Tuesday 12th October, 1999 G No. 9875جريدة الجزيرة الثلاثاء 3 ,رجب 1420 العدد 9875


بل الواجب أن تكون بالعربية
د, أحمد بن محمد الضبيب*

نشرت جريدة الجزيرة في عددها رقم 9813 وتاريخ 29/8/1420ه ص10 ملخصا لبحث اعده الدكتور محمد بن حسين الحبوبي الاستاذ المشارك بقسم هندسة النظم في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن بعنوان (تغيير لوحات المركبات بالمملكة خطوة عملية، ولكن يجب استخدام اللغة الانجليزية لهذه الاسباب),, أشار فيه الى اهمية التغيير الذي حدث في لوحات السيارات في المملكة، ووصفه بأنه انجاز ذو دلالة علمية وعملية رائعة,, ولكنه على - الرغم من اعتزازه باللغة العربية كما يقول - فإنه يرى ان استعمال الحروف العربية، والارقام العربية الراهنة فيه الكثير من الصعوبة، وخلص البحث الى اهمية ان تكون اللوحات بالحروف الانجليزية (كذا) كما يرى الباحث استخدام الارقام الانجليزية (كذا)، لأن هذه الارقام عربية الاصل.
ويمكن تلخيص تحفظه على استخدام الحروف العربية والارقام العربية في النقاط الآتية:
1- التشابه الموجود بين بعض الحروف العربية، كما في الباء والتاء، والثاء، والنون، والجيم والحاء والخاء، والراء والزاي، والعين والغين، والفاء والقاف,, ويرى في استعمال الحروف اللاتينية ميزة في عدم التشابه, إذ أننا إذا أخذنا من الحروف العربية صورة واحدة فإننا بذلك نحصل على (15) صورة لحروف لا تتشابه، وهذا العدد لا يكفي - كما يقول - لعدد الرموز التي تتطلبها اعداد السيارات المتوقعة لعام 1433ه، وهي حسب تقديره تتطلب (19) صورة.
2- والأمر الثاني من النقد الموجه للحروف العربية انها غنية بالمعاني (على غرار اللغات الاخرى) فيمكن من اجتماع ثلاثة حروف عربية التعبير عن بعض المعاني غير المناسبة.
3- ان بعض المواطنين قد يسافر خارج المملكة لدول غير ناطقة بالعربية، ويواجه مشكلة عدم معرفة رجال الجمارك الاجانب اللغة العربية.
4- وجود جالية كبيرة في المملكة لا تنطق اللغة العربية ولا تعرفها، مقيمة في المملكة، وفي استعمال الحروف اللاتينية تسهيل لهذه الجالية، كما ان كثيراً من الحجاج والمعتمرين لا يحسنون العربية.
ومع تقديري لاجتهاد أخي الدكتور الحبوبي, فإن القارئ لملخص بحثه يلحظ انه حاول حل المسألة حلاً عملياً رياضياً ونفعياً (براجماتياً)، دون النظر إلى ما يرافق هذا البحث من ملابسات اجتماعية ونفسية وثقافية، يكون اثرها بالغاً، وتأثيرها خطيراً، إذ أن هنالك مبادئ وأسساً تقوم عليها حضارات الأمم، وتستند إليها في مسيرتها في الحياة، ومن هذه المبادئ والأسس الحفاظ على اللغة الوطنية للبلاد التي تتحدث بها، لأن اللغة تمثل ملمحاً مهماً من ملامح الشخصية، وهي سياج حضارة الأمة وثقافتها من غزو الثقافات الاخرى، ولهذا فإن التخلي عن اللغة في اي موقع من مواقع الحياة، وترك هذا الموقع للغة أجنبية، أو رموز لغة من خارج الحدود، يؤدي إلى نقص في السيادة، وإزراء بالكرامة، وتدليل على القصور والعجز للأمة التي لم تستطع جعل لغتها تواكب مستجدات العصر.
إن نقص اربعة رموز في حروفنا العربية - جدلاً - لا يجب ان يحجب عنا فوائد كبيرة ورائعة، تنتج من إبقاء رموز لغتنا على السيارات المستعملة في بلادنا.
فهذا المنطق الذي ذهب إليه الدكتور الحبوبي هو المنطق نفسه الذي ذهب إليه اعداء العربية منذ بداية هذا القرن، مشكّكين في قدرة هذه اللغة على استيعاب الجديد، ومشيرين الى أهمية اللحاق بالأمم الاخرى بتبني ابجديتها وأرقامها.
ولكن الأمة العربية ثبتت على استعمال لغتها، على رغم المشكّكين من اعداء الحضارة الاسلامية، ودعاة تحطيم هذه الأمة وتمزيقها، وها هي العربية تحقق انتصارات جيدة في حقول الحاسب الآلي، بفضل جهود المخلصين من ابناء هذه الامة، الذين افرغوا الجهد والمال من اجل تطوير اللغة لتواكب مستجدات الحاسب الآلي.
القضية يا أخي ليست قضية (استفادة) او قضية (سهولة وصعوبة)، القضية لها مساس بالهوية العربية، فإذا كنا سنأخذ كل يوم رمزاً أجنبيا لنضعه على لوحاتنا، أو مفردةً أجنبية نستعملها في كلامنا، من أجل كونها اسهل في التعبير عن حاجاتنا اليومية، او العلمية، فإننا بذلك نحفر قبراً للغتنا، بل إننا نحفر قبراً لهويتنا وشخصيتنا العربية, هذا الكلام ليس وعظياً إنشائياً، ولكنه كلام واقعي، فكم من اللغات اندثرت وأصبحت أثراً بعد حين بفعل تهاون أهلها بها، وتفريطهم في حقها، وتركها نهباً للغات الأجنبية تعيث في رموزها ومفرداتها وتعبيراتها.
هذا من ناحية,, ومن ناحية أخرى فإن كثيراً من الحجج التي قيلت عن قصور الحرف العربي، أو الرقم العربي لا تنهض سبباً كافياً لتغيير ارقام لوحات السيارات والمركبات.
إن نقص أربعة رموز غير متشابهة يمكن ان يُتدارك بشيء من البحث الجاد، والعمل العلمي الحثيث، هذا إلى جانب أن الرموز الأجنبية التي أوردها الدكتور الحبوبي، وتوهم فيها أنها لا تختلط او تتشابه ليست - في الواقع - بعيدة عن التشابه, فقد ذكر الدكتور الحبوبي في ملخص بحثه ان بعض النقط في الحرف العربي يمكن ان يزول عنها اللون الأسوف فتفقد فائدتها، ولست أدري لماذا خصت اللغة العربية بهذا، فأصبحت الوحيدة التي تكون رموزها قابلة للمسح والزوال، وجعل اللغات الأخرى بمنجاة عن ذلك؟, إن الحروف الإفرنجية يمكن أيضاً أن تتشابه لو تآكلت أطرافها أو زال السواد عن بعض أجزائها، فتختلط بمثيلاتها كما في الرمز E وF إذ يمكن ان يزول السواد عن الركن الاسفل من E فتشبه الF وكذلك الأمر في O وQ (إذا ما مسحت شرطة الQ) وI وJ وP وR (إذا ما مسح خط R الايمن), إن حدود الممكن واسعة، ولا توضع القواعد على ما يمكن ان يحدث في الحالات الشاذة.
أما موضوع الرقم العربي فإنني أستغرب كثيراً من (هرولة) كثير من الصحفيين والكتاب إلى الرقم الإفرنجي المعاصر، بحجة ان أصله عربي، وكأنهم لم يكتشفوا هذا النسب بينهم وبين هذا الرقم إلا أخيراً، فإذا هم يتعلقون به تعلق الغريق بالقشة، لا لكونه عربياً ولكن لكونه يلبس زي (الخواجة الأجنبي)، إن الحجة التي كثيراً ما يذكرونها هي ان الأجانب يسمونه (الرقم العربي)، والواقع أنه رقم ذو اصل عربي، ولكن صورته الحاضرة ليست الصورة العربية، إنه رقم مغترب، حوَّره الإفرنج كي يناسب حروفهم، فأسبغوا عليه من روحهم، فبدأ شبيهاً بكتابتهم، معبراً عن ثقافتهم، مناسباً للكتابة من اليسار إلى اليمين.
أما رقمنا العربي المستعمل بيننا فهو رقم يمتد تاريخه إلى بداية الاستعمال العربي للأرقام، وهو رقم يناسب كتابتنا وحروفنا العربية، وإذا فقدنا هذا الرقم فإننا سنقطع الصلة بيننا وبين ما كتب على مدى قرون التاريخ العربي الإسلامي، وليس من العقل ان نأخذ الرقم المغترب ونترك الرقم الأصيل,أما موضوع الألفاظ التي تنتج عنها معان غير مستحبة فهي قضية فرعية، يمكن التغلب عليها من خلال حكمة القائمين على وضع الرموز، بل يمكن أن يتنبأ بها مسبقاً من خلال برنامج حاسوبي معد لهذا الغرض.
أما سفر المواطنين إلى الدول الأجنبية بسياراتهم، فعلاوة على أنه ليس كثيراً، ولا يكوِّن مشكلة كبيرة تجعلنا نتنازل عن امر عظيم، مثل رموز لغتنا فإن كثيراً من الدول تمنح السيارات الزائرة لوحات على الحدود للتجول بها مؤقتاً داخل البلاد، ولا أعتقد أن أحداً يطالب بلادنا بتغيير لوحاتها من أجل ذلك، ولابد أن وزارة الداخلية على علم بالأعراف الدولية في هذا الشأنأما القول بأن في المملكة جالية أجنبية مقيمة، وأن الحجاج والمعتمرين يزوروننا في مواسم معينة فهي حجة غريبة، إذ أنني لم أر دولة من الدول تغيّر أنظمتها، أو طريقة تعاملها مع مواطنيها على أساس وجود أقلية طارئة في بلادها,إن من مصلحة الأقلية الأجنبية ان تتعلم اللغة العربية، وأن تتعرف على الحرف العربي، والرقم العربي، بل إن من واجبنا أن نبث لغتنا بين أبناء هذه الجالية، لأن معرفتهم للغة ستجعلهم أقرب إلى ثقافتنا، مما سينعكس إيجابياً على مشاعرهم نحونا، ويجعلهم متحمسين لقضايانا، ومن المعروف أن اللغة من أهم الوشائج التي تربط بين من يعرفها وبين البلاد التي تتحدثها, ولا أدل على ذلك من تكوين الروابط الدولية على أساس لغوي، مثل الرابطة الفرانكفونية التي تنتظم البلدان المتحدثة بالفرنسية، أو تلك التي تتصل بالثقافة الفرنسية بسبب في جميع انحاء العالم, ولعل من النقد الشديد الموجه إلينا من قبل أفراد الأقليات الأجنبية في المملكة انهم لا يكادون يشعرون بحاجة إلى تعلم العربية، بل إنهم يرغبون في معرفة العربية، ولكننا نصدُّهم عن ذلك بالحديث إليهم من خلال لغة اجنبية وسيطة, أو عبر لغة عربية مكسرة.
أما الحجاج والمعتمرون فهم مسلمون، يقرأون كتاب الله المنزّل المكتوب بالعربية، ولاشك أنهم على معرفة بالحروف العربية والأرقام العربية,, وكثير منهم يكتبون بالخط العربي، ويستعملون الرقم العربي، كما في إيران وباكستان.
فلست أرى صعوبة في تعرف مثل هؤلا على رموز لوحات السيارات.
إنني أحترم البحث العلمي,, وأعتقد ان الدكتور الحبوبي قد بذل جهداً طيباً، ولكني تمنيت لو ان الدكتور الفاضل وجّه بحثه لحل مشكلة الحرف العربي - ان كانت هناك مشكلة - وإيجاد بدائل من خلال اللغة العربية، يمكن بها التغلب على هذه المشكلات إن وجدت, لو فعل ذلك لكان قد أبدع، وأضاف وقدّم فتحاً في عالم اللغة العربية، وإنجازاً تزهو به الحضارة العربية، اما أن يطبق ما قام به الأجانب في بلادهم، فلست أرى في ذلك جديداً, إذ أن الأسس التي استند إليها لاشك أنها قد طبقت لدى الآخرين (الذين يستعملون الحروف والأرقام الإفرنجية)، فلماذا يخترع العجلة من جديد؟ أما كان من الممكن أن يطلب النظم التي قامت بها إدارات المرور في أمريكا وأوروبا (مثلاً) وأن يطبقها كما طبقوها، مع بعض التحوير المناسب لظروف المملكة؟!.
وأخيراً,, إن ما قامت به وزارة الداخلية من تغيير لوحات السيارات لتكون عربية خالصة واضحة لا يشاركها فيه رمز أجنبي، لهو عمل وطني رائع يستحق الاشادة والشكر، وينم عن شعور حضاري راق, يؤكد على الهوية العربية الاسلامية لهذه البلاد، وينأى بها عن التبعية البغيضة، ويشعر الإنسان السعودي بالاعتزاز والفخر, وحبذا لو حذت جميع المؤسسات والمحلات التجارية حذو هذه الوزارة، فكتبت لوحاتها بلغة عربية سليمة لا يشاركها فيها لفظ أجنبي او حرف اجنبي,, وهو ما جرت عليه العادة في البلاد المتقدمة، بل هو الجدير في بلد هو مهد العروبة والإسلام.
* عضو مجلس الشورى.

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved