Tuesday 12th October, 1999 G No. 9875جريدة الجزيرة الثلاثاء 3 ,رجب 1420 العدد 9875


شدو
وهم العولمة !

يشيع في الآونة الاخيرة تداول مصطلح العولمة الى الحد الذي يكاد يقتل بحثا على الرغم من ان العولمة (لم تشب عن الطوق بعد!) هذا إن كان هناك من طوق سوف تتجاوزه,! ومن الملاحظ في جل الكتابات التي تدور حول العولمة تباين آراء كتبتها تجاه ما يجب عمله ازاءها: فمنهم فريق تجد بين طيات حروفه ترحيبا حارا بها على الرغم من إقراره بعلاتها المتوقعة,, ومنهم من ينتهج مبدأ سد الذرائع مقدم على جلب المصالح وذلك برفضها خيرها وشرها، ومنهم من ينتهج خطا وسطا فيه من الحذر والحيطة ما فيه، ومع ذلك لا يمانع من النهم من جديدها النافع!, يتم هذا كله في الوقت الذي - وكما أسلفت - لم تتضح فيه ماهية وكنه ما يعرف بالعولمة او ايدلوجيتها او وسائلها او حتى الاتفاق على تعريفها - كمصطلح - مترجم من لغات اخرى له حيثياته اللغوية والثقافية مما بالتالي يجسد المثل الانجليزي القائل بأن الترجمة خيانة )Translation is a treason( وفي ظل عدم اتضاح الرؤية تلك فإنني أرى أنه ليس هناك من عولمة في المنظور القريب أو البعيد,! وذلك مرده الى سماعنا لجعجعة العولمة منذ أمد ليس بالقصير ومع ذلك لم نر أثرا لطحينها على الرغم من ان إرهاصاتها (الخيالية!) قد ترعرعت منذ منتصف هذا القرن وذلك بدليل شيوع مصطلحات غربية (باعثها الخيال!) من قبيل العصرية والقرية الكونية وصدمة المستقبل ومجتمع ما بعد الصناعة والمجتمع الجماهيري,, والقائمة تطول وتطول,, بمعنى آخر: على الرغم من كثرة ما لاكته الألسنة وخطته الأقلام عن العولمة ولسانها الممدود ثقافيا وتبعاتها الأخلاقية والاقتصادية والسياسية,, أقول على الرغم من ذلك فليس هناك من دلائل (تدل) بوضوح تام وقاطع على بداية العولمة او حقيقتها او اتجاهاتها او اي منحى (ثقافي) هي بصدد الأخذ به,, رب قائل يقول وأينك من ثورة الاتصالات في عصرنا هذا والتي هي خير دليل على ان العولمة آتية لا ريب؟!!,, (لأقول) ان ما ينسحب على ثورة الاتصالات ينسحب كذلك على ما مرت به الانسانية - خصوصا من خلال مراحلها الحديثة - من ثورات علمية وفكرية وصناعية حلت بين ظهراني هذا الكون وتأثر بها هذا الكون ولكن في النهاية لجأ إنسان هذا الكون، وبسبب ما حباه الله من قدرة على تكييف ما يريد تكييفه وتطويع ما يريد تطويعه، الى الاكتفاء منها بما يخدم رغبته ويسد حاجته ويتناغم مع ثقافته,, خذ - مثلا - ما حديث في اوروبا من ثورات علمية وفكرية منذ القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر وما نحم عن ذلك من ظواهر اجتماعية وسياسية واقتصادية بعضها انطلق من (الخيال) فأفل نجمه وبعضها انبثق من الواقع وعاش الى يومنا هذا, هنا ومع الاقرار بحقيقة تأثير الثورة الصناعية الذي لا مراء فيه فهو مع ذلك يظل تأثيره محدود النطاق قياسا على ما (تخيله!) بل وتمناه مفكرو تلك الحقبة التاريخية من الغربيين وخصوصا روّاد المدارس الفكرية ذات الجذور البيولوجية التطورية (العنصرية) والتي سادت في تلك الفترة ورأت في التجربة الغربية مثالا لابد من احتذائه من قبل المجتمعات (المتخلفة!) غير الاوروبية,! هذا - بالطبع - مرده إصرار الغرب واهما - على عالمية ثقافته والنظر إليها وكأنها الخلاصة الايجابية لما توصلت اليه الانسانية خلال مراحل تطورها المختلفة,! وما على من لديه شك او ريب سوى تناول أي كتاب غربي يُعنى بما يعرف بالتنمية او العصرنة ليكن على بينة من أمر ما ذكرت,, وبالمناسبة، ألا ترون ان ما قام به مؤسس علم الاجتماع الفرنسي المشهور وحفيد الصليبيين (كومت )Comte في أوائل هذا القرن من تأسيسه لدين عالمي على حد زعمه )Universal Religtion( تجسيدا للعقلية الفكرية الغربية (الخيالية) لعولمة العالم (دينيا!!) ومع ذلك - وكأمر طبعي - فشلت تلك المحاولة بل واعتبرت من المثالب الكبيرة التي يوصم بها فكر هذا العالم,! (يتبع),.
د, فارس الغزي

رجوعأعلى الصفحة
أسعار الاسهم والعملات
الاولــــى
محليـــات
مقالات
المجتمع
الفنيـــة
الثقافية
الاقتصـــادية
مشكلة تحيرني
منوعــات
القوى العاملة
تقارير
عزيزتي
الرياضية
تحقيقات
مدارات شعبية
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved