*في مقابلاتك، قلما تتحدث عن كتبك التي تكون في مرحلة اعدادها,لماذا؟
لانها تنتمي الى حياتي الخاصة, في الحقيقة انني اشعر بالشفقة على الكتاب الذين يحددون في مقابلاتهم الخطوط العريضة لحبكة روايتهم المقبلة, ان هذا يشير الى ان الامور لاتسير علىمايرام معهم، وانهم يضرون انفسهم بعرض المشاكل التي لم يتمكنوا من حلها في الرواية على الصحافة.
*لكن يبدو انك تتحدث عن الرواية التي تكتبها مع اقرب الاصدقاء.
-نعم، انا حقيقة اضعهم داخل العمل, عندما اكتب شيئاً اتحدث عنه كثيراً, انها طريقة لاكتشاف المكان الذي اقف فوقه، هل هو ارض صلبة ام رمال متحركة, انها طريقة لاكتشاف الطريق وسط الظلام.
*انت تتحدث كثيراً، لكنك لاتسمح لهم مطلقاً بقراءة ماتكتب.
-ابداً، لقد اصبح ذلك خرافة, في الحقيقة، انا اعتقد ان الكتاب دائماً يكونون وحيدين، مثل بحارة سفينة محطمة في عرض المحيط، انها اكثر المهن فردية في العالم لا احد بإمكانه ان يساعدك في كتابة ماتكتب.
*ماهو في نظرك المكان المثالي للكتابة؟
-قلت ذلك كثيراً من قبل: جزيرة مهجورة في الصباح، ومدينة كبيرة اثناء الليل, في الصباح انا احتاج للصمت، وفي المساء السهر مع بعض الاصدقاء لتبادل الحديث معهم, انا في حاجة لان اكون على اتصال دائم بالناس في الشارع، ومعرفة مايدور في العالم.
*دعنا نتحدث الآن عن الجانب الحرفي في مهنة الكاتب, هل لك ان تخبرنا من كان يمثل بالنسبة لك العون الاكبر خلال فترة تعلمك الطويلة لهذه المهنة؟
-جدتي كانت العون الاول والرئيسي لي، فقد اعتادت ان تقص علي الاشياء الاكثر فظاظة دون ان تهتز لها شعرة، كما لو انها رأتها لتوها, ادركت ان اسلوبها الهادىء وثراء الصور لديها كانا الاكثر اسهاما في جعل قصصها معقولة الى حد كبير, واستخدمت اسلوب جدتي في كتابة مائة عام من العزلة .
*هل اكتشفت من خلال جدتك انك ستصبح روائياً؟
-لا، بل من خلال كافكا الذي كان يسرد الاشياء بالطريقة ذاتها التي اعتادت عليها جدتي ولكن بالالمانية, عندما قرأت له المسخ وانا في السابعة عشرة من عمري، ادركت انني سأصبح روائياً, عندما رأيت كيف استطاع جريجور سامسا ان يستيقظ في صباح احد الايام وقد تحول الى خنفساء ضخمة، قلت لنفسي,, لم اكن اعرف انه بإمكانك ان تفعل ذلك، ولكن اذا كان ذلك بمقدورك، فإنني بالتأكيد سأهتم بالكتابة .
*لماذا اثارت اهتمامك بمثل هذه القوة؟ هل بسبب حرية اختلاق اي شيء يثير اعجابك؟
أدركت فجأة ان هناك اساليب ادبية غير الاساليب العقلانية والاكاديمية التي كنت قد تعرفت عليها في مناهج المرحلة الثانوية, كان ذلك بمثابة التخلص من حزام العفة, مع مرور السنين، اكتشفت،مع ذلك، انه لايمكن اختلاق او تصور كل ما تريد لانك بذلك تخاطر بعد قول الحقيقة، كما ان الاكاذيب اكثر خطورة في الادب منها في الحياة العادية, وحتى عملية الاختلاق، التي تبدو اعتباطية بشكل كبير، لها ايضاً قواعدها, يمكن نزع ورقة التوت العقلانية بشرط عدم الوقوع في الفوضى واللامعقول الشامل.
*في الفانتازيا
-نعم، في الفانتازيا.
*انت تمقت الفانتازيا, لماذا؟
-لانني اؤمن ان التخيل ماهو الا اداة لبلورة الواقع، وان الواقع دائماً هو مصدر الخلق، وهو الذي يبقى في نهاية الامر, الفانتازيا بمعنى الاختلاق دون اية قواعد او شروط على طريقة والت ديزني هي اكثر الاشياء تنفيراً, اتذكر مرة عندما كنت مهتماً بتأليف كتاب من قصص الاطفال ارسلت لك مسودة لقصة بحر الزمن الضائع .
