أطلعت على مقالة الدكتور/ عبدالله الفوزان المعنونة شرهتنا كبيرة بجريدتكم الجزيرة العدد رقم 9172 وتاريخ 29/6/1420ه والمتضمن انتقاد وزارة الشئون الاسلامية لاستشارة مؤسسة وطنية لتطوير نظم الجودة واساليب العمل في الوزارة تمهيداً للحصول على شهادة الجودة فأحببت ان اعقب على ذلك مستلهماً الصالح العام والله من وراء القصد.
في البداية اود ان اشيد بالكاتب الذي عرف بمواقف وطنية جادة، وبقلم ناقد واسلوب جميل وان كنت اعتقد ان الكاتب قد طرق موضوعاً لا يستحق هذا الضجيج,, فالامر عادي جداً ونستدل على ذلك من الشواهد التالية:
اولاً:نقلة حضارية: في نظرية ادارة الاعمال تتسابق المنشآت غير الربحية الخيرية والمؤسسات الحكومية الخدمية الوزارات الى تبني المفاهيم الحديثة واساليب التطوير المتقدمة,, بل ان بعض هذه الجهات تمارس التسويق الذي يكلف غالياً ولكنه يساهم في تحقيق اهداف مطلوبة مثل خدمة المستفيدين وتحسين الانطباعات وتحقيق الراحة للموظفين والعاملين وغير ذلك، لذا فان ما اقدمت عليه وزارة الشئون الاسلامية يعتبر نقلة حضارية نرجو ان تستلهمها بقية الوزارات والمؤسسات الحكومية تمشياً مع روح العصر ونظرية ادارة الاعمال الحديثة.
ولإحقاق الحق نلاحظ ان وزارة الشئون الاسلامية والاوقاف تتعامل مباشرة مع الاوقاف وهي مشاريع يجب ان تدار بروح تجارية وتعامل ك منشآت ربحية خاصة من حيث النظم والاجراءات والاساليب والاهتمام بالجودة والسبق الى التميز وتحقيق الارباح,, هذه المتطلبات والمفاهيم تؤخذ من جهات خاصة ذات خبرة في هذا المجال والى هناك ذهبت الوزارة واعلنت نواياها على الملأ.
يجدر بنا وبكتّابنا المتميزين البعد عن سوء الظن وتحميل المسائل ما لا تحتمل ولنتذكر قيمنا وتقاليدنا التي تدعونا لان نقول للمحسن احسنت، ولنرفع اصواتنا لوزارة الشئون الاسلامية احسنت .
ثانياً: الفرص للجميع: ان الوزارة ليست اول ولا آخر جهة حكومية توقع عقود ودراسات تطوير مع القطاع الخاص ولو تقصى الباحث لوجد ان جهات حكومية عديدة وقعت عقوداً لتحقيق اغراض منها استشارات التطوير والتدريب,, بل بعض هذه العقود اكبر من عقد الوزارة المعنية بكثير!!
فاذا كانت هذه الممارسة معتادة,, فعلام يكبر التشره بلغة الكاتب على الوزارة؟ الاسباب لدينا غير معروفة!
ثم ان معهد الادارة جهة من الجهات المتاحة في البلد: فأين مفاهيم تشجيع القطاع الخاص، وتشجيع ظهور كفاءات وطنية التي شجعت عليها خطط التنمية السعودية؟ واذا لم تقم الدولة بتشجيع دور الاستشارات الوطنية، فمن يقوم؟ ان طوفان الدور الاستشارية الاجنبية قادم من مرحلة منظمة التجارة العالمية ,, فهل معهد الادارة سيكون منافساً ام الدور الاستشارية الخاصة، ثم لماذا نضيق دائرة الفرص لتقتصر على معهد الادارة,, ان الفرص يجب ان تكون متاحة - يا اخي- للجميع، والقطاع الخاص جزء اساسي وحيوي في مسيرتنا التنموية.
ثالثاً: الجودة والقطاع الخاص: الجودة، وخفض التكلفة والاقلال من الهدر في الوقت والمصادر والاموال وزيادة وعي الموظفين تجاه الجودة الادارية وغيرها من المفاهيم تجدها متجذرة في الفكر الاداري لمؤسسات الاعمال في القطاع الخاص,, ويجيدها العاملون فيه,, ولو تتبعنا تاريخ الفكر الاداري لوجدنا ان مساهمة القطاع الخاص في تنميته كبيرة,, كما ان مساهمته في تطوير الفكر الاداري الحكومي الذي يتصف تاريخياً بالبيروقراطية وتدني الانتاجية وتضخم التكلفة كبيرة,.
ومن الشواهد على اسهام القطاع الخاص بتنمية الاجهزة الحكومية ما تم من تعاقد الحكومة الفيدرالية الامريكية مع بعض الشركات الاستشارية الخاصة بتطوير الاداء لمؤسسات القطاع الحكومي في الولايات المتحدة الامريكية، وكذلك ما تفعله احدى الدول- المتطورة- الخليجية من حث مسئولي الاجهزة الحكومية فيها على حصول وزاراتهم على شهادة الجودة قبل عام 2000م.
رابعاً: هناك ثغرة اخرى في جدلية الكاتب وتتعلق بمسألة التكاليف، فقد اورد الكاتب كلاماً غير دقيق مفاده ان معهد الادارة يقدم دراسات مجانية وبنى نوعا من المقارنة الوهمية مع تكاليف العقد في حين ان الموضوع لو تم النظر اليه بتجرد لوجدنا ان هناك تكاليف يتكبدها معهد الادارة العامة مثل تكلفة الفرصة الضائعة من عدم تكليف مستشاري معهد الادارة بالتدريب او باستشارة اخرى او بعمل اداري او,,, اضافة الى تكاليف المستشارين وخارج الدوام و,, ثم ان عامل الوقت يعتبر معياراً حاسماً لخفض تكاليف الوزارة وتحقيق السرعة المطلوبة في الرقي بمستوى الخدمات المقدمة ل عملاء الوزارة الذي تكن لهم الوزارة كل الحب وتتشرف بخدمتهم، اتمنى ان يتم تقييم التكلفة الحقيقية للخدمات التي تقدمها مؤسسات الدولة وان نبتعد عن مفاهيم مجاناً الخيالية، كما اتمنى ان تقوم الجهات المستفيدة بتحليل العوائد الحقيقية من الخدمات التي تقدمها اجهزة الدولة,, وان يتم اخذ عنصر الزمن في الحسابات، فالاستشارة التي تقدم الآن,, يفترض ان تختلف باختلاف الزمان,, فهي غير الاستشارة التي تقدم قبل سنتين او بعد سنتين!
خامساً: ممتلكات معهد الادارة العامة والقطاع الخاص: من المعلوم ان خطة التنمية السادسة قد نصت بشكل واضح على تفعيل دور القطاع الخاص في التنمية كهدف استراتيجي,, وفي هذا العصر الذي تجذرت فيه فلسفة استراتيجية الخصخصة فان اسناد المشاريع الى جهات خاصة اصبحت مسألة مطلوبة بقوة وبدافع المواطنة الحقة,, وليست عيباً او هدراً او قفزاً على ممتلكات معهد الادارة العامة!!
ولو اخذنا بمبدأ الكاتب,, فلن يعمل احد وسينام الاقتصاد,, فالاستشارات في معهد الادارة والتدريب في المؤسسة العامة للتدريب الفني والدراسات والبحوث في مدينة الملك عبدالعزيز والمدارس في وزارة المعارف وهكذا حتى تنتهي مسبحة الاقتصاد!!
سادساً: معهد الادارة العامة وحديث ذو شجون: للمعلومية، فقد امضيت في المعهد احد عشر عاماً من اجمل سنوات عمري احلاماً ورؤى وانجازات,, لذا فقد يكون الحديث عنه صعباً على النفس: فهل جربت يوماً ان تنقد احلامك الجميلة؟ ام هل عرفت قسوة النفس باجترار الذكريات الجميلة في اوقات الشقاء؟
ولكن لابد من توضيح بعض النقاط هنا:
يرى الكاتب ان جميع الاجهزة الحكومية يجب ان تتوجه الى معهد الادارة العامة,, فهل يعتقد القارىء الكريم ان معهد الادارة سوف يجد الوقت الكافي لتقديم خدمات واستشارات ذات مستوى عال وفي وقتها لهذا الكم الهائل من الاجهزة والمؤسسات الحكومية,, لابد من ادخال عنصر الزمن كمورد مهم في الحسابات عند اتخاذ القرار,.
ثم ان هناك اسئلة تفرض نفسها على واقعنا:
هل من صالح الفكر الاداري الحكومي ان تتولى جهة واحدة احتكار بناء الهياكل الادارية؟ وهل من المفيد ان يكون هناك تفكير نمطي واحد في بناء اجهزتنا الحكومية؟ ثم هل تجارب الدول الاخرى التي سبقتنا في مجال التنمية الادارية تحبذ وجود جهة مركزية حكومية للتنمية الادارية ام ان ادخال مؤسسات القطاع الخاص في التنمية كان عاملاً ايجابياً ومسرعاً في عملية التنمية؟ الاجابة تجدها لدى سيدة العالم امريكا والنمر الآسيوي ماليزيا .
والله من وراء القصد
صالح بن محمد الدويش
نائب المدير العام للشركة العقارية السعودية محاضر سابق بمعهد الإدارة