قطعت مسيرة السلام بين العرب وإسرائيل ثلاثة أرباع مشوارها المضني أو أكثر منذ مبادرة الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات - رحمه الله تعالى - عام 1977م إذ لم يبق إلا ترتيب ما هو مضمون سلفا، فقد عادت سيناء إلى مصر بموجب اتفاقيات كامب ديفيد عام 1980م وهذا مهم جدا بقدر ما كان مدهشاً بدراماتيكية السادات التي تعامل بها مع مختلف الأطراف، حيث تمكن من حصر وجود إسرائيل ونشاطاتها الاستفزازية في أضيق نطاق ممكن فضلاً عن أنه أعاد حقا عربياً وأرغم الاستيطان اليهودي وعملية تهويد الأراضي العربية على التراجع,, حيث وجد اليهود أنفسهم يفككون منشآتهم ويدمرون مستعمراتهم التي بنوها في سيناء بأيديهم ويرحلون.
لقد كانت مبادرة السادات اختراقا غير عادي للعقلية السائدة آنذاك، المتشنجة بمفاهيم الحرب، قابلها العرب بمعارضة متفاوتة الدرجات والنوعيات، وكان المأخذ الجوهري فيها أنها أتت خارج الاجماع العربي أو أية مشاورات نخبوية عربية وأن السادات تصرف بشيء من النزق وانفرادية تامة متجاهلا دور الأشقاء العرب ومشاعرهم ابتداء بزيارته للقدس عام 1977م إلى توقيع اتفاقات كامب ديفيد عام 1980م؛ وبذلك خسر السادات قدرا عظيما من مكانته كقائد بطل لمعركة العبور التي رفعت رأس العرب عالياً ومع ذلك فإن مبادرته وما نجم عنها من اتفاقيات ترسخت في النزاع العربي الإسرائيلي كحجر زاوية لما تحقق وما يتوقع أن يتحقق في إتجاه السلام وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن العرب راغبون في السلام وأن اعتراضهم على مبادرة السادات واتفاقيات كامب ديفيد كان للطريقة التي تصرف بها السادات ولو لم يكن الأمر كذلك لما اقتفوا أثره واكملوا ما بدأه.
أما الأمر بالنسبة للإسرائيليين فمختلف جدا حيث وجد الإسرائيليون أنفسهم وقد حاصرتهم مبادرة السادات في زاوية لا يمكنهم إلا أن يختاروا السلام وهو أهون الشرين بالنسبة لهم، فالحرب كانت مأزقا والسلام أيضا مأزق في وجه المشروع الصهيوني التوسعي، فاختاروا مأزق السلام على الحرب فهاهو بطل العبور الذي حطَّم خط بارليف الحصين فخرج الجنود اليهود منه هاربين كالأرانب المذعورة لا يلوون على شيء، محطما بذلك أسطورة الجيش الذي لا يقهر كما كانوا يدعون ويزعمون، هاهو البطل يقتحم عليهم كنيسهم في القدس ليعلمهم مباشرة ووجها لوجه أنهم لم يكونوا في منعة عسكرية أمامه ولن يكونوا في منعة نفسية أيضا.
وعلى الصعيد الفلسطيني تم الاعتراف المتبادل بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهذا أكثر من مهم في جانب منه على الأقل، أي فيما يتعلق بالاعتراف بحق الشعب الفلسطيني ليس لأن الصراع العربي الإسرائيلي أساسه وجوهره العدوان اليهودي ضد الشعب الفلسطيني في أرضيه واغتصاب حقوقه وحسب، وإنما لأن اعتراف إسرائيل ومن يقفون وراءها من القوى الإمبريالية بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وقبولهم لمصافحة ياسر عرفات قائد الفدائيين الفلسطينيين الذي طالما وصفوه بالارهابي المخرب ولاحقوه وحاولوا اغتياله وتصفيته فاحبط الله محاولاتهم، هذا الاعتراف بحد ذاته يعتبر تطورا نوعيا في القضية كلها سوف تكون له آثاره العميقة على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي فكريا، بحيث يتوقع له أن يقلب المفاهيم ويعيد صياغة الأحداث وتقويمها بما يؤدي إلى حلحلة الحجج الصهيونية الباطلة ودحض الذرائع الامبريالية الزائفة التي أدت إلى تهويد الجزء الأكبر من فلسطين وقيام دولة إسرائيل اللقيطة، أما اعتراف الفلسطينيين بوجود الدولة اليهودية فقد أتى بحكم الضرورة السياسية لأن إسرائيل موجودة فعلا كحقيقة عنصرية واقعة لا يضيرها أن ننكر وجودها بقدر ما يضيرها أن نعترف بها، ونعمل على زحزحتها وكشف زيفها، أما قناعات الفلسطينيين بوجه خاص والعرب عامة بشرعية هذا الوجود فإنها شيء مختلف تماما فإسرائيل هي الحقيقة الماثلة الزائفة على أرض فلسطين، الأرض التي تعود شرعية ملكيتها من الناحية التاريخية ومن حيث الواقع الديمغرافي إلى الفلسطينيين وليس إلى اليهود.
لقد وجد الإسرائيليون أنفسهم يجلسون وجها لوجه مع ألد خصومهم ممثلي منظمة التحرير الفلسطينية في مباحثات سلام سرية في العاصمة النرويجية لتنتهي تلك المباحثات باتفاقيات أوسلو في عام 1993م والتي مثلت اختراقا آخر لما بقي من رواسب مفاهيم عقلية ما قبل مبادرة السادات.
وقد جوبهت تلك الاتفاقيات بمعارضة عربية وفلسطينية لكنها أخف من سابقتها ازاء مبادرة السادات واتفاقيات كامب ديفيد أما الإسرائيليون فقد اضطروا مرة أخرى إلى اختيار أهون الشرين على حد قولهم.
هذا هو ما يؤكده الرئيس الأمريكي السابق ريتشارد نيكسون في كتابه ما وراء السلام حيث يقول أنه سأل رئيس ورزاء إسرائيل آنذاك إسحاق رابين بعد مصافحته لياسر عرفات في البيت الأبيض مقر الرئاسة الأمريكي في شهر ايلول عام 1993م إن كان قد شعر بأنها لحظة عسيرة بالنسبة له تلك المصافحة فرد عليه قائلا: لم تكن تلك اللحظة يسيرة علي ولكني لم أملك خيارا آخر.
والرئيس نيكسون الذي يبدي تعاطفا قويا مع إسرائيل في كتابه المذكور يقرر أن اسرائيل ما كان بمقدورها أن تواصل الحرب مع العرب بعد خمس حروب أثبتت أن خسائرها تزيد أمام تزايد خبرات العرب القتالية، ويورد رأيا لأول رئيس لوزراء اسرائيل يتفق مع رأيه، ولذلك فهو يرى أن السلام مع العرب سيخدم مصالح كل من إسرائيل وأمريكا.
أما شمعون بيريز رئيس الفريق الإسرائيلي في مفاوضات أوسلو فإنه لم يستطع بكل ما أوتي من براعة وحذلقة سياسية أن يخفي مرارة ما ذاقته إسرائيل في حرب 1973م وما كانت تعانيه من مأزق في حربها في لبنان وهو يرى في كتابه نحو شرق أوسط جديد أن خسائر إسرائيل كانت باهظة في حروبها السابقة وأنها ستكون أفدح في المستقبل لأنه على ضوء الأسلحة والتكتيكات المتطورة ستكون ساحة المعركة في المستقبل دقيقة ومحدودة وهذا من شأنه أن يزيد بصورة من حجم الدمار في الأهداف.
يلاحظ من هذا الكلام مدى الفزع الذي يسيطر على تفكير قادة إسرائيل التي لا يسمح لها الحيز الجغرافي الصغير الذي تقوم عليه بخوض حرب جديدة مع العرب في ظل القذائف الصاروخية التي تنطلق من العمق إلى العمق، ولذلك فإن خيار السلام إنما هو فرار من الحرب بعكس العرب الذين اختاروا السلام من أجل السلام.
وانتهت العلاقة بين القيادتين الأردنية والإسرائيلية إلى تطبيع علني وترك الموضوعان السوري واللبناني ليكونا المرحلة الأخيرة من السلام لأمر في نفس يعقوب الأمريكي الراعي الأمين!! للسلام، وكيفما كانت الترتيبات الأخيرة للسلام التي سوف تتم بين القيادتين السورية واللبنانية من جهة والإسرائيلية من جهة اخرى فإن ما سيتم الاتفاق عليه هو تحصيل حاصل لا يختلف شيئا عما تم الاتفاق عليه بين القيادتين الأردنية والإسرائيلية بما لا يخرج عن استراتيجية الراعي الأمريكي الذي ورث الهلال الخصيب ممزقا يدور في فلك الامبريالية البريطانية والفرنسية وفق ما عرف باتفاقية سايكس - بيكو فعمل الراعي الجديد على تكريس ذلك التمزق عن طريق تنشيط بؤر التناقض المحلية لتعزيز الطائفية من جهة ولما يخدم هيمنة الكيان الإسرائيلي اللقيط من جهة أخرى.
ومن الواضح جداً أن السياستين الأمريكية والإسرائيلية تتفقان على أن معاهدات السلام ينبغي أن تحافظ على التوازنات المحلية والإقليمية الراهنة وإقامة علاقات ثنائية طبيعية بين إسرائيل وجميع دول المنطقة تضمن للدولة اليهودية الديمومة والتفوق بحيث تكون لها اليد الطولى في مجالات الاستثمار والسيطرة على موارد المياه وقمع أية محاولة للخروج على ما ينبغي أن يكون من مسلمات السلام من وجهتي النظر الأمريكية والإسرائيلية.
لكن الأمم والشعوب ليست قطعا من الطوب تنتظم في البناء بالطول وبالعرض كيفما يريد لها البنّاء، بل الأمم والشعوب لها إرادتها وتوجهاتها الأيديولوجية وتملك طاقات ديناميكية تعجز عن تقديرها حسابات المتغطرسين وبالتالي تستعصي على الاعتساف ومحاولات القهر ولذلك فإن الخطط السياسية الأمريكية والإسرائيلية لما بعد السلام سوف تبقى مجرد رؤى وتصورات فكرية افتراضية قابلة للنجاح جزئيا وقابلة كليا للفشل.
والشعب الفلسطيني ذاته هو المثال الحي على ذلك فقد صمد الفلسطينيون أمام المؤامرات الامبريالية والصهيونية منذ أن بدأت عملية تهويد فلسطين قبل قرن ونصف حيث تكالبت ضده مختلف القوى الظالمة والمتآمرة محليا وعالميا فما فرط في حقوقه وما استكثر التضحيات الجسيمة في سبيل قضيته العادلة,, وأن الباحث المحقق والمتابع المنصف لا يملك إلا أن يحيّي هذا الشعب الذي انحنى لنضاله الجبروت حيث تم الاعتراف له عالميا، بحق تقرير المصير بعد نضال تعاقب على مدى خمسة أجيال، واننا ومن استقراء الأحداث الماضية والحاضرة نستنتج أن ليس بعد الانحناء إلا السجود ولم لا؟
فإذا كان الفلسطينيون قد جاهدوا وناضلوا وقدموا أغلى التضحيات وهم مستبعدون وغير معترف بهم والأعداء امامهم مغلقون ومتحدون في جبهة واحدة متراصة فإنهم فيما بعد السلام أقدر على الوصول إلى حقوقهم المشروعة بعد أن تم الاعتراف بهم كشعب وبعد أن أصبح زمام قضيتهم بأيديهم وبعد أن صارت جبهة الأعداء مكشوفة أمامهم وأقل تماسكا وأكثر خجلا ازاء الضمير الإنساني من سوء ما صنعته أيديهم الآثمة.
قد يقول قائلون، بل هم قالوا: إن السلام يكبل الفلسطينين فيجعلهم غير قادرين على القيام بأية حركات تزحزح أقدام اليهود عن أرض فلسطين وهذا صحيح إذا تصورنا أن تمدد الفلسطينيين على أرض بلادهم في المستقبل ينبغي أن يتم دفعة واحدة وبالحديد والنار وسريعا، ولكنه غير صحيح إذا أدركنا أن للسلام معطيات سوف توفر الأجواء المناسبة لتمدد فلسطيني ديمغرافي يعود بفلسطين تدريجيا إلى وضع يجعلها قابلة إلى الخروج مما فرض عليها بالغدر والقوة.
إن السلام يكبل إسرائيل أكثر مما يكبل الفسطينيين لأن إسرائيل تشترط التطبيع، والتطبيع لا يمكن أن يتم من جانب واحد لصالح الجانب الآخر على علاته كما يقول المثل، وإنما ينبغي أن يكون التطبيع تفاهما وعملا متبادلا يقوم به الطرفان أحدهما إزاء الآخر، أي العرب ازاء اليهود واليهود ازاء العرب وأن يكون مبنيا على الوعي بحقائق الأشياء وأصولها والصدق في معالجة القضايا والالتزام الأخلاقي بالتعهدات وتقرير المواقف بعيداً عن الزيف والخداع، وهنا يقع الأمر الذي لابد من وقوعه وهو الاصطدام بحقيقة إسرائيل التي قامت أصلا على الظلم والعدوان، فإذا أقر اليهود بتلك الحقيقة واعتذروا عما ارتكبوه ضد العرب وخصوصا ضد الفلسطينيين وعاد الحق إلى أصحابه فهذا هو الطريق السليم الذي يوصل إلى التطبيع ولكن ذلك احتمال ضعيف جدا وإذا أصر اليهود على المضي قدما فيما هم فيه وهذا هو الراجح فإنه يستحيل التطبيع على الباطل.
يجب أن نذكر أن هناك قلة من أعلام علماء اليهود ومثقفيهم من أمثال الفرد آنشتاين والدكتور إسرائيل شاحاك وإيلي أمنوف وغيرهم عديدون ممن يملكون حساً إنسانيا رفيعا كأنبياء بني إسرائيل قديما وأن أمثال هؤلاء القلة الإنسانيين سيعلو شأنهم ويرتفع صوتهم ويزيد عددهم في ظل السلام وسوف تقوى العلاقة التحاورية بينهم وبين المثقفين العرب ولكن هؤلاء سيكونون منبوذين من أكثرية اليهود بقدر ما يكونون مقبولين من العرب ولذلك فإن التطبيع سيكون محدودا أو على المستوى السياسي فقط، ومع عدد محدد من النخبة الإسرائيلية وتظل اكثرية اليهود صهيونية طغامية لا تؤمن بغير شريعة التلمود وعقلية بروتوكولات حكماء صهيون ومع هؤلاء قد يكون سلام إلى حين ولكن لن يكون تطبيعا بأي شكل من الأشكال.
إن الأكثر احتمالا من التطبيع الشامل أن نسبة كبيرة من متعصبي اليهود سيضيق بهم العيش في فلسطين فيلجأون إلى العودة إلى البلاد التي قدم منها آباؤهم او يهاجرون إلى بلاد أخرى، أي يعودون إلى الشتات من جديد وتعود فلسطين إلى أهلها وربما تبقى إسرائيل كدويلة أقلية يهودية في فلسطين يكفل استمرارها توازن طائفي يرعاه النظام العربي فيما بعد السلام وفي إطار من النظام الدولي أي كان شكله.
إن مصدر التفاؤل لفترة ما بعد السلام هو أن الفلسطينيين سوف يمثلون الخط الأمامي في مواجهة التحدي الصهيوني وهذا يعني أن المواجهات سواء كانت تحاورا فكريا أو صراعا سياسيا بين العرب والصهاينة ستكون محصورة داخل فلسطين بصورة رئيسية وبما ان ارتباط شعب فلسطين بأرضه حقيقة من أكبر الحقائق فوق سطح الأرض فإن كل ما تم تدبيره من قبل مختلف القوى الظالمة للالتفاف على هذه الحقيقة سوف يتحول إلى خبر كان.
|