Tuesday 5th October, 1999 G No. 9868جريدة الجزيرة الثلاثاء 25 ,جمادى الثانية 1420 العدد 9868


تنافر الحضارات
د, فهد بن إبراهيم آل براهيم

إن مشكلتنا مع الغرب تكمن في لغة التفاهم ، فالغرب يتكلم لغة نسمعها ونفهما، لا نوافق كل ما يقوله ولا نرفض كل ما يتفوه به، فلا نجد غضاضة في اقتباس إيجابياتها طالما انها لا تتعارض مع المعتقد والثابت، ونرفض سلبياتها -التي نجد فيها تجسيداً لجاهلية القرن الحادي والعشرين- فسلبياتها الكثيرة لا تحتاج الى باحث متخصص للوقوف على نتائجها الوخيمة، فالزائر لأي من العواصم الغربية الكبرى يرى افرازات الحضارة السلبية، فمنظر المتسولين الذين ليس لهم مأوى هوم لس وهم يتخذون الارصفة في الشوارع الرئيسية مأوى لهم يمارسون فيها حياتهم الطبيعية لم يعد منظراً مستغرباً، والحديث هنا ليس عن شوارع بومباي وانما عن بارك لين في وسط لندن، وام ستريت في قلب واشنطن,
ففي الولايات المتحدة- اغنى بلدان العالم- يتجاوز عدد الفقراء المعدمين العشرين مليون شخص، الامر الذي يؤكد حدة وعمق هذه السلبيات، وكذلك الحال في المشكلات الاجتماعية والاسرية، حيث اصبح التفكك الاسري هو سمة تلك المجتمعات، فلو اخذنا بريطانيا كنموذج للمجتمع الغربي لوجدنا ان استمرار الزواج اصبح شاذاً ونادراً، وان الطلاق هو الوضع المعتاد والطبيعي في ذلكم المجتمع,, فحياة الفرد البريطاني اليومية تدور داخل الحانات إذ يتوجه اليها بعد ان ينصرف من عمله الوظيفي، فيقضي بقية يومه فيها، يحتسي الخمر ويأكل حتى يحين موعد نومه، فحياته مقسّمة بين العمل والحانة,, اما الامريكي فيكرس ثلاثة ارباع وقته للعمل، والربع الباقي موزع بين اسرته وعلاقاته الاجتماعية.
فالتفكك الاسري في المجتمعات الغربية، وطغيان المادة على العلاقات الاسرية والاجتماعية والانسانية، هو السّمة البارزة لتلك المجتمعات، واذا كانت العائلة هي البنية التحتية للمجتمع، فان حال الأسرة الغربية يعكس هشاشة البُنى الاساسية للمجتمع الغربي وما ترتب عليه من افراز الكثير من المعضلات والمشكلات الاجتماعية والخلقية والنفسية مما أدى الى انتشار المخدرات والدعارة وارتفاع نسبة الانتحار.
ان نظرتنا لسلبيات المجتمع الغربي لا تحجب عنا رؤية مافيه من ايجابيات مضمونها الاهتمام بالحياة العملية، كدقة النظام، واحترام الوقت، وإتقان العمل، وحماية الفرد المستهلك,, وهي امور تتفاوت من بلد الى آخر، فاذا كانت المانيا وامريكا تأتي في المقدمة فان بلداناً اخرى كإيطاليا واسبانيا تتخلف عنها بدرجات في هذا المجال, ولسنا -هنا- بصدد المقارنة بين ايجابيات المجتمع الغربي وسلبياته، ولكننا نقارن بين نظرتنا الى ذلك المجتمع وتلك الحضارة وبين نظرة الغرب الى حضارتنا الاسلامية، والتي تتمثل في مشكلة لغة التفاهم التي اشرنا اليها، فمعظم الغربيين ينظرون الى حضارتنا نظرة سلبية، نظرة رفض عام وجهل وتجاهل، واذا كان تاريخها يرجع الى الحروب الصليبية فان الصهيونية لم تأل جهداً في إذكاء نار الحقد والكراهية لكل ما هو اسلامي وعربي,.
والغربي بطبيعته يرى ان تقاليده وعاداته وقيمه هي الحد الادنى للمجتمع المتحضر، فما طابقها ووافقها فهو مجتمع متحضر ومثالي، وما خالفها فهو مجتمع بدائي متخلف، وبالتالي لا يستحق أفراده الاحترام والتقدير، فهذه النظرة الفوقية المتعالية التي ينظر بها الغرب الى الحضارات المغايرة هي اساس مشكلة التفاهم ونقطة التنافر.
قال تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم .
رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved