمان، وهذه التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة، وهذا اليقين، لا يتركون له ذنباً إلاّ يمحى، كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك الأكبر، والأصغر، فهذا غير مصرٍّ على ذنب أصلاً، فيغفر له، ويحرم على النار، وإن قالها على وجه خلص به على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك,, فهذه الحسنة لايقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، فيحرم على النار، ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه,, وهذا بخلاف من رجحت سيئاته على حسناته، ومات مصرّاً على لك,, فإنه يستوجب النار، وإن قال لا إله الا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك بسيئات، رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصاً لكنه أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص، فأضعفته، وقويت نار الذنوب، حتى أحرقت ذلك، بخلاف المخلص المستيقّن، فإن؟ حسناته لا تكون إلاّ راجحة على سيئاته، ولايكون مصرّاً على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة.
وإنما يُخاف على المخلص، أن يأتي بسيئات راجحة، يضعف معها إيمانه فلا يقولها بإخلاص ويقين، مانع من جميع السيئات,, ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر فان سلم من الاكبر بقي معه من الاصغر فيضيف الى ذلك سيئات تنضم الى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله الا الله، فيمتنع الإخلاص، أي الإخلاص في القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسّن صوته بالقرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة.
فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة، تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت الذنوب، ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن الى الباطل، واستحلى الرّفث، ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها، قال بلسانه ما ليس في قلبه، وبغيه ما لا يصدّق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمنّي ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، فمن قال خيراً وعمل خيراً قُبِل منه، ومن قال شراً، وعمل شراً لم يُقبل منه.
ثم قال رحمه الله: والحاصل أن لا إله الا الله، سبب لدخول الجنّة، والنجاة من النار، ومقتضٍ لذلك، ولكن المقتضى لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد يتخلّف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع ولهذا قيل: إن ناساً يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال: من قال لا إله إلا الله فأدى حقوقها، وفرضها، دخل الجنة.
وكلامه رحمه الله وكلام العلماء في فضل لا إله إلا الله، ومكانتها في جوهر العبادة، كثير، ولكنهم رحمهم الله فهموا شروط لا إله إلا الله، وما لها من حقوق يجب ان تتمكّن من قلب من يتلفظ بها، ويعمل بمقتضاها,, ولذا قال وهب بن منبه، لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: بلى, ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلاّ لم يفتح.
ويدل على ذلك أن الله رتّب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، وكذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين عن ابي أيوب: أن رجلاً قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة؟ فقال: تعبدالله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم, وحديث بشر بن الخصاصية قال: جئت أبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فاشترط عليّ شهادة الا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن أقيم الصلاة، وأوتي الزكاة، وأن احج حجة الاسلام، وأن اصوم رمضان، وأن أجاهد في سبيل الله، فقلت: أما اثنتين فوالله ما اطيقهما: الجهاد والصدقة, فقبض رسول الله يده ثم حركها وقال: (فلا جهاد ولا صدقة، فبمَ تدخل الجنة إذاً: قلت: أبايعك يا رسول الله عليهن كلهن,, وفي هذا الحديث دليل على أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة، مع حصول التوحيد والصلاة والصيام والحج.
وأنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد وبالعكس، وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلاّ إذا كان خالصاً لله تعالى, والله الموفق.
مسلم يحتال على قريش:
أسلم الحجاج بن علاط السّلمي، ولم تعلم قريش بإسلامه، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر في أن يصير إلى مكة، فيأخذ ما كان له من مال، وكانت له أموال متفرّقة هناك، وهو رجل غريب بينهم، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني احتاج ان أقول: فقال له: قل فصار إلى مكة, فقالت قريش: هذا لعمرو الله عنده الخبر، قال: فقولوا، فقالوا: بلغنا أن القاطع قد خرج الى أهل خيبر، فقال الحجاج: نعم فقتلوا أصحابه قتلاً، لم يسمع بمثله، وأخذوه أسيراً، فقالوا: نرى ان نكارم به قريشاً، فندفعه إليهم، فلا تزال لنا هذه اليد في رقابهم، وإنما بادرت لجمع مالي، لعلي اصيب به من فلّ محمد واصحابه - يريد غنائمهم -، قبل ان يسبقني إليه التجّار، ويتّصل بينهم الحديث فاجتهدوا في أن جمعوا إليه ماله، اسرع جمع وسرّوا أكثر السرور، وقالوا بلا رُغم, وأتاه العباس بن عبدالمطلب، وهو كالمرأة الواله,, فقال: ويحك يا حجاج ما تقول؟ فقال: أكاتم عليّ خبري؟
فقال: أي والله: فقال: فالبث عليّ شيئاً حتى يخف موضعي.
ثم سار إليه فقال له: الخبر والله على خلاف ما قلت لهم، خلّفت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فتح خيبر، وخلّفته والله معرّساً بابنة ملكهم، وما جئتك الا مسلماً، فاطو الخبر ثلاثاً، حتى أُعجز القوم ثم أشعه فإنه والله الحق.
فقال العباس - عم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويحك!,, أحقٌّ ما تقول؟ قال: أي والله، فلما كان بعد ثلاثة أيام تخلّق العباس - اي تطيّب، وطلى ثوبه بالخلوق وهو الطيب الفاخر - وأخذ عصاه، وخرج يطوف بالبيت؟
فقالت قريش: يا أبا الفضل,, هذا والله التجلّد - أي التحمل والصبر -,فقال لهم العباس: كلاّ ومن حلفتم به، لقد فتح رسول الله خيبر، وأعرس بصفية بنت حييّ، ابنة ملكهم وغنيّهم حيي بن اخطب.
فقالوا له: ومن أتاك بهذا الحديث؟! فقال العباس: الذي أتاكم بخلافه، ولقد جاءنا مسلماً, ثم أتت الأخبار من النواحي بذلك, فحزنت قريش، وقالوا: أفلتنا الخبيث، وأولى له - وهي كلمة تهديد وتوعّد - (الكامل للمبرد 1: 207).