ميزة الحاكم التاريخي الاساسية في حياة مجتمعه وأمته، انه صاحب قرار، وان قراره عندما يصل اليه يكون قد جمع كل ما توفر له من قدرات وامكانات ليصبح القرار نافذاً، وليصبح قراراً شاملاً محيطا بالواقع الذي يواجهه، فاعلا فيه، وقادراً علي تنفيذه، ولا أكاد اجد وصفاً أدق لخادم الحرمين الشريفين، الملك فهد بن عبدالعزيز، ولدوره التاريخي من انه صاحب هذا النوع من القرارات، التي تأتي في وقتها لتحيط بالواقع الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي للامة والوطن.
فالمرسوم الملكي الخاص بتشكيل مجلس اقتصادي اعلى، يرأسه نائب خادم الحرمين الشريفين بهذا السمو من المكانة يشكل منعطفاً اقتصادياً بارزاً في مسيرة الاقتصاد الوطني في هذا الوقت بالذات الذي يشهد فيه العالم تحولات جذرية ومتسارعة تتطلب التعامل معها بفاعلية وكفاءة، وليواجه احتياجاً متنامياً، فلم ينبع من فراغ، بل من يقظة فكرية عميقه مبكرة، أملتها فقدان الروابط بين التربية والاقتصاد الذي اثمر ثماراً مُرة تستحلبها البشرية في حياتها كل يوم، وكل يوم يمضي يزيد من هذه المرارة.
وهذه المرارة وذاك الدمار قد يدفع بالبشرية لمراجعة امورها والبحث في تأسيس علم جديد هادف الى تربية الاقتصاد .
أي للبحث في غايات الاقتصاد,, وحدوده واساليبه لتقويمها- والتي ارجو ان يحقق هذا المجلس ما أريد له من تطلعات تسد كل ثغرة تبرز من خلال المستقبل-
,,ان اطلاق الرغائب البشرية بغير حدود,,والبحث في التنمية بغير شروط
والانتاج والاستهلاك الصاحب المترنح كماً وكيفاً بغير عوائق قد افرز هذا العالم المضطرب.
وما يمكن لهذا العالم ان يستقر واموره تجري في مجملها متناقضة مع النظام الكوني القائم على التوازن,, يقول الحق تبارك وتعالى والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون .
إن المُثُل ,, التي تجتاح العالم اليوم قد جعلت من الرفاهية هدفاً مرموقاً,,!
فهل تراه حقاً,, مثالا,, لا نتجرأ على امعان النظر فيه ونقده؟
ان النظم الاقتصادية تندفع الآن وتحت ضغوط منافسة لا ترحم لإنتاج ملايين السلع التي لا تمثل احتياجات حقيقية للبشرية,.
وبشكل موازٍ- وسابق احيانا- قام نظام اعلاني هائل يتميز بالجاذبية والجَور والتكلفة في نفس الوقت لخلق الرغائب وتسعيرها لسلع لم نكن في حاجة اليها البتة.
فاذا كان ذلك كذلك,.
فهل نتصور ما يحتاجه انتاج تلك السلع من خامات وفيرة يتم استنزافها بلا رحمة؟
ان صورة العالم تنبسط امامنا كالتالي:
* استنزاف للموارد الاولية فيه لانتاج ما لا نحتاج.
* انفاق باذخ واستهلاك لما تم انتاجه وبكم وكيف لا يمثل حاجات حقيقية، وهكذا يتم ارتكاب جريمة تلويث البيئة العالمية مع سبق الاصرار ثلاث مرات,.
* الأولى:
اذ نلوث,, ونحن نستخرج الخامات الاولية الوفيرة,,!
* الثانية:
اذ نلوث,, عبر سلسلة العمليات المتطلبة للانتاج,.
والكارثة أفدح,, حينما نكون بصدد انتاج ما لا نحتاج,,!!
* والثالثة:
اذ نلوث,, ونحن نستهلك كماً وكيفا ملايين السلع جذبتنا اليها الشراك الخداعية لنظام للاعلان يرتكز على دراسات نفسية عميقة تجعل الانسان اسير مصيدة لا يظن له فكاكا منها الا بالشراء,, واستمرار الشراء والاستهلاك,.
وسوف يحتاج هذا الانسان بالضرورة للتخلص من نفايات استهلاك ملايين السلع تلك ومن المؤكد انه سوف يحتاج كذلك للملايين ينفقها على الابحاث والتنظيمات والمنشآت ليتخلص من تلك النفايات.
نستطيع إذن ان نقول:
انه ثمة سوء سلوك بشري جماعي,,!
وسوء السلوك هذا مدجج,, اذ هو علمي ,, تقني و منظم فمن اين نبع سوء السلوك هذا؟,, انه شأنه شأن كل سوء للسلوك البشري انما ينتج من انحراف تصوراتنا عن الحياة,, وافكارنا عن السعادة و المتعة و الحساب و الضمير و الثواب و العقاب ,, الخ.
وهذا الاضطراب الماثل يقابله جوعة حقيقية وعميقة لتعديل هذا السلوك البشري العام.
تعديله بكل نهمه,.
وتعديله بكل سطحيته,.
وهي جوعة تسبق في اهميتها المجاعة الى المطعم والمشرب والمسكن والملبس,, وهاكم مثلا لدليل غيبة الرشد.
أليس هو هذا الانسان النهم يقتلع اشجار جبال الهملايا ليشريها بدراهم معدودة عاجلة,, ليعود فيدفع اضعاف ثمنها سيولا وفيضانات تتحدر من تلك القمم هشمنا كوابحها من الغابات وعريناها من كسوتها فبدت لنا سوءاتها وطفقت تهلك الحرث والنسل.
ان المرسوم الملكي بانشاء المجلس الاقتصادي الأعلى بخطواته المتعاقبة وعلى هذا المستوى من التشكيل السامي يأتي في وقته، ويلبي احتياجاً ملحاً لرسم السياسة الاقتصادية لمواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية، والتنسيق والتعاون والتكامل بين الاجهزة المختصة داخل الدولة لتطوير الاداء بأسلوب علمي مقنن.
وكما تحدثت في مستهل مقالي عن نوعية قرارات خادم الحرمين الشريفين، تلك الكلمات هي ليست تعبيرا بلاغيا وانما هي وصف تاريخي موضوعي لقراراته التي يصدرها.
فلم يتخذ قراراً الا وكان في وقته الحاسم، ولم يتخذ قراراً الا وقد جمع له امكانيات التحقيق والتنفيذ، ولم يتخذ قراراً الا وكان القرار بداية لمرحلة من الانتصار والنمو والمزيد من القوة.
لقد ارتفعت قرارات خادم الحرمين الشريفين الى مرتبته التاريخية، وكانت لها نفس الصفات الحضارية التي عرفناها في كل قراراته, زاده الله توفيقا.
دكتور علي بن محمد التويخري