Friday 1st October, 1999 G No. 9864جريدة الجزيرة الجمعة 21 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9864


شخصيات قلقة
ألفريد جاري 1873-1907م
رغبة الطموح,,وسقطة التمرد

في مدرسة رين الثانوية تعرف عدد من التلاميذ الموهوبين على بعضهم البعض، وقرروا ان يؤلفوا ويمثلوا مسرحية، فكتب احدهم النص وقام آخر بالبطولة وصمم ألفريد جاري الديكور, ووافقت اسرة احد الطلاب - تشجيعاً لهم- ان تحول البيت الى قاعة مسرح,وكانت هذه المسرحية التي استفاد منها - فيما بعد - ألفريد جاري في كتابة رائعته اوبو ملكاً تلك المسرحية التي توجته رائداً للمسرح السريالي.
فقال عنها اندريه بريتون- رائد السريالية- بانها نقد انتقامي ثوري من العصور الحديثة, وقال عنها احد النقاد, لقد اسس جاري دراما الطليعة في عمل يعبر عن ثورته المزدوجة ضد المجتمع وضد الاشكال الفنية القائمة, ان مسرحية اوبوملكاً ارهاص بمسرح بيكيت ويونسكو, ربما بسبب المبالغة في الغرابة وبساطة التشخيص والنقد الاجتماعي اللاذع وحرية التجريحات اللغوية.
ان اوبو ماهو الا تصوير كاريكاتوري قبيح لبرجوازي اناني,, غبي ,, كما يراه طالب ثانوي بعينين قاسيتين,, انه ينصب نفسه ملكاً على بولندا، يقتل ويعذب بلاتمييز وكيفما اتفق,, وفي النهاية يطرد من البلاد,, هذا الوحش الدميم، بالغ القوة، وضيع الطباع بصورة تتجاوز حدود العقل.
هذه فكرة المسرحية التي كانت مجرد لعب عيال ثم صنعت الخلود لكاتب واسست لوناًمسرحياً جديداً في اواخر القرن التاسع عشر.
ولد ألفريد جاري لابوين شديدي الطموح والتناقض, فالاب ترك مهنة الآباء وسعى للتجارة والعمل الحر بحثاً عن الثراء، كما تزوج من ابنة احد القضاة التي تتمايز عليه بثقافتها وبطبقتها الاجتماعية , وعلى الناحية الاخرى الام كانت شديدة الاعتزاز بطبقتها وبأسرتها - التي يعاني بعض افرادها من الجنون- وكانت تترفع عن مشاركة الاب في اعماله التجارية، ولاتهتم إلابزيها وباصدقائها من اصحاب الصالونات، ترتدي الملابس الغريبة والقبعات الشاذة بالنسبة لسكان الحي, وهكذا عانى ألفريد من اب متوتر مدمن وام حالمة شديدة التطلع, وحين انهارت تجارة الاب وعكف على الكأس والغليون، اضطر الصبي جاري للانتقال ليعيش في كنف جده القاضي, احس ألفريد بالعزلة مبكراً وانه لابد ان يكون طموحاً وعنيداً, ورغم ضآلة حجمه وانفراج ساقيه بشكل مضحك، فإن ألفريد لم يكن خجولاً، بل على العكس كان شديد الجرأة الى حد القحة، فهو ساخر لحد القسوة، نافر ولاذع، ولامبال، يشوبه دائماً احساس بري ووحشي,,وعلى النقيض من ذلك كان طالباً متفوقاً يتقن اللاتينية وينال الجوائز بسبب قدرته على ترجمتها، ويكتب الشعر ويفوز بجائزة عن قصائده التي كان يرسلها لجريدة صدى باريس الادبي المصور .
وهكذا عاش ألفريد حياته يعاني من نقيضين: رغبة عارمة في التفوق واحساس بري موحش بنفسه, لقد فشل مراراً في الالتحاق بمدرسة المعلمين العليا، وفي كل عام كان يصر ويتقدم اليها مرة اخرى, ثم في نهاية المطاف التحق بثانوية هنري الرابع ليدرس الفلسفة على يد الفيلسوف الشهير هنري برجسون، كما تعرف علىعدد من شعراء ونقاد المستقبل وكذلك عدد لاباس به من الرسامين.
وكان يتجول في شوارع باريس يستكشفها وهو يرتدي ملابس غريبة، عبارة عن معطف يتدلى حتى عقبيه وقبعة مستديرة ومرتفعة بصورة غير معقولة، لدرجة ان احد زملائه وصفها بأنها محطة للارصاد, ولعل شذوذ ملابسه يخفي وراءه رغبة طفولية في اثبات الذات عن طريق لفت الانظار.
واستمرت حياته بشكل هلامي، فهو يراسل عدداً كبيراً من الصحف والمجلات ويعمل سكرتيرا لمسرح الاوفر ويعمل محرراً شبه منتظم لجريدة الميركور دي فرانس وبرغم هذا ليست هناك اية مكاسب مادية واضطر لبيع ماورثه عن ابيه لاخته شارلوت كي يواجه مصروفات حياة الصعلكة التي يحياها، حيث كان دائم الانتقال من مسكن الى آخر، وخلال عام ونصف كان قد بدد كل ما يملكه.
انه معلق دائماً على خيطين يتجاذبانه، فكلما احرز بعض النجاح الادبي كانت حياته العملية تنهار شيئاً فشيئاً, فحين نشرت الميركور دي فرانس مسرحيته اوبوملكاً وعرضها مسرح الاوفر تعرض ألفريد لهجمات شرسة من النقاد واعتبروا المسرحية نوعاً من الفضيحة .
وبدأ ألفريد يسوي حسابه مع هؤلاء النقاد بكل الطرق، فنشر عدداً من المقالات عن الزمن في الفن ومسائل في المسرح، ورفضت الفيجارو كل مقالاته عدا واحدة, وفي بعض الاحيان كان يصل به التعصب وضيق الصدر الى اطلاق الرصاص، حيث اطلق الرصاص مرة على شاب بلجيكي يعمل معه في جريدة الميركوري دي فرانس، ومرة اخرى اطلق النار على احد الاصدقاء في عشاء كان يحضره الشاعر المعروف ابو للنير.
تلك الطاقة العدوانية، وهذا الطموح العنيد، كلاهما يأكل جسده شيئاً فشيئاً فاصابته امراض الصدر واضطر للانتقال من مسكن الىمسكن ثم لجأ الى اخته شارلوت كملاذ اخير, وحاول بعض اصدقائه ان يساعدوه مالياً من خلال عرض اوبوملكاً لصالحه وكذلك نشر روايته المغرور في طبعة فاخرة يعود ريعها اليه ولكن تلك المشاريع نفذت بعد فوات الاوان, خاصة ان ألفريد كان عنيداً يتظاهر بانه بخير فيظهر في باريس كلما سنحت الفرصة ويراسل اصدقاءه كلما واتته المقدرة, حتى كان احد الايام من شهر نوفمبر وبعد انقطاع اخباره عدة ايام، ذهب صديقاه فاليت و سالتا وطرقا الباب طويلاً ثم استعانا باحد العمال على فتحه، ليجدا ألفريد جاري مقعياً مشلول الساقين، وسرعان ماتوفي في ريعان الشباب، وجاء تقرير المستشفى انه مات نتيجة التهاب درني في المخ.
ورغم هذه الحياة المأساوية القصيرة، ومن خلال اعمال قليلة، استطاع ألفريد جاري ان يؤسس للمسرح الحر الفطري ، الذي يعتمد على تكنيك استفزاز المتفرج واستثارة سخطه، وخلق الاحساس بالوجه الآخر للواقع, كما دعا الى التغيير الجذري للقواعد الكلاسيكية من خلال المسارح التجريبية الصغيرة والمخرجين المغامرين المؤمنين بالتجديد, لقد كان سابقاً لعصره في هدم القواعد المسرحية البالية، وفي التنبؤ بسطوة القوة الغاشمة المجنونة التي تدمر انسانيتنا، وقال عن مسرحيته الخالدة اوبوملكاً : لقد اردت ان يرفع الستار فإذا المسرح امام الجمهور كالمرآة,, يرى خلالها صورته وهو بقرني ثور وجسد تنين,, وذلك بقدر بشاعة مابه من رذائل,,
شريف صالح

رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
أفاق اسلامية
عزيزتي
الرياضية
شرفات
العالم اليوم
تراث الجزيرة
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved