Friday 1st October, 1999 G No. 9864جريدة الجزيرة الجمعة 21 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9864


خواطر حول مسابقة القرآن الدولية
معالي الدكتور: خالد بن محمد العنقري*

اذا كانت الامم الناهضة الواعية تولي الحفاظ على تراثها الفكري وصيانته اهتماما بالغا، فما احوج ابناء الامة الاسلامية الى زيادة الاهتمام بالقرآن الكريم، ولاسيما انه كتاب الله الوحيد الباقي بين ايدينا، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو كما قال الحق تبارك وتعالى في وصفه: (ذلك الكتاب لاريب فيه) والقرآن الكريم دون ادنى شك هو اساس الحضارة الاسلامية، تلك الحضارة الانسانية الكبرى التي ازدان بها تاريخ البشرية واقترن نجاحها بالتمسك به قولا وعملا، منهجا وسلوكا، وعلى الرغم من ان معجزات الانبياء جميعها مضت مع العصور ولم تبق الا اخبارها، فإن القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة الباقية التي مازالت تتحدى البشر بكل ما استجد لهم من امكانات، يقول الله تبارك وتعالى: (وان كنتم في ريب مما نزّلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين).
لقد مر على نزول القرآن الكريم خمسة عشر قرنا، وهو بين ايدينا كما هو، لم يتغير او يتبدل، لم يزد او ينقص حرفا، وكيف يتغير او يتبدل وقد تولى الحق - تبارك وتعالى - حفظه وحمايته من كل تحريف او تزييف، ألم يقل - وقوله الحق-: (إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون), لقد بليت القرون ، ومضت العصور، ومازال القرآن شاهدا على صدق محمد - صلى الله عليه وسلم - وصدق رسالته.
ولئن كان من الانصاف القول بأن الدول الاسلامية تولي القرآن العظيم اهتماما كبيرا، فإنه - ايضا للحقيقة والتاريخ - نقول ان الدولة السعودية منذ قيامها واكتمال وحدتها على يد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه وذكراه - تعيش القرآن سلوكا وتلتزم به منهجا، وتستنير بآياته وتتمسك بتطبيق حدوده واحكامه، ولنا - نحن السعوديين - ان نعتز بأن اول نظام وضع للدولة منذ خمسة وسبعين عاما (1345ه) اصر بصريح العبارة: (على ان جميع احكام المملكة تكون منطبقة على كتاب الله وسنة رسوله وما كان عليه الصحابة والسلف الصالح).
وما من شك في ان قيام المملكة العربية السعودية بتنظيم مسابقة دولية للقرآن الكريم كل عام، يجيء متسقا مع الاساس الذي قامت عليه من التمسك بكتاب الله واحكامه، وهذه المسابقة العالمية، هي من اشرف المسابقات واعظمها لأن موضوعها هو كتاب الله وهو اجل واسمى ما تسابق فيه المتسابقون، وقد أدت هذه المسابقة الى زيادة الاهتمام بحفظ كتاب الله وحسن تجويده في كثير من اقطار العالم، ويتضح ذلك من ازدياد عدد المتسابقين كل عام وارتفاع مستواهم، ومنذ بدأت المسابقة عام 1399ه لاول مرة وحتى العام الماضي وصل مجموع المتسابقين فيها الى بضعة آلاف.
ولاشك ان اختيار مكة المكرمة - ام القرى - لكي تكون ساحة اللقاء في اعظم واشرف مسابقة دولية، هو اختيار موفق ودقيق ويثير كثيرا من الذكريات والاحداث الاسلامية العظيمة، ففي مكة ولد النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي غار حراء نزلت اولى آيات القرآن الكريم، ومعظم سور القرآن نزلت بمكة (ست وثمانون سورة من مجموع سور القرآن البالغ مائة واربع عشرة سورة), فمكة إذن مهبط الوحي، ومهد الاسلام اضافة الى انها قبلة المسلمين في صلاتهم، ومقصدهم في حجهم وعمرتهم، وبمكة تضاعف الحسنات، جاء في سنن ابن ماجة عن عطاء عن جابر، ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (صلاة في مسجدي هذا افضل من الف صلاة فيما سواه الا المسجد الحرام وصلاة في المسجد الحرام افضل من مائة الف صلاة فيما سواه)، وفي الاحاديث المتواترة قول النبي - صلى الله عليه وسلم -(لا تشد الرحال الا الى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الاقصى).
ومن هنا نجد ان اجراء هذه المسابقة العالمية في مكة المكرمة بما تتسم به من فضائل يشجع كثيرا ابناء العالم الاسلامي على شرف الاشتراك في هذه المسابقة حتى ينعموا بفضائل مكة، اضافة الى فضيلة الاشتراك في المسابقة، كما يعطي للمسابقة ابعادا روحية تميزها عن سائر المسابقات القرآنية الدولية التي تعقد في اقطار اخرى.
ان المملكة حينما تشرف على هذه المسابقة وتنظمها فإن ذلك يجيء ضمن منظومة عمل اسلامي تتشرف المملكة بادائه انطلاقا من مكانتها الروحية وتحقيقا لرسالتها خدمة للاسلام والمسلمين، وليس المجال هنا مجال حصر لما تقوم به المملكة وانما نشير الى بعض من هذه الاعمال شكرا وحمدا لله على توفيق ولاة امورنا في خدمة كتاب الله, ومن اجلّ هذه الاعمال انشاء مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف في المدينة المنورة الذي افتتحه الفهد - يحفظه الله - عام 1405ه (1984م) وقد بلغ مجموع انتاج هذا المجمع من المصاحف حتى عام 1418ه (135 مليون نسخة) وقد تم توزيع مايقرب من 120 مليون مصحف.
ان لتوزيع (مصحف المدينة المنورة) وانتشاره نتائج طيبة، ذلك انه يوزع مجانا وهو وقف لله تعالى ومطبوع في الارض الطاهرة مما سيجعل الحرص على اقتنائه متزايدا وبالتالي ينتشر الاعتماد عليه وهذه نقطة مهمة، لوجود بعض المصاحف في الدول الاسلامية طبعت دون مراجعة دقيقة، ونتيجة لذلك جاءت بها بعض الاخطاء في الحروف والتشكيل، وهناك ايضا مخطوطات يدوية للقرآن متوارثة كتبت دون مراجعة، وانتشار مصحف المدينة سيكون ذا نتائج طيبة في مواجهة اخطاء التحريف في القرآن الكريم.
ومن المجالات الاسلامية الاخرى التي تسهم فيها المملكة، انشاء المساجد في كثير من المناطق التي يعيش فيها المسلمون، كما تسارع بانشاء المراكز الاسلامية في خارج الاقطار الاسلامية التي تساعد كثيرا في حفظ القرآن وتجويده.
نسأل الله العلي القدير ان يديم توفيقه لاولي الامر في المملكة خدمة للاسلام والمسلمين، وان يعيننا جميعا على ذلك انه نعم المولى ونعم المجيب.
* وزير التعليم العالي

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved