* إعداد وتحليل: مزنة بنت سليمان الوابل
قد يبدو للوهلة الاولى ومن العنوان الرئيسي لهذا الموضوع ان الحديث عنه ليس حديثا مناسبا في مثل هذا اليوم الذي نحتفي فيه بالمعلم والمعلمة والذي يتطلب منا ان نمجدهما ونعدد مناقبهما ونقدم بطاقات الوفاء والشكر لهما بالرغم من ان مثل هذه المناسبة انسب وقت - في رأيي - لنعلن المصداقية مع المعلم او المعلمة ونفتح باب الحوار والنقاش الموضوعي معهما بعيدا عن التظاهرات الشكلية التي لا طائل من ورائها, فنحن بذلك سنكون اكثر صدقا مع انفسنا اولا ومن ثم مع المعلمين او المعلمات الذين نكن لهم كل تقدير وحب تحقيقا لمبدأ (صديقك من صدقك لا من صدقك) كذلك نرجح الظن في ذلك الى ان كلا منا لو نظر الى الوضع الذي ارتضاه المعلم لنفسه والاهداف التي وجد المعلم لأجلها، ونظرة التلاميذ لمعلم يقف حائرا ومترددا اثناء شرح معلومات هو نفسه غير قادر على فهمها لتحددت لنا اسباب مناقشة هذه الظاهرة,, ظاهرة ضعف المعلم او المعلمة بوصفها مشكلة حضارية اكثر من كونها مجرد ظاهرة متحددة الاتجاهات، واننا لذلك كله لسنا الا بحاجة الى تحديد اسلوب تناولها ومواجهتها - ولعلنا هنا لا نغادر الحقيقة اذا قلنا ان قدرا لا يستهان به من تشتيت وضياع الجهد المبذول من قبل المعلم انما يرجع الى تعدد واختلاف تحدياتها والخلط بين حالة (عدم المعرفة) لدى المعلم وحالة القصور في الاداء الفني، فعدم المعرفة بموضوع معين او خبرة تعليمية او عدم الاتقان لمهارة او قدرة فنية في الاداء لا يمثل مشكلة في حد ذاته الا اذا توفر عدد من الشروط لاتقل عن ثلاثة:
1- ان يؤدي عدم المعرفة هذا الى اعاقة المعلم عن تحقيق إمكانياته الموضوعية اي ان تحول بينه وبين بلوغ ما يستطيع بلوغه فيما لو توفرت له هذه المعرفة بصرف النظر عن وعي المعلم ذاتيا بحدود إمكانياته الموضوعية.
2- ان يكون عدم المعرفة هذا عائقا يحول دون الاستجابة لمتطلبات عمله ومحتوى المقررات التي يتعامل معها.
3- ان يؤدي عدم المعرفة هذا الى اعاقة المعلم عن بلوغ مستوى يطمح اليه ويظن ان بمقدوره الوصول اليه دون النظر فيما اذا كانت امكانياته الحقيقية تسمح له ببلوغه ام لا.
وهذا يتطلب عدم اغفال هذه المشكلة واهمية وضرورة معالجتها وان نحدد على ضوء ذلك تعريفا مناسبا لضعف المعلم او المعلمة كمشكلة حضارية باعتبار انها: (انخفاض مستوى معرفة المعلم في مجال علمي معين عن المستوى الممكن موضوعيا والمطلوب مهنيا والمرغوب فرديا), ولهذا التعريف عدة ميزات اهمها:
- انه تعريف مرن نستطيع ان ندرج تحته كافة (انواع الضعف) بما في ذلك الضعف العلمي، الضعف في الاداء، الضعف المهاري، الضعف المهني,,.
- انه تعريف ديناميكي يتناول مشكلة التعليم باعتبارها علاقة بين مستويين كلما اتسعت الفجوة بينهما كلما كان ذلك دليلا على زيادة حجم المشكلة.
- انه يحيط بمشكلة مستوى المعلم بأبعادها الثلاثة المتمثلة بوعي المعلمين والضرورة التربوية، والقدرة المتاحة.
- انه يمكننا من تقييم حجم مشكلة ضعف المعلمين جميعا او الضعف لدى معلمين معينين فضلا عن انه يمكننا من تقييم حجم هذه المشكلة على المستوى الفردي ايضا.
كما انه اعتمادا على التعريف السابق نستطيع الوصول الى بديل موضوعي لتلك النظرة (الاعتيادية) التي تسود الاوضاع عند تقويم الاداء الوظيفي للمعلم من قبل المشرفين التربويين او مديري المدارس والتسليم بأن هذا الضعف مجرد الحصول على تقدير (مرضٍ) او (شبه مرضٍ) او القياس على ان ضعف المعلم العلمي هو ضعف في الاداء الوظيفي فقط وان مجرد النسبة العددية العالية لمن لا يتقنون مهارة من مهارات التدريس يعبر عن حجم هذه المشكلة في حين اننا نستطيع وفقا لذلك ان نتصور ان لهذه المشكلة عدة اوضاع اساسية محتملة يمكن التعبير عنها بما يلي:
1- انها قدرة وضرورة وعي حيث تتوفر لدى المعلمين قدرة على تجاوز ضعفهم ويعتبرون هذا التجاوز ضرورة يتحقق لهم فيه الوصول للوضع الايجابي وانتفاء المشكلة.
2- انها ضرورة ووعي فقط حيث تكون عقبة حقيقية في سبيل تطوره والقضاء على هذه المشكلة لديه يمثل ضرورة وهنا يكون الوضع وضعا مؤقتا لا يلبث ان يحسم اما بتوفر الامكانيات للقضاء على المشكلة او بخفوت المشكلة تدريجيا.
3- انها وعي وقدرة فقط حيث يتوفر لدى المعلمين وعي بما ينقصهم وتتوافر لديهم القدرة على تحقيقه ولكن طبيعة العمل والاعباء الملقاة على عاتقهم ومدى نظرة التلاميذ لهم لا تجعل من معالجة الضعف ضرورة ملحة في نظرهم.
4- انها تمثل قدرة ولكنها لا تمثل وعيا ولا ضرورة لدى المعلمين ففي هذا الوضع تتوفر الامكانات المادية اللازمة للتغلب عليها ولكن طبيعة العملية التعليمية لا تجعل من حلها ضرورة ملحة لعدم توافر الوعي بهذه الضرورة.
5- انها لا تمثل قدرة ولا وعيا ولا ضرورة فلا الامكانات اللازمة والمساعدة لتجاوز المعلمين لضعفهم متوفرة وليس لديهم قدرة لتوفيرها وبالتالي يفتقدون الوعي بأن ثمة ماينقصهم او مايمثل لهم ضعفا.
6- كما ان هنالك وضعا خاصا بهذه المشكلة يتثمل في نظرة القائمين على الاشراف التربوي والمخططين للعملية التربوية التعليمية والذين اتيح لهم فرصة الاحتكاك بالمعلمين والوقوف على مستوياتهم العلمية وتوفر لديهم الوعي بحجم المشكلة الا انهم وقفوا عن الوفاء بالتزاماتهم بالتصدي لهذه المشكلة ووضع الحلول الجذرية لها, ان الحلول العلمية والمنهجية لهذه المشكلة ولغيرها تبدأ بتحليل المشكلة وتشخيص حدودها بدءا من نظرة العامة وافراد المجتمع لها وانتهاء بنظرة المتخصصين والمشرفين التربويين بحيث نقضي على الغموض الذي يكتنف مفهومها ذاته او الغموض الممزوج بالحياء والخجل من مناقشتها والمواقف السلبية امام نظرة ابنائنا للمعلمين وكأنهم منزهون عن الخطأ حتى اننا لنجد ان البعض من الآباء والامهات يتندرون ويتباهون (بحماس) بمواقف ابنائهم الدفاعية - وبخاصة الاطفال منهم - عن المعلمين فيما لو قالوا لهم ان هذه المعلومة التي نقلوها عن المعلم معلومة خاطئة؟!
وان ننظر لمفهوم هذه المشكلة من خلال الفروق الفردية الواضحة بين المعلمين التي يمكن النظر اليها باعتبارها الحد الادنى المشترك بين المعلمين لان هنالك بعض العناصر الثقافية العامة التي يشتركون فيها والتي تتطلب منهم التركيز على عموميات ثقافية يتعين نقلها الى النشء قبل دخولهم في مسائل او فروع متخصصة فمن المؤسف له انني سمعت بحادثة تدور حول ان هنالك بعض معلمات يستأجرن معلمات (دروس خصوصية) لتدريسهن بعض مواضيع المقررات التي يقمن بتدريسها فهل معنى هذا ان مقرراتنا فوق مستوى المعلمات العلمي وفق مستوى معارفهن؟!
وبحجم ما ارى ان النظر لأي مشكلة لا يتم بمعزل عن الاسلوب والمنهج العلمي والطريقة المستخدمة في تحليلها الا انني سأحاول بقدر ما يسمح المقام ان اطرح بعض الطرق والاساليب المقترحة لحل مشكلة ضعف المعلم او المعلمة العلمي وان تعددت الطرق والاساليب في ذلك فان ذلك راجع لاعتبارات تتصل بخصائص المعلمين من ناحية وطبيعة المقررات والمحتويات العلمية التي يدروسنها من ناحية اخرى وهذه الحلول تتلخص في:
1- الاعتماد من قبل المعلمين او المعلمات على طرق واساليب تعتمد على الانتقال من التدريس والتعليم الموجه الى التركيز على التعليم الذاتي بحيث لا تصبح العملية التعليمية قاصرة على معلم مرسل ومتعلم يتلقى وانما تستهدف مساعدة التلاميذ على التعلم بأنفسهم والحصول على المعرفة العلمية من مصادرها الموثقة.
2- الاستفادة من الثورة التكنولوجية: عن طريق استخدام وسائلها المتاحة مثل التلفاز التعليمي او الحاسوب.
3- تعاون وتضافر الجهود فيما بين المعلمين والمشرفين التربويين للتغلب على هذه المشكلة عن طريق:
1- الحوار والمناقشة والمواجهة الموضوعية والاعتراف بالمشكلة ووجودها.
2- تحديد مواضيع المقررات التي تبين وتبرز حدود هذه المشكلة.
3- الاتفاق فيما بين المشرفين والمعلمين على بناء انموذج علمي لنوع الكفاءة والمعرفة العلمية التي يحتاج المعلم ان يصل اليها بتعامل المعلم مع هذا الانموذج من خلال:
أ - تقديم نوعية من المعارف والخبرات في المقررات تساعد المعلمين على تقويم قدراتهم وكفاءاتهم الحالية ومقارنتها بالانموذج المقترح.
ب - مساعدة المعلمين على الشعوربعدم الرضا عن وضعهم نظرا لوجود فجوة بين مستواهم العلمي ومستوى الانموذج المقترح.
ج - ان يبدأ المعلمون في التعرف على الاتجاهات والطرق التي تؤدي بهم للنحو المنشود والوصول لهذا الانموذج.
4- ايجاد تغذية راجعة تعتمد على مساعدة المعلم على اكتشاف اخطائه وتصحيحها اثناء التفاعل في الموقف التعليمي.
5- الاعتماد على النشرات والرزم التعليمية والانشطة الاشرافية مثل الحلقات الدراسية والدورات المكثفة لتحديد الاخطاء العلمية وتقديم شروحات وتفاسير للمعلومات التي يستصعبها المعلمون.
6- ان يتم معالجة هذه المشكلة معالجة جذرية تعتمد على اعادة النظر في تأهيل وتدريب المعلمين قبل الخدمة بحيث لا تنعزل الكليات التربوية عن المشاكل والواقع التعليمي للمعلم فلا يكون دورها في حدود اعداد كوادر من المعلمين المتخصصين دون متابعة لهم داخل الميدان ومعالجة مشكلاتهم والاستفادة من كل هذا في تحديد الاسس المهمة التي ينبغي ان يستند اليها محتوى التعليم في شعب اعداد المعلم, كذلك التدريب اثناء الخدمة يجب ان يخرج من كونه تدريبا يعتمد على رفع مستوى الاداء الفني للمعلم واتقانه للمهارات والاساليب التدريسية مثل (الاهداف السلوكية، طرق التدريس، اساليب التقويم,, الخ) فقط الى اعتماد خطة لرفع مستوى المعلم علميا عن طريق (اعادة التعليم للمعلم) بدلا من ان يتفاقم حجم المشكلة ونرى اننا امام ضعف علمي متزايد للمعلم فيكون الحل والحال هكذا ان نطالب المعلم بأن يعود من حيث أتى فهذا المعلم حصيلة معلم سابق لديه نفس الضعف العلمي، وليس من اللائق ان يقف في (حجرات) مدارسنا معلمون او معلمات - بأبسط الاحوال - يقرؤون وابناؤنا كالببغاوات - يرددون من بعدهم عبارات قد نصبوا فيها ما يستحق الرفع، وشاع اللحن، وتفشى الخطأ عند الكتابة الاملائية على السبورات، ونحن نقف من هذه المشكلة موقف المتفرجين والخجلى من الاعتراف بها.
|