وبصراحتك المعهودة قلت انها لم ترق لك, كنت تعتقد ان المشكلة تكمن في انك لاتتحمس لقصص الفانتازيا، الا ان ذريعتك كانت قوية لان الاطفال بدورهم لايحبونها, ان ما يحبونه هو الخيال, ان الفرق بين الاسلوبين مثل الفارق بين الكائن البشري والدمية التي تتكلم من بطنها.
*من هم الكتاب، عدا كافكا، الذين استفدت منهم في تطوير مهنتك وتعلم فنونها؟
-اسلوب البناء، التركيب المحكم والدقيق- خلال فترة الشباب, فنحن الكتاب مثل الببغاوات، لانستطيع ان نتعلم الكلام عندما نصبح كباراً.
*هل ساعدتك الصحافة في مهنتك الادبية؟
-نعم، ولكن دون ان تجعلني اتعلم استخدام لغة اكثر فعالية، كما يقول البعض احياناً, ان الصحافة علمتني طرق اضفاء الاصالة والصحة على قصصي, فهناك حيل صحفية بمعنى الكلمة ومفيدة للغاية ايضاً.
*كنت دائماً من المولعين بمشاهدة السينما وكثير التردد عليها, هل من الممكن ان تعلم السينما الكاتب وسائل مفيدة؟
-في الحقيقة لا اعرف, في حالتي، كانت السينما مفيدة ومعوقة لي في الوقت ذاته, الذي تعلمته منها هو كيف افكر في الصور, ولكنني- في الوقت ذاته- ارى الآن حماساً مبالغاً فيه لتصوير الشخصيات والمشاهد، وتركيزاً كبيراً على زوايا واطر المشاهد في الروايات السابقة على مائة عام من العزلة .
*من الواضح انك تفكر في كتاب العقيد لايجد من يكاتبه
-نعم، انها رواية تعد من ناحية الاسلوب اميل الى السيناريو السينمائي, فالشخصيات تتحرك كما لو ان الكاميرا تتبعها، وحين اقرأ الكتاب من جديد اشاهد الكاميرا, اعتقد الآن ان الحلول الادبية مختلفة تماماً عن الحلول السينمائية.
*لماذا تولي اهتماماً ضئيلاً بالحوار في كتبك؟
-لأن الحوار باللغة الاسبانية ليس الاسلوب المثالي, قلت دائماً ان هناك في هذه اللغة فجوة واسعة بين الحوار المحكي والمكتوب, ان الحوار بالاسبانية المناسب للحياة الواقعية ليس صالحاً بالضرورة للاستخدام في الرواية, لذلك فإننا قلما نستخدمه.
*هل تعرف بدقة ماذا سيحدث لكل شخصية قبل ان تؤلف رواية؟
-بصورة عامة جداً فقط, ففي مسار الكتاب تحدث اشياء غير متوقعة, الفكرة الاولى التي كونتها عن العقيد اوريليانو بوينديا كانت تتلخص في انه من قدماء المحاربين في الحرب الاهلية،مات وهو يبول تحت احدى الشجرات.
*اخبرتني مرسيدس انك حزنت كثيراً عندما مات؟
-نعم، كنت اعرف انني ساضطر الى قتله عند نقطة معينة، لكنني لم اجرؤ على تحقيق ذلك, كان العقيد رجلاً عجوزاً بالفعل، يصنع اسماكه الذهبية الصغيرة, في عصر احد الايام قلت لنفسي:الآن عاش بما فيه الكفاية ,, كان علي ان اقتله, عندما انهيت الفصل، صعدت الى مرسيدس في الطابق الثاني من منزلنا، وانا ارتجف- عرفت ماحدث بمجرد ان رأت وجهي- قالت لي مات العقيد , تمددت على فراشي وبكيت طيلة ساعتين.
*ماذا يعني الإلهام لك؟ وهل هو موجود؟
عندما تريد ان تكتب شيئاً، يحدث نوع من التوتر المتبادل بينك وبين الموضوع، لذلك فإنك تدفع الموضوع قدماً، ويدفعك الموضوع ايضاً, ثم تأتي لحظة تتلاشى فيها كل العقبات وتختفي فيها كل الصراعات، تحدث لك اشياء لم تحلم بها مطلقاً, عند تلك اللحظة، تصبح الكتابة افضل ما في العالم من اشياء, هذا ما اسميه الإلهام.
*هل تفقد احياناً حالة الاتساق هذه عند كتابة احدى الروايات؟
-نعم، عندئذ ابدأ في التفكير مرة اخرى منذ البداية, وهذه هي اللحظات التي اقوم فيها بحمل مفك لتثبيت الاقفال والمفاتيح الكهربائية في المنزل او طلاء الابواب باللون الاخضر، لأن الاعمال اليدوية تساعد احياناً في التغلب على الخوف من الواقع.
|