عزيزتي الجزيرة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
دائماً ما تعرض للمرء مواقف متناقضة يقف امامها مشدوهاً مستغرباً تتجاذبه احاسيس متنوعة ومشاعر متقلبة، يعيش خلالها بين الم وحسرة وامتعاض واسى، وقاصمة الظهر انه يقف امامها مكتوف الايدي، لا يملك تجاه ما يتعرض له من تلك المواقف حولاً ولا قوة، ولعل من ابرز تلك المواقف ما نراه ونلمسه من تناقض عجيب وتباين واضح بين اوضاع العمالة الوافدة في مملكتنا الغالية، ولعلي ومن خلال ميداننا الارحب عزيزتي الجزيرة اتطرق بشيء من التعليق والايضاح لحالتين متناقضتين من احوال العمالة في بلادنا راجياً من المولى جلت قدرته ان ينفع بذلك ويجعله مساهماً في اعادة الامور الى موازينها والحق الى نصابه.
الحالة الاولى: عمالة مظلومة، وجوهها تنطق بالهم والاسى والحسرة، وكأنها تحمل على كاهلها اثقال الارض كلها، واما سبب ذلك فهو عدم اعطائها ما تستحقه من الاجرة لشهور متوالية قد تصل الى سنة او قريب منها اضف الى ذلك تكليفها باعمال فوق طاقتها مع قلة المردود المادي الذي قد يصل في بعض الاحيان الى ثلاثمائة ريال شهرياً!! فبالله عليكم ايها المنصفون كيف سيعيش هذا العامل؟ ومن اين سيأكل ويشرب؟؟ وما موقفه من عائلته التي تنتظر ما يرسله لها بفارغ الصبر؟؟ لاشك ان هذا العامل وامثاله يعيشون في حالة مؤلمة ووضع مزر قد يدفع بهم الى التسول او مخالفة انظمة الاقامة والعمل للحصول على لقمة العيش.
فيا ايها الكفلاء المتساهلون في هذه القضية الهامة عليكم بمراقبة الله تعالى والخوف منه، واياكم ان تظلموا هؤلاء المساكين بعدم اعطائهم حقوقهم او انتقاصها، واعلموا ان هذا ليس من سمات المسلم الحق ولا تنسوا ان الظلم جرم خطير وعاقبته وخيمة في الدنيا والاخرة قال تعالى: ماللظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ويقول سبحانه ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون وقال صلى الله عليه وسلم ان الله ليملي للظالم، فاذا اخذه لم يفلته ثم قرأ وكذلك اخذ ربك اذا اخذ القرى وهي ظالمة ان اخذه أليم شديد رواه البخاري ومسلم وقال صلى الله عليه وسلم اتقوا الظلم فان الظلم ظلمات يوم القيامة رواه مسلم, فيا ايها الاخوة الاحباب: نتمنى ان تعطوا العمال اجرتهم بشكل منتظم دون تأخير او نقصان فان ذلك حق اصيل من حقوقهم وهم بحاجة ماسة اليه كما انه يدفعهم للاقبال على العمل بنفوس منشرحة فيزداد الانتاج وتكثر الارباح, وختاماً اخي الكفيل: ضع نفسك مكان هذا العامل المسكين كيف ستكون حالك لو تأخر مرتبك الشهري يوما او اسبوعا او نقص منه ريال واحد؟؟ اظن انك ستقلب الدنيا رأساً على عقب وستبذل قصارى جهدك لكيلا يتكرر ذلك!! اذن فما بالك لا تعامل غيرك بمثل ما تحب ان تعامل به؟؟ وتذكر ان دينك يحثك على اعطاء الاجير اجره مباشرة وينهى عن المماطلة فيه قال صلى الله عليه وسلم اعطوا الاجير اجره قبل ان يجف عرقه وعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى ثلاثة انا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته: رجل اعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر اجيراً فاستوفى منه العمل، ولم يعطه اجره رواه البخاري وغيره.
الحالة الثانية: وهي نقيض الحالة الاولى تماماً فهناك عمالة اجنبية تعيش في وضع مادي ممتاز يفوق في كثير من الاحيان مستوى المعيشة لدى الكثير من ابناء البلاد انفسهم، مسكن رائع وسيارة فخمة، وعائلته معه في غربته، واذا فتشت عن احوال هذه العمالة وجدت انهم يتحايلون على انظمة الاقامة والعمل وذلك بالتواطؤ مع مواطن جشع اعمى حب الريال بصره والغى بصيرته وحمله على مخالفة تعاليم دينه وانظمة بلده، فوفر لهذه العمالة عملاً مناسباً وذلك بافتتاح محل او متجر او مؤسسة او نحوها باسمه كمواطن ثم سلمه لهذه العمالة لتعمل فيه لحسابها الخاص مقابل نسبة يسيرة يتسلمها اخر كل شهر، وبهذه الطريقة الماكرة تحايل على الانظمة وساهم في هدم اقتصاد بلده.
ايها الاحباب: والله اننا لنتقطع الماً ونعتصر حزناً على هذا الوضع المزري!! ابناؤنا وسواعد بلدنا يعانون من قلة الاعمال التجارية الحرة والاجانب يمارسون هذه المهام بكل حرية وتبجح!! ومما يزيد الطين بلة والحسرة حسرة اننا نعرف وندرك بشكل تام وجود هذا التلاعب الواضح ولكننا لا نستطيع ان نثبت ذلك للجهات المسؤولة لتعمل على اجتثاث هذه الاعمال الماكرة القذرة من جذورها وتعاقب من تسبب في ايجادها وهنا يحق لي ان اوجه رسالتين هامتين:
الرسالة الاولى وهي لكل مواطن يتستر على عامل او عمالة اجنبية لتعمل في متاجر تحمل اسمه مقابل نسبة ضئيلة او اجر شهري معين فاقول له ان التعامل بمثل هذه المعاملات محرم في ديننا كما افتى بذلك علماؤنا الافاضل وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله وفضيلة الشيخ محمد بن عثيمين حفظه الله، ومادام ان هذا التعامل محرم فكسبه ايضاً محرم وقد امر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالابتعاد عن اكل الحرام عن ابن عباس قال: تليت هذه الاية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالاً طيباً فقام سعد بن ابي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله ان يجعلني مستجاب الدعوة فقال صلى الله عليه وسلم يا سعد: اطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة والذي نفس محمد بيده، ان العبد ليقذف باللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل منه عمل اربعين يوماً، وايما عبد نبت لحمه من سحت فالنار اولى به اخرجه الطبراني وقد ذكر النبي صلى الله عليه سلم الرجل يطيل السفر اشعث اغبر يمد يديه الى السماء: يا رب ومطعمه حرام وملبسه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟ رواه مسلم وقال ابو عبدالله النباجي رحمه الله تعالى: خمس خصال بها تمام العمل: الايمان بمعرفة الله عز وجل، ومعرفة الحق، واخلاص العمل لله، والعمل على السنة، واكل الحلال، فان فقدت واحدة لم يرتفع العمل , وقال وهيب ابن الورد: لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك حلال او حرام هذا بالاضافة الى ان تعاملك بمثل هذه الاعمال مخالفة صريحة لانظمة الاقامة والعمل في بلادنا وخيانة لبلدك ووطنك!! اذ كيف تكون سبباً في حرمان ابنائه من العمل فيه وتوفره لغيرهم؟! وكيف تسمح لنفسك ان تكون سبباً في تحويل ملايين الريالات خارج وطنك؟! ثم كيف تفرط بمئات الالاف من الريالات لتلك العمالة؟! ألست كمواطن سعودي اولى منهم بذلك من خلال متابعة اعمالك بنفسك دون تستر او تحايل؟!
الرسالة الثانية: وهي موجهة بكل الود والتقدير للمسؤولين في الجوازات ونقول فيها: نشكر لكم جهودكم الميمونة في سبيل القضاء على كل مخالف لانظمة الاقامة والعمل، وقلوبنا وجوارحنا معكم في كل ما تسعون اليه، ولكن ما رأيكم فيمن يمارس مثل هذه الاعمال القذرة؟ وكيف يمكن للمواطن المخلص الذي يعلم بمثل هذه التلاعبات ان يتعامل معها؟؟ وهل من الممكن احداث ضوابط جديدة تحد من انتشار هذه الظاهرة السيئة؟ نتمنى ان تتوصلوا للعلاج الناجع بأقرب وقت، وان تتكلل جهودكم بالنجاح والتوفيق.
عزيزتي الجزيرة: ان المواطن والمسؤول يعملان في خندق واحد وكلاهما مكمل لدور الاخر، بل ان المواطن الصالح هو رجل الامن الاول لذا فعلينا ان نتكاتف جميعاً للقضاء على كل متلاعب بأمن هذا البلد واستقراره والله الهادي الى سواء السبيل.
أحمد بن محمد البدر
الزلفي