تاريخ البشرية - في احد جوانبه - هو تاريخ الحروب والاقتتال بين بني الانسان, وعبر مراحل التاريخ المختلفة، وقعت حروب تمثل نقاط تحول في مسار الدول والامبراطوريات والشعوب، منها الحروب بين المصريين والحيثيين ، ومنها الحروب بين مدينتي اثينا واسبرطة، وتلك بين روما وقرطاجة.
وشهدت اوروبا في العصر الحديث حرب الثلاثين عاما، حروب نابليون وصولا الى القرن العشرين وحربيه العالميتين الاولى والثاني, ثم كانت الحرب غير المعلنة التي انتهت بتفكك الكتلة الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي، فالعالم يعيش منذ بداية التسعينات آثار حرب عالمية ثالثة انتصرت فيها الولايات المتحدة.
والحروب صنوف وانواع: منها تلك التي تقع بين الدول وجيوشها النظامية في مجال توسع احداها على حساب الاخرى، كما انها قد تقع بين الدول لصراعات حول الحدود، او لتنافسات قومية، او لطموحات الملوك والرؤساء.
وهناك نوع آخر من الحروب يحدث في داخل الدولة الواحدة لاسباب مذهبية او قومية وهي ما تسمى بالحروب الداخلية او الاهلية أي تلك التي تقع في داخل الدولة الواحدة, منها على سبيل المثال الحروب، بل والمذابح الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت في اعقاب حركة الاصلاح الديني على يد مارتن لوثر ونشأة الكنيسة البروتستانتية ورد فعل الكاثوليك العنيف لتلك النشأة والذي اعتبر وقت ذاك انقساما وانشقاقا على وحدة الكنيسة في روما ومنها عشرات الصراعات القومية بالذات في وسط وشرق اوروبا.
هذه المعاني تتداعى الى الذهن عندما يفكر الانسان فيما يحدث في منطقة البلقان ووسط اسيا, ففي اعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي ، انفجر عديد من الصراعات القومية بين ارمينيا واذربيجان، وفي داخل الاتحاد الروسي نفسه بين الشيشان والحكومة الروسية.
وفي اعقاب انهيار الاتحاد اليوجوسلافي وقعت سلسلة متتالية من الحروب بين الصرب وسلوفينيا، ثم بينهم وجمهورية كرواتيا، ثم بينهم وجمهورية البوسنة، ثم انفجرت بؤر التوتر العرقي في اقليم كوسوفو، والذي حسم امره التدخل العسكري لحلف الاطلنطي.
وعادة مايكون للحروب الاهلية سمات تختلف عن الحروب النظامية بين الدول, ففي حالة الحروب التي تديرها الدول فان الحرب تتم في المقام الاول بواسطة جيوش نظامية محترفة وبين القوات المسلحة للبلدين، وتتضح فيها الخطوط الفاصلة بين جبهة المعركة والجبهة الداخلية لكل مجتمع, ونشأ في مجال القانون الدولي مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول المتحاربة وهو ما يسمى بقانون الحرب.
اما في حالة الحروب الاهلية، فان الاوراق تختلط, الجيوش النظامية تختلط بالميليشيات الشعبية وكل من يحمل السلاح, وفيها لا توجد جبهة قتال، وانما تمتد ساحة القتال لتشمل كل شارع وكل بيت, ففي هذه الحروب يدور القتال في الاحياء والشوارع التي يسكنها المقاتلون انفسهم، ويكون الهدف فيها هو السيطرة الكاملة عليها, عكس الحال في الحروب النظامية التي يكون على الجيوش ان تحارب مئات الاميال خارج المدن التي اتى منها الجنود والضباط, لذلك تتسم الحروب الاهلية بدرجة اعلى من الشراسة والعنف الذي لا تعرفه الحروب النظامية, وافظع نماذج التمثيل بجثث الخصوم تم في حالات الحروب الاهلية,
ولعلنا نتذكر الفظائع التي نقلتها وكالات الانباء عن الحروب الاهلية في لبنان التي دامت خمسة عشر عاما او تلك التي شهدتها رواندا او الصومال, نفس الشيء حدث في حروب البلقان الراهنة.
فخلافا للحروب النظامية التي تدور بين الجيوش، التي لا ترى بعضها البعض رؤية العين، والتي تدور بين اشخاص لا يعرفون بعضهم بعضا، فان الحروب الاهلية تدور بين الشوارع وعلى ابواب المنازل، وتتم بين اشخاص يعرفون بعضهم بعضا، ويدرك المقاتل ان الهزيمة تعني فقدان المسكن او ضياع العرض والشرف, وهذا ما يفسر التجاوزات اللا إنسانية التي تشهدها تلك الحروب.
وبالنسبة للحروب النظامية، فانها تدريجيا تأخذ شكل الحروب عن بعد , فالصواريخ بعيدة المدى يتم اطلاقها من حاملات طائرات وسفن بعيدة عن الهدف مئات الاميال، ويستطيع الصاروخ الذي تم برمجته من خلال الحاسب الآلي انيسافر حتى الوصول الى هدفه ثم يتم التفجير, نفس الشيء بالنسبة للطائرات التي تطير على ارتفاعات لا تصل اليها اجهزة الدفاع الجوي، او تلك الطائرات الشبح التي لا يمكن رصدها ابتداء, فالحروب لم تعد مجالا لتجليات الإقدام الفردي والشجاعة الشخصية وانما يتحكم في نتيجتها درجة التقدم التكنولوجي وقدرات التدريب الشاقة.
وهناك انواع اخرى من الحروب التي لا تحدث فيها مواجهات مسلحة ولا تسيل فيها دماء, ومثال ذلك، الحروب التجارية بين الدول الصناعية, ففي السنوات الاخيرة هددت واشنطن كلا من دول الاتحاد الاوروبي واليابان باعلان الحرب التجارية عليها.
كما اصدرت تشريعات اقتصادية تفرض عقوبات على الشركات المتعاملة مع ايران وليبيا، ومن قبل كوبا، وهناك سياسات الإغراق التي تتبعها بعض الشركات، ومؤداها ان تبيع في اسواق الدول الاخرى باسعار تقل عما تبيع به في السوق الداخلي، وهي ممارسة محظورة دوليا ويتم فرض عقوبات مالية على ممارسيها, وهناك حروب الجاسوسية العلمية والتكنولوجية والاقتصادية فلم تعد الجاسوسية تهدف الى جمع المعلومات العسكرية والامنية وحسب،وانما تسعى للحصول على اسرار التقدم العلمي، والمجالات التكنولوجية الجديدة، واستراتيجيات التسويق والتصدير، واصبحت هذه المجالات احد شواغل اجهزة جمع المعلومات,ثم ان التقدم في علوم الكيمياء الحيوية، او ما يسمى مجازا بالهندسة الوراثية، يفتح الباب امام حروب جديدة تتصل بالجينات والتأثير على البشر من خلال انماط الغذاء التي تم التعامل معها من الناحية الجينية.
من سنوات، كنا نشاهد افلام الخيال العلمي ويعلق بعضنا مستنكرين: هذا لا يمكن ان يحدث؟!!
والحقيقة، ان ما يحدث الآن في المعامل والمختبرات العلمية من تجارب، وما تفتح له الباب من آفاق واحتمالات يجعلنا على ابواب عصر جديد.
*كُتب هذا المقال قبل تعيين الكاتب وزيراً للشباب والرياضة في جمهورية مصر العربية