ماذا يفعل الفرد الذي ليس له ظهر أو سند إذا اراد أن يهجر صحراء العزوبية إلى واحة الزواج أو يحاول الاستقرار تحت سقف في بيت صحي لم يضع حجر الاساس او السفر باحثا عن دواء وعلاج لأمراض غاية في الخطورة وهو لا يملك من المال إلا ما يسد الرمق؟ هذا الفرد ليس أمامه إلا طريقان لا ثالث لهما.
الطريق الأول هو ان يقترض او يرهن بيته او أرضه إن كانت لديه هذه الارض عند احد البنوك بسعر فائدة سنوية محددة تنشف الريق وتكسر الظهر.
والطريق الثاني هو ان يكف عن التفكير بالزواج والبناء او السفر للعلاج، ولأن اي انسان منا يحلم ان يعيش مثل الآخرين لذلك نراه يختار الطريق الاول طريق الامل واضعا نصب عينه ان يسدد هذا القرض في أسرع وقت ممكن حتى يعود لممارسة حياته الطبيعية بعد التخلص من مشكلة الديون, هذا إذا لم تضطره الظروف المحيطة به إلى البحث عن قروض اخرى في بنوك مختلفة تجعله عرضة للتورط بديون مضاعفة لايمكن التخلص منها حتى بعد دخوله القبر.
الدول الفقيرة جدا في جبال ومحيطات وسهول وغابات هذا العالم تمر بنفس الظروف التي يعيشها الافراد المحتاجون الى القروض وهي بالطبع اكثر حاجة من هؤلاء الافراد لأنها مسؤولة عن إطعام مئات الآلاف من الافواه الجائعة ان لم نقل الملايين وعن تطبيبهم وتعليمهم وتوظيفهم والحفاظ عليهم من الانقراض عبر البحث المقلق عن طرق تنموية جديدة تساهم في بناء الانسان والمجتمع.
ولكن ما يصيب الافراد يصيب المجتمعات خاصة تلك المجتمعات التي ابتليت بالامراض الوبائية والقبلية والطائفية اضافة إلى الكوارث الطبيعية من جفاف وتصحر وفيضانات وزلازل وبراكين وأعاصير تحول اكبر البلدان وأغناها الى منطقة كوارث وأحيانا إلى دول فقيرة معدمة مثل بقية دول العالم الثالث.
حلم الدول الفقيرة المثقلة بالديون هو التخلص من تراكم هذه الديون والتي تزداد بشاعة كلما تأخر دفع المستحقات والذي يعني إضافة سعر الفائدة إلى القرض الاساسي.
وإذا كان برنامج صندوق النقد الدولي يبادر بين فترة وأخرى الى التخفيف من اعباء الديون على الدول الاكثر فقراً في العالم من خلال التسهيلات، فإن هذه التسهيلات هي الاخرى تقود الى طريق مسدود خاصة تلك الدول التي تعاني من حروب اهلية لا تتوقف إلا لكي تبدأ مرة اخرى بشكل اكثر ضراوة وشراسة, السؤال هو من أين لهذه الدول ان تدفع الديون؟
إن صندوق النقد الدولي الذي يطالب الدول الفقيرة بانتهاج سياسات اقتصادية مرضية لا تزيد عن السنوات الست لا يدرك طبيعة الوضع الاقتصادي الذي تعيشه الدول الفقيرة ولذلك يمتنع عن اعطائها قروضا جديدة او معونات تساعدها على العيش.
على صندوق النقد الدولي دراسة الاوضاع الاقتصادية للدول الفقيرة دراسة ميدانية وإذا وجدت هذه الدراسة انه لا توجد اية امكانية لدفع مستحقات الصندوق في غضون السنوات العشر القادمة فإنه من الضروري ان يفكر الصندوق بإلغاء هذه الديون عن هذه الدول، وإلا لن يجدها على خارطة العالم بعد عشرين عاما.
إذا كنا نخشى على بعض الحيوانات من الانقراض، علينا ان نخشى على بعض الدول قبل ان تدخل مرحلة الانقراض.
علي الشرقاوي