Friday 1st October, 1999 G No. 9864جريدة الجزيرة الجمعة 21 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9864


حول قيم النظام العالمي الجديد!!
د, عليّ الدين هلال

إحدى الأطروحات التي ترددها أدوات الاعلام الغربية عند حديثها عن النظام الدولي الجديد وخصائصه هو أنه يرتبط بقيم سياسية واجتماعية جديدة وأن تبني المجتمعات والدول المختلفة لهذه القيم سيكون بمثابة تأشيرة الدخول للمشاركة في العالم الجديد.
وتختلف هذه القيم من كاتب لآخر، كما يختلف سلم أولويات هذه القيم من مؤلف لآخر ولكنها عادة ما تدور في المجال السياسي حول الديمقراطية (تعدد الأحزاب) واحترام حقوق الإنسان (وفقا للمعايير التي تضعها منظمات حقوق الإنسان في الدول الغربية) وفي المجال الاقتصادي حول الحرية الاقتصادية بما تتضمنه من علاقات السوق والملكية الخاصة والتدفق الحر لعناصر الإنتاج عبر الحدود ويرتبط بذلك ازدياد دور المنظمات غير الحكومية في التعبير عن اهتمامات المجتمع وفي التأثير على القرار الحكومي بل وفي تنفيذه وبشكل متزايد ترتبط المعونات الاقتصادية بتبني الدول المحتاجة لتلك المفاهيم السياسية والاقتصادية.
وقد يبدو هذا الطرح من جانب الغرب جديدا أو أنه أمر حديث إلا أن الحقيقة تخالف ذلك تماما، وطرح هذه الافكار على أنها قيم عالمية هو استمرار لتقليد أوربي غربي يعكس في جوهره نظرة الغرب المتقدم للشعوب والمجتمعات الأخرى، فمنذ النهضة الصناعية والسياسية في أوربا، تبلور اتجاه ثقافي وفكري ينظر الى المجتمعات غير الغربية نظرة دونية، وتتضمن هذه النظرة ان الطريق الوحيد لتقدم هذه المجتمعات هو في تبنيها لانماط القيم والتنظيم السياسي والاجتماعي القائم في الغرب، ولم يجد كثير من المفكرين الغربيين في الثقافات الأخرى ما يؤهل ابناءها للتقدم ومن ثم ظهرت الدعوة الى التغريب ومعنى ذلك ان طريق التقدم لهذه الدول يكمن في تبنيها لاشكال التنظيم وأساليب الحياة والقيم الغربية ووصل الأمر حد فرض ذلك بقوة الاستعمار في حالة الجزائر وعدد من الدول الأفريقية التي خضعت للاستعمار الفرنسي فقد سعت فرنسا الى فرض ثقافتها ولغتها على النخب السياسية في المستعمرات، بل وعلى المجتمع عموما.
ولعلنا نتذكر في هذا المجال ما كتبه مفكر فرنسي كبير مثل مونتسكيو عن الثقافة الفارسية، أو عبارة المؤرخ الإنجليزي ماكولي الشهيرة ان رفا من المكتبة الإنجليزية يفوق في قيمته كل انجاز بعض الثقافات غير الغربية, بل إن كارل ماركس نفسه كتب مرة أنه لايوجد أمام الدول المتخلفة سوى نهج الاقتداء بدول غرب أوربا, وهكذا فقد تبلور في القرن التاسع عشر فكرة أن أوربا تقدم صورة المستقبل للعالم، وأن على الدول الساعية للتقدم أن تتشبه بالمؤسسات والقيم الأوربية, وعندما سعت بعض الدول الاستعمارية كفرنسا والبرتغال واسبانيا لفرض لغاتها ونظمها القانونية على المستعمرات فقد انطلقت هذه السياسات - على الأقل جزئياً -من الاعتقاد بأن ذلك هو طريق التقدم لهذه الشعوب.
ومن هنا فعندما يطرح الفكر الأمريكي بعض الأفكار اليوم باعتبارها قيم النظام العالمي فليس في هذا جديد بل هو استمرار لنفس النمط في علاقة أوربا بالغير, وهنا ينبغي ان نطرح عدة اسئلة: فما الذي يجعل هذه القيم ذات طابع عالمي ؟ بعبارة أخرى: ما هي الأسانيد الفكرية والفلسفية التي تسمح لابناء ثقافة ما بزعم أن ماوصلوا اليه يمثل بالضرورة تقدما بالنسبة للثقافات الأخرى؟ ذلك أنه اذا كان من الممكن اللجوء الى معايير علمية وموضوعية لتحديد معنى التقدم أو التخلف الاقتصادي أو في مجال الأمية والتعليم فليس من الممكن التمييز أو اقامة معيار للتصنيف بين ثقافات وقيم متقدمة وأخرى متخلفة.
والحقيقة ان عالمية هذه القيم تنبع من القوة المادية والاقتصادية للدول الغربية, وبعبارة أخرى فبسبب عدم التكافؤ في موازين القوى فإن الدول الغربية تستطيع أن تسعى لفرض قيمها ومحاولة اعتبارها قيما عالمية, ولكن العالمية الحقة لايمكن ان تستند فقط إلى القوة بل يكون أساسها أنها تعكس تفاعلا بين عدد من الثقافات وأن تلك الثقافات شاركت في صياغتها وبلورتها.
ثم أن هذه القيم التي يدعي الغرب عالميتها لايتم احترامها دوماً بواسطة هذه الدول الغربية الكبرى، بل يكون التطبيق بشكل انتقائي واختياري وهذا ما يوصف عادة بازدواجية المعايير، وذلك وفقاً لعلاقة الدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة، بالحالة محل البحث ومدى وجود مصالح قوية معها.
والخلاصة اننا يجب ان نمعن النظر ونعمل الفكر حول مايقال لنا حول تلك القيم العالمية الجديدة وأن نصمم على أن العالمية الحقة والجديرة بهذا الاسم تعني الحوار بين الثقافات وأن محاولة فرض قيم ثقافية ما على العالم لايمكن أن يكسبها سمة العالمية, ان العولمة لاتعني ويجب ألا تتضمن فرضا لقيم مجموعة من الدول على بقية العالم ومثل هذه المحاولة لايمكن ان تنجح ولاتؤدي بتلك القيم لان تكتسب صفة العالمية ذلك ان عالمية القيم تنبع من استيعابها لخلاصة أكبر عدد من الثقافات من خلال الحوار والتفاعل.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved