Friday 1st October, 1999 G No. 9864جريدة الجزيرة الجمعة 21 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9864


المربي الراحل فيصل بن فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله -

الخطب جلل والفجيعة كبيرة والمصيبة عظيمة بما فجعنا به يوم السبت بفقد أمير الإنسانية والشباب أمير المحسنين صاحب القلب الكبير الذي شمل بعطفه الأيتام والمعاقين والمرضى والبائسين صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز.
لقد كان لوقعها في نفوسنا وقع الصاعقة المزلزلة والإعصار المدمر,, إلا أن الذي يخفف من هولها وفداحتها هو التسليم المطلق بإرادة الله وقضائه وقدره كما قال تعالى: كل نفس ذائقة الموت,, ، وكما قال تعالى أيضاً: الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .
ما أقساك أيها الموت! وما أشد بأسك! لقد خطفت من بيننا أمير الإحسان والبيان، قبل أن يكمل الرسالة التي حملها على عاتقه، ويؤدي الأمانة التي عرضت عليه فقبلها بإخلاصه وتحمله وأداها أحسن أداء.
لقد اخترت أيتها المنية ذلك الفارس قبل أن يكمل مشواره في هذه الحياة الفانية,, لم تمهليه قليلا ليتم ما بدأ بزراعته وغرسه من مثل وقيم وخير وبر,, ولا أقول ذلك اعتراضا، وإنما هي إرادة الله وقضاؤه.
ماذا أقول فيك أيها الأمير المهذب الفاضل,, إن كل من عرفك وسمع عنك يثني على خصالك الطيبة وشمائلك المهذبة، وخلقك الرفيع وأنا واحد منهم ممن عرفك,إن البيان مهما كان بليغا، واللسان مهما كان فصيحا، ليقفان حائرين مترددين تجاه بحر من الأخلاق، وجبال شوامخ من الفضائل.
أيها المربي الراحل,, لا أريد أن أتحدث في هذا المقام عن اخلاقك وشمائلك وشيمك وقيمك فهذا موضوع معروف لا يخفى على أحد من الناس وقد بسطه على صفحات الصحف والمجلات أصدقاء كثيرون وأحباء متعددون, لكن أود أن أبسط القول على جانب واحد من جوانب شخصيتك المتميزة، ألا وهو الجانب التربوي الذي يدل دلالة قاطعة على اهتمامك الشديد بتربية أولادك وتهذيبهم ومتابعتهم في كل صغيرة وكبيرة حتى يخرجوا إلى الحياة ناضجين واعين مهذبين متسمين بكل ما تحدث عنه المربون من قيم ومثل عليا ومثال ذلك نجلكم المبارك صاحب السمو الملكي الأمير نواف بن فيصل - حفظه الله - الذي كان وما زال مثلا أعلى بين زملائه وأصحابه في الخلق والتربية والأدب والنبل والتعليم.
لقد عايشت نجلكم في مدارس الرياض سنين طويلة، لم أر منه في يوم من الأيام إلا الخير كل الخير، بما تميز به من ذكاء متوقد، وأدب جم، وخلق نبيل.
كل ذلك بفضل تربيتكم الصادقة الواعية، وتوجيهكم السديد السليم، ومتابعتكم المستمرة الدائمة له في كل صغيرة وكبيرة.
لقد كنتم له استاذا ومربيا غرستم في نفسه الحب والحنان، وزرعتم في روحه العقيدة والإيمان، وشحنتم في وجدانه الإباء وقوة الحنان، غرستم في نفسه الأخلاق السامية، والفضائل السامقة، والقيم النبيلة منذ نعومة أظفاره، فتمثلها في سلوكه أحسن تمثيل، حتى كأنها عجنت مع دمه ولحمه وجلده وعظمه, فبرز ذلك كله في تعامله مع زملائه وأساتذته وجميع من حوله,, ولا أقول هذا مبالغة او تزلفا أو نفاقا,, لا والله لأن ذلك ليس من شيمي ولكنني أقول ذلك حقا وصدقا ومن يعرف نوافا يؤكد ما اقول, لقد كان الأمير نواف من أفضل وأنبل من مر علينا من الطلاب في مدارس الرياض، كلنا يذكر قبل سنين قريبة عندما زرتنا أيها الأمير المربي الراحل في مدارس الرياض, وقمت بجولة في جميع الصفوف، ولم تقتصر على صف نجلكم الأمير نواف، وسألت عن أحواله وأحوال إخوانه من الطلاب، وعن مسيرتهم التربوية والخلقية والأدبية والعلمية، لقد بهر المدرسون والطلاب بما وجهت إليه من أصول تربوية، وما ناقشت من مسائل في صلب العمل التربوي التعليمي,, وأوصيتنا جميعا بالتربية قبل التعليم، نعم لقد خسرنا بفقدك قمة من الفضائل الإنسانية المتتالية، الرائعة بنيتها في نواف وإخوانه، ومن تعامل معك.
لكن الذي يخفف من وقع المصيبة، أن نجلكم نواف قد تخرج من مدرستكم الإنسانية والتربوية النبيلة، عبر عن ذلك بقوله إن والدي وسيدي الأمير فيصل - رحمه الله - هو مدرستي الأولى منه تعلمت كل أبجديات الحياة, نعم هذا هو الواقع الذي يشهد له الجميع، ويقر به كل من عرفه, حفظه الله ليكون امتدادا لكم، مواصلا لفضائلكم، ومجسدا لقيمكم، وأخلاقكم السامية,, وهذا عزاؤنا أن نجلكم نواف قد حمل الراية من بعدكم، ليكمل مشواركم الإنساني العظيم.
كما أن الذي يخفف المصيبة أيضا أن فارسا آخر امتطى صهوة جوادك ليتابع مسيرتك الخيرة وليكمل البنيان الذي وضعت أساسه، إنه أخوك وشقيقك صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن فهد بن عبدالعزيز الذي كان ساعدك الأيمن، وعضدك الذي كان يشد أزرك، فلتقر عينك به وأنت في قبرك، ولتطمئن روحك، بأن اليد التي تسلمت بعدك يد أمينة بصيرة قادرة على تأدية رسالتك التي بدأتها، وسائرة في الطريق التي رسمتها.
وفي الختام نقول رحمك الله رحمة واسعة أيها الفارس المهذب والقائد المؤدب والمربي الفاضل وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
الدكتور عبدالمجيد بن عبدالله الغامدي
مدير الثانوي بمدارس الرياض

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved