Friday 15th October, 1999 G No. 9878جريدة الجزيرة الجمعة 6 ,رجب 1420 العدد 9878


نائب رئيس جامعة الإمارات لـ الجزيرة
حقوق الإنسان في الإسلام لا تختلف عما عليه القوانين والمعاهدات الدولية
الشريعة الإسلامية سبقت في الدعوة إلى حماية الإنسان وحفظ حقوقه

* كتب - مندوب الجزيرة
تعتبر قضية حقوق الإنسان من القضايا التي تحظى باهتمام عالمي بالغ، مع تزايد الحروب وانتشار الاضطهاد والتعصب والتفرقة العنصرية.
وتسعى البشرية إلى منح الإنسان حقوقه الكاملة بغض النظر عن جنسه أو معتقده أو لونه، وفي سبيل ذلك سعت الى إقرار هذه الحقوق والعمل على حمايتها وصيانتها من خلال (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الذي اقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1948م.
ويرى الدكتور سعيد عبدالله حارب المهيري نائب رئيس جامعة الإمارات بدولة الإمارات العربية المتحدة انه مع اتفاق العالم على ذلك، فإن المسلمين - وهم يمثلون جزءاً من هذا الاتفاق - لا يختلفون عن غيرهم من الشعوب في إقرار هذه الحقوق واعتمادها، بل ان الشريعة الإسلامية سبقت ذلك من خلال نصوصها، التي تدعو إلى حماية الإنسان والمحافظة على حقوقه، إذ ان هذه الحقوق تنطلق من رؤية الإسلام للإنسان ذاته، حيث جعله الله تعالى في موطن التكريم بقوله سبحانه: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً).
جاء ذلك في حديث ادلى به د, سعيد المهيري لالجزيرة اكد خلاله ان فكرة حقوق الإنسان تنطلق من (التعبد) الذي يدين به المسلم لله سبحانه وتعالى فهو (يتعبد) باتباع اوامره واجتناب نواهيه، فإذا خالف ذلك استحق العقوبة الدنيوية والآخروية، حتى ولو لم يكن لذلك أثر واضح على الآخرين، إذ ان الحقوق الإنسانية تحفظ للإنسان كرامته وسمعته ومكانته.
لذا فلا يجوز للمسلم ان يحتقر الإنسان او يسيء الى سمعته، بل ونهى الإسلام ايضاً عن مجرد سوء الظن لما في ذلك من اثر على العلاقة بين البشر، فقد قال تعالى: (إن بعض الظن إثم).
واشار المهيري إلى ان العلاقات الدولية في الإسلام قامت على مبدأ التواصل مع الآخرين، فجاءت النصوص الشرعية مماثلة للممارسات العملية للعهود الإسلامية المختلفة، قال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا,,) وقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم ان الله يحسب المقسطين)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة، ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين).
ثم قال المهيري: فهذه الآيات تدل بعموميتها على ان اصل العلاقة بين الشعوب والدول هو السلم كما انها تدعو المؤمنين الى الدخول في حالة سلمية شاملة.
مقومات حقوق الإنسان في الإسلام
كما تحدث د, سعيد المهيري عن مقومات حقوق الإنسان في الإسلام، وهي نفسها المقومات التي تقوم عليها فكرة العلاقات الدولية في الإسلام ومنها: أولاً (الحرية) التي هي مطلب اساسي للإنسان والدول والشعوب حتى يمكنهم التعبير عن أرائهم بصورة صحيحة.
وفي هذا السياق ابان المهيري ان الحرية اضافة الى انها مبدأ إنساني أصيل فإنها مبدأ شرعي إسلامي، إذ ان الشريعة ترفض فكرة خضوع الإنسان لأي قوة مسيطرة عليه سوى خالقه سبحانه وتعالى، لذلك فإن المجتمع الإسلامي لا يقبل سيطرة اي قوة سياسية متسلطة، بل تنشأ العلاقة بين الشعب والسلطة من خلال البيعة للحاكم او السلطة، وبهذا يجتاز هذا المجتمع فكرة الدكتاتورية او السيطرة المغتصبة، وتلتزم الدولة هنا برعاية حقوق الإنسان فيها وتأمينها وحمايتها وعدم خرقها إلا بمسوغ تشريعي سواء كان رعاياها من المسلمين أو من غيرهم، بحيث لا يفرق بين مسلم وغيره في حق المواطنة إلا ما كان متعلقاً بشأن ديني بحت.
المساواة بين الناس
بعد ذلك انتقل المهيري الى المبدأ الثاني من مقومات حقوق الإنسان وهو (المساواة) حيث اوضح ان الإسلام يقرر مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات انطلاقاًمن رؤية الإنسان الذي كرمه الله وفضله على بقية خلقه،وهو مبدأ يقضي على عوامل الصراع التي يمكن ان تنشأ بين الدول او الافراد، والتي يظهر منها اليوم ما يدفع إلى الاختلاف، كالصراعات العرقية أو الدينية كما يحدث في البوسنة والهرسك، وكوسوفو، والهند، والمنطقة الكردية، وبورندي، ورواندا، وجنوب المكسيك، وايرلندا وغيرها من بؤر التوتر في العالم، ولقد قرر الإسلام منذ نشأته مبدأ المساواة الانسانية وجعل ظلم الآخرين من الجرائم التي يستحق عليها اشد العذاب فيقول صلى الله عليه وسلم: (إن الظلم ظلمات يوم القيامة).
العدل الإسلامي الشامل
اما المبدأ الثالث وهو (العدل) فيقول عنه د, المهيري: إن العدل صفة مهمة ولازمة لكل جانب من جوانب الحياة وهي في العلاقات الدولية الزم واهم، والشريعة الإسلامية لاتنظر الى العدل كمصلحة ذاتية، او مسألة داخلية بل هو مسألة شاملة للمسلمين ولغيرهم,, للصديق منهم والعدو، ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكد على هذه المعاني في قوله تعالى: (ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط، ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون).
ويسجل احد المستشرقين اقراره وإعجابه بالعدل الإسلامي حين يقول: ومما يتفق مع هذه الروح التي تنطوي حسن معاملة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- لرعاياه من اصحاب الديانات الاخرى ما اثر من عمر، من انه امر ان يعطى مجذومون من النصارى من الصدقات، وان يجرى عليهم القوت، وهو لا ينسى الذميين حتى في آخر وصاياه، إذ عهد إلى من يخلفه بما ينبغي القيام به في هذا المنصب السامي فقال: أوصيه بذمة الله وذمة رسوله ان يوفي لهم بعهدهم وألا يكلفوا إلا طاقتهم .
السلام العالمي
ثم تحدث نائب رئيس جامعة الإمارات العربية عن السلام العالمي كمبدأ عظيم جاء الإسلام ليقره ويحدده على منهج جديد حيث ينظر اليه كنظرة شمولية ويقرر ان السلام يجب ان يسود العالم أجمع، وذلك لأن الدعوة الإسلامية عالمية,, قال تعالى مخاطباً نبيه: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
فالسلام العالمي في الإسلام هو السلام الذي يعيش فيه الناس جميعاً في أمن وطمأنينة وسلام دائم، ودون تفريق بينهم لجنس او لون او نسب، وفي حرية تمكنهم من الاختيار.
والسلام في الإسلام قائم على المساواة بين الدول والافراد على اساس الحقوق والواجبات وعدم التدخل في شئون الدول الاخرى والاستقلال السياسي للدول بما يحقق ممارسة سيادتها وشؤونها الداخلية والخارجية دون العدوان عليها.
كما انه قائم على الشريعة الإسلامية التي لا ترفض قيام المنظمات الدولية لحفظ السلام العالمي وتحقيق الأمن المشترك من خلالها لكل الدول، ومما يجعل للدول الإسلامية الحق في ان تشترك مع غيرها - من المشاركين معها في رقعة جغرافية واحدة - لحماية المنطقة من الاعتداء عليها.
حقوق الإنسان وقت السلم
وفي سؤال عن حقوق الإنسان في العلاقات الدولية وقت السلم، اوضح د, المهيري ان السلم هو الحالة الطبيعية للعلاقات الدولية وان اثر هذه العلاقات السلمية يمتد الى جميع افراد المجتمع.
ثم تناول في حديثه بعض الاشخاص الذين يرتبطون بالعلاقات الدولية كالسفراء واللاجئين السياسيين وغيرهم، وكيف أن الإسلام اعطى لهم من الحقوق ما يمكنهم من اداء مهمتهم واحترامهم ومساعدتهم، مع منح السفراء حسن المعاملة وحرية التنقل والمشاركة في الحياة الاجتماعية والاتصال بدولهم والإعفاء من الرسوم المالية، كما منح الأمان والحماية (الحصانة الدبلوماسية) للسفير او الرسول او المبعوث، حيث يرى الإسلام في قتل السفراء غدراً لا يجوز للمسلمين ان يتصفوا به بحال، اضافة الى ان حق اللجوء السياسي كوسيلة لحماية المضطهدين والمطاردين لاسباب سياسية او عند تعرضهم في بلدانهم الأصلية للسجن او التعذيب او القتل، ان الشريعة الإسلامية اعطت اللاجىء السياسي حقوقاً هي التي اقرتها بعد ذلك الاتفاقات الدولية المنظمة لشؤون اللاجئين السياسيين،ومنها حق الحماية والرعاية من الدول الإسلامية وعدم تسليمه لمن يطلبه!
حقوق الإنسان وقت الحرب
اما عن موقف الإسلام من الحرب فيقول د, المهيري: ان الحرب تعتبر حالة استثنائية وليست طبيعية في العلاقات بين الدول ولذا نجد ان الإسلام يقدر هذه الحالة بقدرها ويحدد احكامها التي تحفظ للإنسان -حتى المقاتل - حقوقه، ولا يسمح بتجاوز تلك الحدود أو التعدي عليها.
وفي هذا الصدد اوضح المهيري ان الإسلام حين شرع الحرب لم يشرعها ظلماً او اعتداء على الآخرين، وإنما شرعها رداً للعدوان لقوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)،وبهذا يقرر الإسلام قاعدة مهمة وهي ان مشروعية الحرب لا تنطلق، إلا من حالة رد العدوان او لنصرة المظلومين والمضطهدين، كما ان الإسلام لم يسمح بتجاوز الحرب حدودها الضرورية لتشمل غير المحاربين وهم ما يسمونهم اليوم بالمدنيين.
واشار الى ان الشريعة الإسلامية تلتقي بذلك مع اتفاقية (جنيف) بشأن حماية المدنيين وقت الحرب، حيث تقرر عدم جواز التعرض لغير المقاتلين (كالنساء والاطفال والشيوخ والمقعدين والمعاقين ورجال الدين والسفراء والدبلوماسيين، واصحاب المهن والوظائف من المدنيين).
كما اوصت الشريعة خيراً بالأسرى حيث انها لا تنظر الى الاسير باعتباره مجرماً بل باعتباره مقاتلاً توقف عن القتال، فشرعت له احكاما خاصة به يعامل من خلالها معاملة جيدة بحيث يتم الإحسان اليه حتى تتم تسوية آثار الحرب بين الدول المتحاربة.
اما مسألة الرق فالشريعة الإسلامية لم تقرره بل عملت على إغلاق هذا الباب بان جعلت كفارة كثير من المخالفات هو تحرير (العبيد).
كذلك تقرر الشريعة احكاما خاصة في القتلى والجرحى، بعدم التعرض لجثث قتلى الحرب باهانتها او احتقارها او تشويهها ويتم معاملتهم من خلال احصاء عددهم وتسجيل المعلومات عنهم وتسليم جثثهم الى الدول الاخرى او لاقاربهم او دفنهم بعد موافقة دولتهم او اقاربهم، كما ترفض الشريعة اخذ مقابل مادي لجثث القتلى لان في ذلك امتهانا لكرامة الإنسان واحتقارا لمكانته.
ويختتم د, سعيد المهيري حديثه لالجزيرة مؤكدا على ان الشريعة الإسلامية لا تختلف في احكامها المتعلقة بحقوق الانسان عما عليه القوانين والاتفاقيات والمعاهدات الدولية، لانها تنطلق معها قاعدة اساسية وهي حق الإنسان في الحياة الحرة الكريمة.
كما ابان المهيري ان السلام العالمي مطلب سعت له الشريعة الإسلامية بل ان اسم الإسلام مشتق من السلام ولذلك يلتقي المسلمون مع غيرهم من شعوب العالم في الدعوة الى إقرار السلام الذي يحقق للإنسان حريته وكرامته ويحقق للعالم امنه واستقراره.
ودعا نائب رئيس جامعة الإمارات الباحثين المسلمين إلى ضرورة العمل على ابراز الجوانب الحقيقية في موقف الإسلام من حقوق الإنسان سواء كان ذلك من خلال العلاقات الدولية اوغيرها حتى يتعرف الآخرون على هذه الحقيقة، ولتفنيد المزاعم التي يلصقها البعض بالشريعة الإسلامية وكشفها والرد عليها.
كما طالب الباحثين من غير المسلمين بدراسة الإسلام دراسة منصفة غير متحيزة حتى يستطيعوا تجلية الحقيقة، كما ان عليهم دراسة الإسلام بصورة متكاملة وليست جزئية حتى تكتمل الصورة امامهم، حتى يتحقق لهم فهم الحكمة او الفلسفة من التشريع.
رجوعأعلى الصفحة
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الثقافية
المتابعة
أفاق اسلامية
لقاء
عزيزتي
الرياضية
مدارات شعبية
شرفات
العالم اليوم
الاخيــرة
الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة][موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved