السعي الى وضع العالم في نمط حياة القوي قديم، سعى اليه الاولون وتبعهم المتأخرون، فالاغريق حاولوا صبغ العالم بالصبغة الاغريقية، وسلكوا في سبيل ذلك اكثر من طريق، ومن تلك الطرق نشر الثقافة الاغريقية ومنها الغزو العسكري الذي اشتهر به الاسكندر المقدوني، وجاء الرومان بعد الاغريق، فسلكوا طريقهم، ونجحوا في بعض النواحي الاقتصادية بدليل انتشار العملة الرومانية والتعامل بها من قبل الاخرين في كثير من اجزاء العالم المعروف في زمنهم، وجاءت المسيحية فانتقلت من الشام الى بلاد الرومان، فانفتحت لها العولمة، ونشط المنصرون في الدعوة الى المسيحية في اوربا وفي غيرها،وجاء الاسلام بعد ذلك داعياً الناس عامة الى الدخول فيه، فهو الدين القويم ودعوته لاتخص جنساً واحداً وانما هي لجميع الاجناس من عرب وعجم، وتحمل العرب في اول الامر عبء الدعوة ثم شاركهم فيها اخوانهم المسلمون، فانتشر الاسلام في جميع ارجاء العالم، وفي العصر الحديث جد الغرب في طبع العالم بطابعه في الدين واللباس، والاقتصاد والعادات والتقاليد، بل وفي تعليل الامراض العضوية والنفسية، وامتد التعليل الى امراض الكبار، فاصبحنا نقرأ بين الفينة والاخرى عن اكتئاب الكبار وصفة علاجه ، ونسي اولئك الكتاب انهم جزء من منظومة العولمة التي سار الغرب في الدعوة اليها منذ بروز قوته الفكرية والعسكرية منذ ثلاثة قرون وحتى الآن، هو لايبقي توجهه في اسم واحد، فمرة يطلق عليه علمانية،ومرة حداثة، واخرى عولمة.
ان عولمة الغرب الحديثة خلفها فلسفته التي مزجها بعاداته، وتقاليده وما ألفه في الصغار ، والشباب، والكبار، وقد تفرع عن تلك الفلسفة عولمة اكتئاب الكبار، فإذا كان هذا المرض قد تفشى بين رجال اصابهم القنوط فاندفع بعضهم الى الانتحار، بسبب جفاف الحياة الغربية فهو معدوم لدينا.
ان حياتهم اعدت للشباب والقادرين، فإذا امتد العمر بالرجل او المرأة نُسيا من قبل المجتمع، ومن كان له ابناء او بنات فإن مشاغل الحياة اليومية واللهاث خلف طلب الرزق او خلف المنصب والجاه يبعد اولاده عن زيارة والدهم او والدتهم,والرجل المسلم يختلف عن الرجل الغربي، فالاسلام نظم حياة المسلم، وربطها بربه، فالصلاة صلة بين العبد وربه، وهي خمس مفروضة، ثم تأتي السنن في الليل والنهار، فصلاة آخر الليل،وتلاوة القرآن من اقوى الروابط التي تربط الانسان بربه،وصلاة الضحى والسنن النوافل قبل الصلاة المفروضة وبعدها وتلاوة القرآن تقرب الانسان لربه وتبعده عن صخب الحياة, ثم الصيام والصدقة وفعل الخير روابط اخرى بين المسلم وربه، فالمسلم في كبره في عمل دائم للآخرة، فإذا عجز عن اداء الصلاة بسبب المرض فإن لسانه يؤدي مايستطيع اداءه, لقد كانت حياة المسلمين في مدنهم وقراهم وباديتهم حياة تقارب، واخوة وألفة، لاتعرف الانفراد، فهي حياة اجتماع في الصلاة، وفي السوق، وعلى موارد المياه، بل وعلى الطعام، فكثير من الاجواد لم يطعم طعامه منفرداً، وانما يأكله مع الآخرين, وفي المدن والقرى نلحظ التلازم بين المسجد والسوق، فإذا خرج الشيوخ من المسجد جلسوا في السوق يتحدثون حتى تقرب الصلاة الاخرى، او يحين وقت الطعام، فالسوق لايخلو من جالس فيه اما بجوار دكان او في مجلس مستقل, والعرب في جاهليتهم واسلامهم لم يعرفوا هذا المرض فمن الاساطير المروية عن جفاة البادية ان رجالاً استثقلوا نقل والدهم المقعد فعزموا على حفر قبره لعله يموت قبل رحيلهم، وعندما شرعوا من حفر القبر اخذوا في الانشاد لينشطهم على الحفر، فاخذوا يرددون (حي حفرنا بيته) فرد عليهم الشيخ (من قبلكم سويته) فهذا دليل على بعد شيوخ العرب عن هذا المرض وان كانوا من جفاة البادية, ان المسلم يستبشر بلقاء ربه، والانتقال الى الجنة التي عمل لها الاعمال الصالحة، فهو يتحدث في الدقائق الاخيرة من حياته، وكأنه مسافر الى مدينة اخرى، وذلك يرجع الى قوة ايمانه، وثقته بربه، وامله في الانتقال الى حياة افضل من هذه الحياة الفانية التي لاتدوم لإنسان علىوجه هذه الارض، وآخر القول ان اكتئاب الكبار ليس له وجود في حياة المسلم.
د,عبدالعزيز بن محمد الفيصل