الحمد لله رب العالمين، والصلاة وأزكى التسليم على اشرق الانبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين، أما بعد:
فإن الله - عز وجل - جعل العلم سبيل الهداية والايمان، قال تعالى: (فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) سورة محمد/ 19، وهو سلم التقدم والنجاح والرفعة والارتقاء والمفاضلة بين الناس: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) سورة الزمر/ 9.
بل رفع الله - عز وجل - مكانة العلماء درجات على غيرهم فقال: (يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات) سورة المجادلة/ 11.
والعلم طريق النجاح للامم، وقوام البشرية ووسيلة النجاح النامية التي تسخّر ما في هذا الكون لصالح المجتمع، ولذا فقد زود الله - عز وجل - الانسان بوسائل التعلم والمعرفة، حيث قال: (والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) سورة النحل 78.
وأصبح الانسان مكلفاً بعمارة الارض، والسعي لتسخير ما فيها من اجل الحياة المطمئنة الصالحة، وكذلك اصبح مسؤولاً عن هذه النعم التي انعم الله بها عليه، وميزه بها عن غيره من المخلوقات، لينظر فيها ويسمع، ويفكر ويستنتج ويبتكر ويتعلم، ويبني الحياة على هدى من الله وبصيرة، ويستخدم ما اودع الله فيها من مواد وكنوز وانعام ونبات وبحار وانهار، واجواء، ونواميس تضبط علاقة هذه المخلوقات، وهو مسؤول عن ذلك امام الخالق - عز وجل - فقال: (ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد، كل اولئك كان عنه مسؤولا) الاسراء/ 36.
وجاء الاسلام ليأمرنا بالتعلم وحيازة العلم، لأن ذلك سبيل الحياة البشرية، والارتقاء الانساني، ومهمة الانسان في الارض، ولهذا كانت اول آية نزلت من كتاب الله سبحانه وتعالى: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) تبياناً لأهمية التعليم والعلم وضرورته للحياة البشرية بعامة والمسلمين بخاصة، وبذلك غدا العلم فريضة على كل مسلم (رجل وامرأة) لأنه ارتبط بالايمان والهداية، والتفقه في دين الله، ومعرفة ما في هذا الكون من اشياء، واستخدامها حسب النواميس التي خلقها الله عز وجل.
ولقد اهتمت الامم والشعوب بالعلم والتعلّم، ووضعت لذلك الخطط والبرامج والمناهج, واقامت المؤسسات التعليمية من مدارس ومعاهد وجامعات، ومراكز ابحاث، وغير ذلك للكشف عن كنوز العلم، والارتقاء في مضماره والاستفادة من ثماره ونتائجه التي تعود بالخير والنفع على الانسان وحددت مناسبات للاحتفال بالعلم والعلماء، وتكريم المعلمين والمتعلمين، ومن ذلك اليوم العالمي للمعلم.
وكانت المملكة - بفضل الله عز وجل - منذ توحيدها على يد الملك المؤسس الامام عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود - يرحمه الله - سباقة للعناية بالتعليم ورعاية العلم والعلماء، عن طريق فتح المدارس والمعاهد والجامعات، وانشاء الادارات والمؤسسات التعليمية المختلفة، التي ترعى مسيرة التعليم، وتتابع نموه وتطوره، حتى وصل الى هذا المستوى المشرف في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - وفقه الله ونصره - وسمو ولي عهده الامين عبدالله بن عبدالعزيز، وسمو النائب الثاني الأمير سلطان بن عبد العزيز - وفقهم الله -.
فانتشرت المدارس في كل بقعة من هذا الوطن العزيز، واصبحت اعداد الطالبات والطلاب تقارب خمسة ملايين، واصبح عدد المعلمين والمعلمات يقارب اربعمائة ألف معلم ومعلمة، ويتولون تعليم ابنائنا وبناتنا، وإعدادهم وفق الخطط والبرامج التي وضعتها المملكة لتحقيق الاهداف التعليمية والتربوية التي نصت عليها سياسة التعليم.
وإذا كان للكتاب المدرسي والمنهج دور في التعليم، فإن الدور الاكبر والمسؤولية الاعظم تقع على عاتق المعلمين والمعلمات الذين يتولون مهمة التربية والتعليم للطلبة والطالبات، فهم المؤتمنون على اغلى ما تملكه هذه البلاد، وهم فلذات الاكباد، وأجيال المستقبل.
فالمعلمون يحملون مهمة العلماء، ودورهم في ذلك كبير، في الهداية والتربية والتعليم, والعلماء - كما يقول صلى الله عليه وسلم - هم ورثة الانبياء، فما اعظمها من مهنة، وما اكبر اثرها في الاجيال المقبلة.
إن المعلمين يرعون نشأة المتعلمين، وتنمية قدراتهم ومداركهم ويقومون بغرس العقيدة الصحيحة، والقيم الصالحة والآداب الحسنة والسلوك المستقيم والعادات الحميدة في نفوسهم، وفضلاً عن ذلك فانهم يتولون تزويد الابناء والبنات بالمعلومات والخبرات والمهارات والعادات، وإعدادهم للحياة بمجالاتها المتنوعة, ودور المعلمين والمعلمات كبير في تثقيف العقول، وتهذيب النفوس، وصقل المواهب، وتنمية الاستعدادات وتوجيه القدرات، وتصحيح السلوكيات وحماية الاخلاق والآداب من الانحراف او الشذوذ, وما دامت وظيفة المعلم والمعلمة بهذه الاهمية، فقد حرص المسؤولون على اختيار المعلم الصالح والمعلمة الصالحة، للقيام بهذه المهمة، لأن الاثر التربوي العميق إنما يتم في صمت راسخ عن طريق العلاقة المباشرة بين المربي (المعلمة والمعلمة) ومن حوله من ابنائه وطلابه، ولذلك ينبغي ان تبنى هذه العلاقة على الشعور بالمسؤولية من قبل المعلم والمعلمة، والخوف من الله - عز وجل - والصدق في النية، والاخلاص في العمل، والمحبة والعطف في التعامل، والرغبة في اعطاء الطلاب والطالبات كل اهتمام وجهد، ليكونوا عدة المستقبل - رجالاً ونساءً - وحملة مشعل الحضارة لهذه الامة التي اكرمها الله بالإسلام.
وإن جميع فئات المجتمع وبمختلف تخصصاتهم ومهنهم، ومن اساتذة واطباء ومهندسين، وقادة وزعماء، ومبدعين وصناعيين وتجار وزراعيين يدينون للمعلم بما قدمه لهم من تعليم وخبرات وقيم وسلوكيات وارشادات، وبما غرسه في نفوسهم من حب للعلم والعمل، واقبال على الجد والتعلم، فالمعلم صاحب المهنة الأساس لكل المهن والتخصصات.
ولهذا اهتمت الدول والمجتمعات بالمعلم، وجعلت له يوماً عالمياً للتذكير به وبأهميته، وللتعبير عن التقدير له ولمهنته، ولدفعه الى مزيد من العطاء والاخلاص لبناء اجيال المستقبل.
ان المعلم في الاسلام هو المربي، وهو المؤدب، وهو الاستاذ والموجه، لأنه بما يقدمه للناشئ، ينقله للاقتداء والتأسي بالقدوة والمثل وخير المربين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولهذا فإن مهنة التعليم لا تعني نقل المعلومات او توصيلها للناشئين فحسب، ولكنها اشمل وأكبر وأكثر اثراً، لأنها عملية اساسية في تكوين الاجيال وإعدادهم للحياة وفق اهداف الامة وقيمها ومبادئها التي تحكم حياتها كلها,
ولهذا قيل: إن التربية لا تستورد ولا تستعار، لأنها تمثل الامة والمجتمع بعقيدته وقيمه واخلاقه ومثله وعاداته، وهي تختلف من مجتمع الى مجتمع.
والمعلم الذي يحرص على اداء الامانة بجد واخلاص، يحتاج الى الاجتهاد والمثابرة، واكتساب بعض الصفات التي تؤهله للقيام بهذه المسؤولية، ومن اولى الصفات التي يحتاجها المعلم.
أولاً: إيمانه الراسخ بعقيدته الاسلامية ودينه الاسلامي الحنيف، وتمسكه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وقيامه بجميع ما افترضه الله عليه، والتزامه بالقيم والآداب الاسلامية.
ثانياً: الاخلاص في النية والعمل، والصدق في العطاء، والالتزام بالأحكام والآداب.
