الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، احمده سبحانه إله الاولين والآخرين، واشكره فهو المتفضل والمنعم بنعم عظيمة اجلها نعمة الاسلام على المسلمين الذين ينتفعون بوعظه ويعتبرون بزجره، ويهتدون بهديه ويأتمرون بأمره وينتهون بنهيه، ولقد أنزلنا اليكم آيات مبيّنات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظةً للمتقين ، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له الذي اعد الجنة للمتقين، وأعد النار بمقتضى عدله وحكمته للعاصين.
واشهد ان محمداً عبده ورسوله الذي انزل عليه القرآن العظيم ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد وعلى آله واصحابه الذين عظموا القرآن بحفظه وتلاوته والعمل به حق التعظيم، فما قدموا عليه غيره، ولم يهتموا بسواه حتى احاديث الرسول لم يكتبوها مخافة ان تشتبه بالقرآن.
اما بعد:
فيا ايها الناس,, اتقوا الله تعالى، وعظموا كتاب ربكم حفظا وتلاوة وعملاً واستماعاً، كباراً وصغاراً، واحذروا من انعكاس الامر تشتغلون بتعظيم غيره من قراءة مقالة او صحيفة او مجلة، او قصص ومسرحيات وسماع الاغاني والمغنيات بطريقة التسجيل والاذاعات وهذه ظاهرة خطيرة كأنه لا يقرأ القرآن الا الصغار، ولا يهتم به الا الضعفاء، وهذا اكبر خطر يهددنا، اذا استغنى التجار بتجارتهم، واهل الجاه بجاههم، واصحاب الاشغال بأشغالهم وكأن الآخرة ليست بشغل وليست بتجارة او جاه, فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يخطب الا ان يقرأ آية او سورة، وكان من اكثر ما يقرأ سورة ق كما روت ام هاشم بنت حارثة رضي الله عنها قالت: ما اخذت ق الا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر كان يقرأها كل جمعة على المنبر يخطب بها كل جمعة، والمقصود - ايها المسلمون- ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ هذه السورة في المجتمعات الكبار كالعيدين والجمعة لما تشتمل عليه من المعاني العظيمة، والمواعظ الكثيرة كتعظيم القرآن الكريم، والكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيها التنبيه على كفر من انكر رسالة محمد صلى الله عليه سلم وعلى من انكر البعث، وفيها التنبيه على علم الله الواسع وعلى قدرته الكاملة لخلق السموات والارض والماء والجبال والنبات من كل زوج بهيج، وعلى قدرته باهلاك العاصين المكذبين بالرسل وان الخلق الثاني ليس بأعظم من الخلق الاول، وفيه التنبيه على انه الذي خلق الانسان فهو يعلم ما توسوس به نفسه، ويحصى كل ما ينطق ويعمل به وفيها بيان حالة الانسان وقت نزول الموت وسكراته، وانه لا مفر حينئذ الا الى الله، وفيها بيان نشر صحيفة الانسان امامه يوم القيامة.
والحكم بجنهم على من حاد عن هذه الشريعة، وانه لا تنفعه الحيلة ولا الاعتذار ولا الخصومة والمحامون حينما تقرب جهنم او الجنة، وفيها بيان ان الله اهلك قرونا كثيرة قد بلغوا في القوة ما بلغوا فما اعجزوا الله وما فاتوه، وفيها ان القرآن ذكرى لأهل القلوب، وفيها انه لا يعجزه شيء فهو المستحق للتسبيح والتعظيم في الصباح والمساء وبعد اداء الصلوات بين كل آونة واخرى، وفيها بيان نهاية هذا العالم وهي الصيحة فهو الذي يحيى ويميت واليه المصير.
وفي ختام الآيات من هذه السورة انه لا يتذكر بالقرآن الا من يخاف وعيد الله ويرجو عفوه ورضاه, اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا وغذاء نفوسنا ونور قبورنا يا رب العالمين.
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم: لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني واياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
اقول قولي هذا واستغفر لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات من كل ذنب.
فاستغفروه انه هو الغفور الرحيم.
* عضو هيئة كبار العلماء