ثالثاً: شعوره بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، وبعظم الامانة المنوطة به في تعليم الاجيال.
رابعاً: التحلي بالاخلاق الفاضلة، والآداب الحسنة، ولا سيما التواضع والإثار والصدق والامانة.
خامساً: المعرفة الجيدة بالعلوم التي يغرسها عند الناشئين.
سادساً: التماس الطرق والاساليب والوسائل التي تعينه على تقديم المعرفة والخبرات والقيم للطلاب، بطريقة واضحة وسهلة ومفهومة.
سابعاً: الاستمرار في الاطلاع، والاستزادة من المعارف والخبرات، والتعرف على ما يجد في مجال العلوم والتربية.
ثامناً: القدرة على فهم النفس الانسانية وبواعثها وغرائزها واطوارها ومعرفة طبائع الناشئين وحاجاتهم وفروقهم الفردية.
تاسعاً: معرفة الانظمة واللوائح التي تطبق على المتعلمين لتساعد على اشاعة النظام والوئام.
عاشراً: معرفة الاسس التي تقوم عليها المناهج والاهداف العامة والخاصة للتعليم في هذه البلاد المباركة، وادراك رسالة المملكة، والتعريف بحقوق الله ورسوله وسلف هذه الامة وولاة الامر في بلادنا وعلمائنا ومن له حق علينا.
وباختصار، فإن مسؤولية المعلم مسؤولية كبيرة، لأنها مسؤولية تتعلق بالانسان والاجيال الناشئة التي ستكوّن مجتمع الغد، وستحمل مسؤولية هذا المجتمع.
ان الاهتمام بالتعليم يحتاج الى اهتمام بالمعلم والمعلمة، واهتمام بالمدرسة التي تحتضن الطلاب والطالبات والمعلمين والمعلمات، وان بلادنا ولله الحمد، اعطت المدرسة اهميتها، كما اعطت كل المؤسسات التعليمية والمعلمين والمعلمات الاهتمام المطلوب: اعداداً وتدريباً ورعايةً، ومكانع المعلم والمعلمة في بلادنا مكانة مرموقة - ولله الحمد - بما تحقق له من رعاية وتقدير من رائد التعليم في بلادنا وقائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز - وفقه الله ونصره - وسمو ولي عهده الامين، وسمو النائب الثاني, ومن الاجهزة التعليمية والمجتمع كله.
ولهذا فإننا نتوجه بالشكر والتقدير لمعلمينا ومعلماتنا، ونذكرهم بأهمية ما يحملونه من مسؤولية وامانة نحو دينهم وبلدهم ومجتمعهم، ونحو فلذات الاكباد من البنين والبنات، فليكن رائد الجميع الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، معلم الناس الخير، وصاحب الرسالة التي اخرجت خير امة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، امة حملت مشعل العلم والحضارة للبشرية كلها.
وليكن هدف المعلمين والمعلمات تربية الاجيال وتعليمها على اسس صحيحة وقيم اصيلة، لكي تسهم بدور فاعل في المستقبل وتعمل على اكمال المسيرة الحضارية لبلادنا، وتسهم في رقي الانسانية وتخليصها من الآفات والشرور والمخاطر التي تحدق بها.
وإذا كان هذا دور المعلمين بعامة، فإن دور المعلمات بصورة خاصة دور مهم، لأنهن يربين امهات المستقبل اللواتي يملكن قيادة المجتمع وتوجيهه عن طريق الاسرة التي هي عماد المجتمع، والاجيال التي يقمن بتربيتها وإعدادها للمستقبل، ولذا فإنه لا غرابة ان يقال عن المرأة بانها مدرسة، وان إعدادها وتربيتها سيؤدي بمشيئة الله إلى إعداد الأمة كلها وإعداد شعب طيب الاعراق, أسأل الله - عز وجل - ان يجعل من اخواننا المعلمين واخواتنا المعلمات خير قدوة للأجيال, وخير أمناء على فلذات الاكباد، وان يديم على بلادنا نعمة الامن والامان، وان يجزي عنا قائد مسيرتنا ورائد التعليم في بلادنا خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز خير الجزاء وان يجزي صاحب السمو الملكي نائب خادم الحرمين الشريفين ولي العهد الامين وصاحب السمو الملكي النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران - حفظهم الله -.
* الرئيس العام لتعليم البنات